كوابيس
الكابوس الأول / رقصة ما قبل الموت
صعب لعمري أن تعمل مع شابات وشبان لا يعجبهم العجب، ويتنقلون في حياتهم من غضب إلى غضب، كالنائحة التي تترقب مناحة تشيع فيها تهمها في البكاء أو التباكي على الميت الذي لم تلتق به في حياتها قط، فما أن صرح وزير بأنه سيبادر إلى إقامة حفلة راقصة، وليس مأتما، إذا ما علم بقرب منيته حتى ظهر على وجوههن ووجوههم علامات الغضب، وما أن راحت المدائن تعلن الواحدة تلو الأخرى عن إقامتها مهرجان للغناء والرقص حتى غضبوا، ولست أدري شيئا عن سبب سوء التفاهم بينهم وبين الرقص عامة، وبين الرقص ما قبل الموت خاصة، فالحقيقة أن إقامة المدن للمهرجانات الراقصة، يؤكد أن تصريح وزير الاتصال بشأن''حفلة ما قبل الموت''التي يقيمها ويرقص فيها إذا ما أوشك على مغادرة الدنيا يندرج في سياسة عامة يتبعها بأمانة و دقة، وليس في الأمر نسق أوجنوح أوجموح شخصي، فإذا كان الشعب يموت من'' فقسة'' الفقر والبطالة والمهانة، فنقيم له مهرجانات يرقص فيها و ينسى همومه و الموت الذي ينتظره، فعندما يطبق الوزير هذه السياسة العامة التي يشارك في تنفيذها على نفسه، فهذا ذروة الالتزام الأخلاقي، وبين العام والخاص في السياسة، والأولى بين كل من ينخرط في السياسة، والصحفيات والصحفيون يفترض أنهم في قلبها، على هؤلاء جميعا، أن يرقصوا، وليس بالضرورة الرقص على الحبال مثل السياسيين المحترفين، فللرقص أنواع كثيرة، يمكنهم اختيار ما يناسبهم منها، ولابأس من الإقبال على الرقص وتعلمه من خبيرة أو خبير فيه، لا اظهار الغضب حسدا، أو لتغطية العجز عن أداء الرقص والجهل بفنونه وطقوسه.
والرقص يوجد في طقوس الصوفية الطرقية، وتعتبره يندرج ضمن الذكر والعبادة، فإذا كان المسلمون يذكرون الله وقوفا وقعودا وعلى جنوبهم، وتراهم في عبادتهم ركعا سجدا، فالصوفية الطرقية تعبده راقصة. ولذا، فإن الدولة تدعم الطرقية وتدعم أيضا الرقص، حتى تثبت أنها قائمة، عابدة، قانتة، تهتز.
أذكر في صباي أنه كان في قريتنا ثلاثة أو أربعة أفراد من شباب القرية يكونون فرقة لإحياء الافراح بتقديم ''اسكتشات'' لإضحاك المدعوين، وكانوا يــكررون نفس''الاسكتشات'' في كل عرس، وواحدة منها كان يتضمن فقيه يرتدي العمامة والجبة والقفطان مثل شيوخ الأزهر في مصر، ويتكلم الفقيه طول الوقت بتؤدة ووقار وحكمة، ومع ذلك كان كل ما ينفلت من فمه يضحك المدعوين، وفجأة يرتفع صوت الطبول والمزامير، فإذا بالشيخ الوقور ينزع عنه القفطان ويلقيه جانبا و يبدأ بالرقص، وينبه باقي أفراد الفرقة بقولهم: من رقص نقص شيخنا، فيواصل الرقص ولا يأبه بهم وإنما يرد عليهم: ''وايه يعني'' لذلك اعتدت كلما جاء زميلاتي وزملائي في الجريدة الدينية التي أعمل فيها بنبأ يتوقعون مني مشاركتهم الغضب فيه، أهز كتفي وأقول لهم: ''وايه يعني''، وأتركهم يموتون بغيظهم.
