ز القول باستقلالية العقل عن الميتافيزيقيا ، افتتان الحضارة الغربية بإمكانيات العقل التي اعتبرت غير محدودة، وبالمعارف الحسية المرتبطة به . واعتبر العلم كنتاج للعقل ، هو الرافعة الوحيدة لترقي وتقدم الأمم ، والتي تمتلك مصداقية كاملة ، حيث يمكن إثبات مصداقية العلم ، الي حد كبير ، بالتجربة العملية المحسوسة، وهي المصداقية التي لا تتوفر للميتازيقيا الغير خاضعة للتجربة . علما بأن النشاط العقلي الذي يتولد عنه العلم هو في حد ذاته نشاط ميتافيزيقي محض. وهو قول لا يمكن المجادلة في صحته النسبية وغير المطلقة ودليل صحته ما بلغته الشعوب الأوروبية من تقدم ، ونجاحها في إقامة حضارة لها خاصية الانتشار. ولكن هذا النجاح لا يمكن عزله عن الظروف التي إحاطت بالنهضة الأوروبية فيما عرف بالكشوف الجغرافية التي ساهمت في حل مشكلة الانفجار السكاني الذي عرفته أوروبا بهجرة القوى البشرية الزائدة عن حاجة أوروبا الى الأمريكيتين واستراليا ونيوزيلنداوجلب الثروات الطبيعية من تلك البلدان البعيدة ثم استغلال شيوع ظاهرة الرق لجلب قوى عاملة رخيصة التكلفة لاستغلالها في المزارع والمناجم وقيما بعد في الصناعات الناشئة بعد إلغاء الرق,ثم أيضا الاستعمار الأوروبي الذي أخذ شكل عدة موجات برتغالية ثم أسبانية وإيطالية وألمانية وبلجيكية ثم فرنسية وبريطانيا. وهو استعمار اختفي شكلا وبقي جوهرا حتي اليوم بأنطمة في البلاد المستقلة تتبع الرأسمالية الأوروبية وتدور في فلكها وإن على هامشها أو ما يسمي في الأدبيات السياسية بالإمبريالية العالمية والتي ورثت فيها الولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية الإمبراطورية البريطانية التي كانت توصف من قبل بأنها الإمبراطورية التي لاتغيب عنها الشمس, لهذا لم يكن العلم وحده الذي خلق تلك الحضارة التي ما زالت مزدهرة ومنتشرة وطاغية.
وإذا كان فهمنا لما سبق يعني أنه لايمكن لنا استنساخ التجربة الأوروبية لعدم توفر شروطها، فإن ذلك لا يعني أيضا عدم إمكانية الاستفادة من هذه التجربة ، وإمكانية البناء عليها ، مع تعويض تلك الشروط الغير ممكنة بشروط أخرى.وفي نفس الوقت فإن التجارب الانسانية في بناء صروح التنمية الاقتصادية والانسانية ليست محصورة حاليا في التجربة الأوروبية ، فثمة تجارب ناجحة في دول آسيوية مثل اليابان والصين وكوريا وماليزيا ، وتجارب أخرى تسير على طريق النجاح في أندونيسيا وفيتنام والهند والبرازيل وغيرها . وبسبب قربنا الجغرافي من أوروبا يجعل حضارتها الأكثر تأثيرا على المستوى الثقافي. ولكي لا نكون خاضعين لهذا التأثير وحده ، يجب أن نستقيد من كل هذه التحارب الجديدة.
وقد تأسست في أوروبا على عبارة ديكارت: «أنا أفكر إذن أنا موجوذ” فلسفة كاملة حول الوجود والعدم، وإن انطلقت من هذه العبارة المشهورة التي اعتبرت ما ينتجه العقل معيارا وحيدا لإثبات الوجود الإنساني . ودليلا عليه، إلا أنه لم تنته عندها ، وأنما راح كل فيلسوف يقدم أفكارا جديدة حول شروط الانتقال من الوجود بالقوة، الوجود الفيزيائي للفرد، الي الوجود بالفعل. أي الوجود الناتج عن فعله، واعتبر عدم الانتقال من الوجود بالقوة فقط. الذي يشغل حيزا مكانيا وزمانيا في الوجود المادي هو بمثابة عدم داخل الوجود بالقوة إلى أن يتم الانتقال الي الوجود بالفعل.
ولقد بدأ الاهتمام بالوجود والعدم عند أرسطوثم انتقل معه إلى فلاسفة المسلمين مثل ابن سينا وابن ماجه وابن رشد والغزالي والفارابي. ولم يهمل أي منهم دور الفكر إلا أنه أضاف اليه أيضا دور الفعل ، أي العمل. وبنوا فلسفتهم على مدلولات ألفاط في اللغة العربية مثل: الفعل والفاعل من ناحية ، وعلى مفهوم يجمع بين المادة والميتافيزيقيا من ناحية أخرى، والتوقيق بين فلسفة أرسطو وقيم ومفاهيم الدين الإسلامي . ويمكن القول بأنه لولا ارتباط الفلاسفة المسلمين بأورسطو وخاصة ابن رشد منهم ، لتمكنوا من إنتاج فلسفة عربية مرتبطة ارتباطا كاملا بالفيم الدينية(أقصد بعربية من حيث اللغة ، حيث معظم الذين أسهموا في بناء الحضارة العربية لم يكونوا عربا عرقا) ونفس الشيء يمكن قوله بالنسبة للعرب المسلمين وغير المسلمين المشتغلين بالفلسفة في زماننا الحالي ، والذين يقتاتون فكريا على الفلسفة الأوروبية ، والتي تعد مرجعيتهم الوحيدة في هذا الشأن .وهو ما يجعل أساذ المنطق المغربي الدكتور طه عبدالرحمن فريدا واستثناء من بينهم ، إلا أن الجهد الفلسفي لا يمكن أن ينهض به رجل واحد.
أحد الفروق الهامة التي يمكن أن تكون بين الفلسفة الأوروبية الحديثة وبين الفلسفة العربية لدي المسلمين ، إن وجدت من يشتغل بها كمنتح وليس كمستهلك لفلسفة الغير أو ناقد لها ، وفي الجانب الوجودي منها خاصة ، هو أن الفلسفة الأوروبية دارت حول الفردانية ، بين يتعين على الفلسفة العربية المستلهمة للقيم الدينية حول: « الأمة “ . وبينما تأخذ الفلسفة الأوروبية طابعا تجزيئيا ، فإن القيم الدينية لدي المسلمين لها طابع توحيدى عليهم إلإلتزام به ، وبالتالى يجب عليها تبني وحدة الموجود، حيث مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم في الإسلام كمثل الجسد الواجد الذي اشتكي منه عضو تداعي له سائر الأعضاء بالسهر والحمي.من الطبيعي كمسلم أن أنتج فكرا يتفق مع عقيدتي الدينية والتي أفضل تسميتها بعقيدة التوحيد ، وفي نفس الوقت فإن ذلك ليس من شأنه أن يسبب إزعاجا للآصدقاء والصديقات الأفارفة الذين يدينون بالمسيحية والذين لهم نفس حقوق المواطنه ، طالما أن ما أكتبه هنا لا يوجد فيه تعارض مع عقيدتهم الدينية والتي لي إطلاع عليها.
ومثلما يجمع الجسد الواحد في وحدته العضوية : اللسان(اللغة) والعقل والنفس والروح ككل واحد لا يتحزأ، فإن ما يقابل تلك المكونات في المجتمع أو يرمز اليه يجب أن يكون موحدا وموحدا للمجتمع الإسلامي أيضا. وإذ يقابل مفهوم العقل في الفلسفة الأوروبية مفهوم القلب في الثقافة الدينية للمسلمين ، فإن مفهوم القلب يعد أوسع نطاقا من مفهوم العقل الأوروبي ، إذ يجمع مفهوم القلب بين العقل والنفس وبين التفكير والعاطفة ، وبين التحكم في النفس وغرائزها وطبائعها. بل يمكن القول أن الفكر المستند على الأسس الدينية يجمع بين المادة والروخ وبين العلم والإيمان في نسق واحد شامل ومتكامل وموحد ومتوازن.فالعقل هنا لا يحب أن يكون غائبا أو مغيبا وفي ذات الوقت يظل متكاملا مع نظائر له لا يجب لها أن تكون على خلاف أو صراع معه وإنما تظل منسجمه معه طول الوقت.
وبعد أن أفاض كثيرا فلاسفة أوروبا حول الوجود ونقيشه العدم ، جاء هيدجر أخيرا ليحاول رفع التناقض بين أن يحسب الإنسان موجودا وعدما في ذات الوقت . فقال هيجر بأن الوجود بالفعل هو :“إنوجاد في الوجود” . وما يفهم من قوله : »إنوجاد”(حسب الترجمة العربية لمصطلحه) أنه الحالة التي يتواجد فيها الإنسان بالفعل ، منتقلا إليها من وجوده بالقوة الدي يظل قائما .والإنسان فيه غير منعدم ولكنه غير منوجد أي في حكم الغائب عن الوجود الفعال.والإنسان بالتالي لا ينوجد مالم يكن فاعلا في وجوده بالقوة.وبالتالي لا يكفي في “الانوجاد” أن يكون الإنسان مفكرا ، على نحو ما قال به ديكارت، وإنما أن يكون فكره فاعلا، فغن لم يكن فكره فاعلا لايبرح حالة العدم ، وبمعني أخر أن يقترن فكره بالعمل ، أو يكون فكرا قابلا للتحول إلى عمل ، أي فكرا عمليا. وليس مجرد تنظير لوضع قائم ولا يحدد كيفية تغييره إلى ماهو أفضل منه.
وفكرة الوجود والعدم والتفرقة بينهما التي توصل اليها هيدجر لايخلو من مثلها القرأن الكريم وأبرز أية فيه توضح صراحة الفكرة قوله تعالي : « يا أيها الذين أمنوا إذا دعاكم الرسول الي ما يحييكم فاستجيبوا له وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ * وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ «(الأنفال25،24). ويطل الفرق قائما بين انوجاد الفرد الذي يقول به هيدجر لكي يحيا بعد ممات (أي بعد عدم) وانوجاد المجتمع الذي يتضح من خطاب القرأن الموجه للمجموع أو الجمع المؤمن ،وليس لفرد. أي إن الانوجاد هنا جماعي . وإن في عدم الانوجاد الجماعي تحدث القتن والمحن التي لا ينحصر ضررها في الذين ظلموا وحدهم في المجتمع وإنما تصيب المجتمع كله وتصليه نارها.
وإذا كان الايمان في الإسلام ناتجا عن تفكر القلب وتذكره وتدبره ، فإن هذا الأيمان لايكفي وحده لإحياء الموتي ، أي لانوجاد المؤمنين في الوجود، مالم يقترن بعمل الصالحات أو بالجمع بين الإيمان والإحسان. وهو ما يدعوا اليه الرسول المجتمع المؤمن من دين يجمع بين الحسنيين : الإيمان أو العلم والمعرفة والعمل به أي الصالحات التي تصلح أحوال الناس والإحسان في كل أمر الذي يكفل تقدمهم حضاريا.فمعيار العمل الصالح هو الارتقاء بالمجتمع من الحسن الي الأحسن بلوعا الحسني.
كثيرا ما يستشهد الوعاظ والدعاة والجماعات الدينية كلما تحدثوا عن التغيير بقول الله تعالي : » إن الله لا يغير ما بقوم حتي يغيروا ما بأنفسهم” ولا يدركون أن الآية تتحدث عن النفس الجماعية وليس الفردية ، وأن المفهوم الإسلامي للنفس الفردية والجماعية يستغرق النفس الإنسانية بأكملها ، ولو تنبه بعضهم لشيئ من هذا اعتبر إن المجتمع لن ينصلح أمره وتتغير أحواله مالم يكن كل فرد فيه بإصلاح نفسه وتغيير ما بها من فجور الى تقوى ، وقولهم هذا صحيح نظريا ومتعذر تحقيقه عمليا.كما أن صلاح النفس وتخليصها من أي فساد فيها لايكفي فيه التدين المحدود الذي يعبر عنه رأيهم ، أو تقف عند حدوده همتهم. بل إن بعضهم يحرص على الصلاة والصيام والحج أيضا ويخرج الصدقات ومازال باقيا في نفسه من الفجور ما فيها.وأيضا لا يزال يعد من الموتي الذين لم ينوجدوا في الوجود بعد ، وبقيوا في حدود الوجود بالقوة ويحتاجون إلى ما يجييهم. ولأن قاقد الشيئ لا يعطيه ، فلايكفي تدينهم الذي يعتريه قصورفي بناء دولة وتغيير أحوالها الفاسدة. ونفس الشيء يمكن قوله على من يعتبرون أنفسهم علمانين أو ليبراليين أو جداثيين وتسمع منهم كلاما مرتبا مزوقا وهم لا يعون ما يتحدثون عنه ويعادون دينهم بدون مبرر، وإن أحسنوا القول لا يحسنون العمل به.وكل من الفريقين لا يقبلون الرأي الآخر ولايحسنون الحوار مع من يخالفهم الرأي أو يجدد فيه ، ولا يجادلون بالحسني ، ويكونون في المجتمع شيعا وأحزابا متناحرة عوض جمعه وتوحيده بالحسني وتفجير طاقاته الابداعية ونشر المحبة والسلم الاجتماعي فيه
يقول تعالي : إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون * وتقطعوا أمرهم بينهم كل إلينا راجعون * فمن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا كفران لسعيه وإنا له كاتبون " (سورة الأنبياء 92-94) ويفول المسيح :"طهّروا نفوسكم في طاعة الحق بالروح للمحبة الاخوية العديمة الرياء فاحبوا بعضكم بعضا من قلب طاهر بشدة"( بطرس 1:22)
.نعم يجب أن يكون الشعب كله متدينا بالآسلام أو المسيحية ، ولكن تدينه يجب أن يكون مكتملا وجامعا بين الايمان أو العلم والإحسان أي العمل بالإيمان والعلم.ومحفزا على وحدةالمجتمع وعلى تقاسم أفراده المحبة والسلام والنماء.
والتغيير الجماعي لا يحدث إلا بتفاعل العلم والعمل أو الإيمان والاحسان بالتعبير الديني أو القرأني ، وهو أيضا تقاعل مستمر بين البنيات التحتية والفوفية على نحو ما قال به هيجل وكارل ماركس بعد التوفيق بين مقالتيهما، فلا تكفي فيه البنية الفوقية كما قال هيجل أو البنية التحتية كما قال ماركس. فكل منهما تحرك الأخرى في حركة وتفاعل دائم هو الذي يحدث تقدم المجتمعات.
ووفقا للآينتين سالفتي الذكر ، والتوضيحات السابقة ، فإن المؤمن (أي المسلم أو المسيحي العالم في مجتمعنا) يعد ميتا وجوديا وإن كان حيا فسيولوجيا، وحياته الوجودية ليست في المسجد أو الكنيسة وإنما خارجهما. وسيظل ميتا مالم يكن له دورا في تغيير أحوال قومه إلى ما هو أصلح لهم وأقوم سبيلا. فينوجد المجتمع كله معهم ، وفي انوجاده يتحقق له حتما الإيمان والعمل الصالح المطلوب دينيا. ولن يصل الي ذلك باتباع من يعتبره إماما أو مرجعية في دينه أو البابا في الكنيسة.وهما لا علم لهما بسياسة واقتصاد وتنمية شاملة ومستديمة وعلوم عملية وتقنيات وعلم بتحديات وإكراهات الزمان التاريخي والمكان(الموقع الجغرافي والموارد الطبيعية الدائمة والناضبة فيه) كلها عوامل أساسية في تحقيق الانوجاد.
ولقد كان ما يشغلني كثيرا طوال العشرية الأخيرة هو : كيف أحيا ويحيا قومي من بعد ممات نعيشه؟..وحيث لاحياة حفيفية بدون عزة وكرامة وحرية وعدالة وإحسان . أو كيف يمكن لنا أن ننوجد من جديد في الوحود الراهن بعد أن أمسي وجودنا فيه والعدم سواء؟ وبعد أن بات الفاعل في وجودنا سوانا، يفعل فينا وفيه ما يشاء، ونحن المفعول لهم ، لا نملك من أمرنا شيئا سوى الاستجداء أو الدعاء، ونستسلم لأذي الفاعل فينا بمهانة ومذلة واستخذاء.ولاقبل لنا برد مهانته لنا وأذاه .
وبصيغة إسلامية أبسط من تعقيدات الفلسفة ومتاهاتها: وتؤدي أفضل معانيها في ذات الوقت، يكون السؤال السابق: كيف يمكن إحياء الأنا الجماعية ، موحدة ومتكاملة الذات والمكونات، أي إحياء اللسان والقلب والعقل والنفس في أن واحد، لتكون أمتنا فاعلة في الحياة؟
وإذا كان الجواب الإسلامي هو أن نستجيب لما دعانا اليه الرسول ، والرسول إنما بلغ رسالات ربه المتمثلة في أيات الكتاب الكريم ،فإن هذا الجواب يعني ، في واقع الممات الحالي، أننا لا نستجيب حاليا لما دعانا اليه الرسول مع أننا، الكثير منا على الإقل، نصلي ونصوم ونزكي ونحج ونتجنب ما حرمه علينا الله ورسوله من الخمر وأكل الربا و السحت والميتة ولحم الخنزير وشرب الخمر ولعب الميسر، ومع ذلك نظل أسارى التخلق وفي حكم الموتيزإن هذا يعني أننا مهما حرصنا كل الحرص على ما سبق تظل استجابتنا لما دعانا اليه الرسول بما نقله عن الله عزوجل من أيات الكتاب ناقصة للشق المحيي منها لنا ووهي بالتالي غير كاملة .وأننا لم نع بعد كيف تكون الاستجابة كاملة.
يمكن أيضا أن نستنتج أنه إذا كان الموت الفسيولوجي ، الذي يتعرض له ويتساوي فيه كل البشر، يأتي دفعة واحدة ، وإن تعددت أسبابه ، حيث من لم يمت بالسيف مات بغيره ، تعددت الأسباب والموت واحد، فإن الموت الأنطولوجي/الوجودي يختلف عنه. إذ نجده درجات . حيث كل الشعوب المتخلفة ليست على درجة واحدة من التخلف . وكذلك الانوجاد في الوجود يتم أيضا على درجات سلم متتالية . والشعوب الأكثر تقدما ورقيا وانتاجا وإيمانا وعلما وأخلاقا وسلوكا ونظاما هي التي تحتل أسمي الدرجات في سلم الحياة الوجودية ، بصرف النظر عن الدين الذي تنتمي اليه . ولو اتبع المسلمون ما دعاهم اليه الرسول ، وسعت فيه سعي غيرها من الأمم التي تقدمت ، لأمكنها ليس فقط اللحاق بها ، مهما كانت الفجوة بينهما ، وإنما تجاوزها أيضا وتحقيق السبق عليها.
ولقد رأينا الاتحاد السوفيتي الراحل قد سبق الولايات المتحدة في النزول على القمر بعد أن كانت هي قد سبقته في صناعة الأسلحة النووية ولحق لها فيها، وكذلك الصين التي تمكنت خلال عقدين أن تحقق تقدما تكنولوجيا باهرا لحقت به الدول المتقدمة وكانت الفجوة بينمهما من قبل واسعة النطاق.
إن النقد الذاتي العلمي والصحيح والنزيه ، والذي ليس مجرد جلد للذات، سيكشف لنا عللنا ومسبباتها وبإزالة المسببات أو العوائق والكوابح التي تحول بيننا وبين التقدم تتحقق لنا الحياة التي ننشدها وتنشلنا من أدني درجات التخلف أو الموت الأنطولوجي التي نوجد حقيقة فيها. والتي تتمثل ظواهره في العجز السياسي والخواء الثقافي الذي هو أقرب من العبث منه الي المعرفة ، والتخلف التقني، والفساد الاقتصادي والسياسي والاجتماعي، وانتشار الفقر والبطالة والتضخم والمظالم والاستبداد وانتهاك حقوق الانسان. ونحن في حاجة للتخلص من كل ذلك لكي نحقق حياتنا ووجودنا أو انوجادنا في الوجود. وهو مالن يتم بالتباكي والصراخ شعرا ونثرا وإنما بالعمل الجاد الجماعي لتغيير أوضاعنا الاقتصادية أولا لكي تتغير معها اوضاعنا الاجتماعية والسياسية والثقافية والحضارية عموما.
هذه القومة الجماعية التي ننشدها من القبور الحالية ، لايمكن لها أن تكون إلا جماعية لا يستثني منها أحدا ولا يقصي منها أحدا . كما أن تحديد حجم الجماعة المطلوب، يخضع لمعايير علمية، ولا يتم بناء على العواطف ، وإنما الجمع الذي يمكن أن يحقق المنافع المادية والمعنوية والرمزيه المنشودة/ فقد لا تكفي فيه قومة شعب دولة واحدة قائمة، وإنما يحتاج الي قومة شعوب عدة دول تتقاسم مجال جغرافي واحد ، وقد تكون هذه الشعوب في حقيقة أمرها أمة واحدة تم تمزيقها بحدود سياسية صنعتها أهواء الحكام وتبعيتهم وتنفيذهم لمخططات دول أجنبية تواطئوا معها أو تحالفوا لضمان البقاء في الحكم بأي ثمن، وتأمين كل الفرص الممكنة لنهب ثروات البلد. وأهم تلك المعايير العلمية التي نقصدها هو المعيار الاقتصادي ، أي حجم الموارد الطبيعية والبشرية التي يجب تعبئتها لكي تتحقق بها النتائج المرجوة من تلك القومة.
إن الانسان الفرد ، وكذلك الشعب المفرد ، لايمكن لأي منهما أن يحيا بالمعني الوجودي في وسط قبر كبير تكدس فيه عشرات الملايين من الموتي يمتد من البحر الإحمر إلى المحيط الأطلسي في شمال أفريقيا.
في هذا الفضاء الشاسع يحتاج المرء لكي يحيا أن يبعث إرادة الحياة في كل من حوله لكي ينهضوا من رقادهم الذي طال أمده وأن وضع حد له.لكي يحيا بهم ومعهم. ويبنون معا حياة جديدة لهم وللأجيال القادمة تليق بهم كآدميين. وكلهم يد واحدة وعلى قلب رجل واحد، ولديهم إرادة صلبة واحدة ، ويجمعهم تنظيم محكم حلقاته ومفاصله ، ومحدد له عمله واتجاهاته ، مخطط واضح الخطوات والبرامج يحقق التنمية الاقتصادية والعدالة والكرامة الانسانية ، والتقدم والرقي في الحياة الحضارية. يشارك في تنفيذه الغني والفقير والمتعلم والأمي والسيد وةمن كان مسودا عليه قبل أن يتساويان في السيادة والارادة، ويبذل الجميع أقصي الجهد حسب طاقته ومعرفته ، وبحيث يقترن الايمان لديهم بعمل الصالحات التي تنتج الخير من أجل الجميع.
في المغرب ظهرت جماعة دينية تتحدث عن قومة على المنهاج النبوي تسفر عن قيام خلافة راشدة على المستوى السياسي.وفي تصورى أن الربط بين القومة التي ينشدونها ودون تحديد وسائلها سوى فول عائم ضبابي حول المنهاج النبوي و الخلاقة الراشدة ، إن كان المفصود بها الحكم العادل المشتمل على العدل مع الإحسان، هذا الربط هو الذي يحول في تصورى دون قيام الاثنتين معا ، أو أي منهما.أي النهج النبوي إذا كان المقصود به نتيحة العمل وليس وسائله التي تتطلب أن تكون مغايرة لنهج اتبعه النبي وفق ما فرضته ظروف الزمان والمكان وتبليغ الرسالة والوضع مختلف الأن تماما ، ويتطلب نهجا مناسبا أيضا للزمان والمكان،ولن تتحقق الخلافة الراشدة إذا لم يكن مقصودا بها الشكل السياسي وإنما عدالة الحكم والتزامه بما قضي به الله ورسوله. بينما الفصل بينهما هو الذي قد يمكن من قيام إجداهما تتبعها الأخرى.
إننا نعيش في هذا العالم السفلي الذي يشاركنا فيه الشياطين وأوليائهم ، بلا جغرافيا ولا تاريخ صحيح غير مزيف أو ثقافة ذات قيمة في ميزان الثقافات، ولا علم وتقنيات ، أو اقتصاد متنام ومشبع للحاجات يلزمهما أي انتاج زراعي أو صناعي، أو أدني أمل في تحسن يطرأ خلال السنوات القادمات، وقد يكون لدينا ما يشبه هذا كله ، ولكن كم الاختلاف بين الأصيل المحكم والشبيه بين وواضح ، ويكفي عقم الشبيه لكي ننبذه ، ولانقبل به ونحل محله الأصل المنتج والفعال. بدون أن نفعل ذلك سنظل رهين الحبس في العالم السفلي، لا نستطيع الصعود الي السطح ورؤية النور ، أي رؤية الله في آياته وفي سننن كونه ، التي هي في ذات الوقت قضاء الله وقدره ، وما يأتي من إعمالها صحيحة من خير وما يأتي جراء اي خلل يطرأ عليها من شر. وهذا هو حقيقة الايمان بالقضاء والقدر ، خيره وشره ، المطالب به المسلم في دينه ، أي معرقة ما تمكن من معرفته أو علم بسنن الله الكونية أي القوانين المنظمة لكل شيء في الكون.ووقتها نضمن الدخول في رحمة الله وحمايته وعنايته ، وأن نتحول من العدم إلى الوجود. والخروج من الظلمات الي النور.











06 مايو, 2009 12:37 ص