ولكنني ذات يوم سولت لي نفسي أن أدفعهم الى الرقص دفعا، فانتهزت فرصة أن مدير الجريدة مشغول في البرلمان، ورئيس التحرير يكمل دراسته في الخارج، ومسؤول الشؤون الدينية في سفر، وادعيت أن ذلك اليوم يوافق عيد ميلادي، وأحضرت كمية كبيرة من المرطبات، وسيديهات موسيقى راقصة القمتها أجهزة الكمبيوتر، وأوعزت اليهم أنهم طالما ترتدي الفتاة والفتى ملابس محتشمة، فلا خير ولا إثم عليه إن رقص، وتفنن في رقصه، وكادت الامور تسيرحسب الخطة، لولا ان أحد عيون وآذان مدير التحرير غافلنا وهاتفه مبلغا إياه بأننا حولنا جريدته الى مرقص.
وبعد أن بدأت بنفسي وتحزمت استعدادا للرقص حتى يتبعني الزملاء والزميلات، إذا بالسيد المدير يقتحم علينا الباب فوق جواد أشهب، ويلبس ملابسة بيضاء و عمامة كبيرة بيضاء، ويشهر في يده اليمنى سيفا براقا، وفي يده اليسرى سوطا، فما إن رآه الجميع في هذه الهيئة حتى هربوا واختبأ كل منهن ومنهم، تحت مكتبه، وحيث ليس لي مكتب من دونهم، فلم أجد ما أختبئ فيه سوى أحد الصناديق الورقية التي يرصها ويكسو بها زميلنا ''أحمد'' جدران الأرشيف، حتى تظن إذا ما دخلته، أنك في أحد فروع ''أودربي'' المملوكة للوزير الأول، والتي يقدم فيها ـ جزاه الله خيرا عن احسانه ـ حذاء لكل مواطن بأجر رمزي لا يتجاوز الالف درهم للحذاء الواحد.
المهم... وجدت صندوقا نفذت الى داخله من فتحة في واجهته، وما إن شعرت بالنجاة من سيف المدير، وهو غير سيف بن ذي يزن، حتى وجدت داخل الصندوق فأرا، ولا يوجد في الدنيا مخلوقات يقشعر منها بدني غير الفئران، وزادت المصيبة عندما اقترب الفأر مني ووثب على كتفي، ورأيته ينظر الى أذني بنهم، و أيقنت أو هكذا أوهمني رعبي بأنه ينوي قضم أذني، وقد يغريه طعمها أن يحفر سردابا داخل رأسي، يلتهم في داخله عقلي... لم أحتمل ـ صرخت... وسمعت زوجتي تسألني: هل هو كابوس جديد؟
لم أشأ أن أمنحها فرصة الشماتة بي... أجبتهاـ لا ـ رأيت السيد المدير في شبه الهيئة التي يرى فيها أناس العدل والاحسان سيدهم عبد السلام... يرتدي أبيض في أبيض ووجهه كالبدر المنير.فقالت: اللهم اجعله خيرا... بينما رحت أتمتم: هذا ما جناه الرقص علي وما جنيت على أحد.
الكابوس الثاني :تجارة الأوهام المربحة كما مارستها
أعلنت قبل شهرين امرأة روسية تمتهن مهنة التنبؤ بالأحداث، وفقا لما تستخلصه ـ على حد قولها ـ من نظام الأفلاك أو الأبراج الفلكية، وما توحيه لها حركة الكواكب والنجوم في دورانها وانتقالها من موقع إلى آخر، بأنها تنوي مطالبة وكالة '' ناسا'' الأمريكية بتعويض مادي كبير لتعمدها إحداث تصادم عن عمد بين مركبة فضاء أمريكية ومذنب في الفضاء نتج عنه انفجار ضخم، أثر سلبيا على الأبراج، فلم يعد بإمكانها التنبؤ الصحيح، مما تسبب لها في خسائر مادية فادحة.
وإذا كان الشيء بالشيء يذكر، فقد تذكرت ما كتبته عن تفجير الأمريكيين القمر كما فجروا من فجرهم، نجازاكي وهيروشيما مع انتهاء الحرب العالمية الثانية، هذا التفجير الذي مرت ذكراه خلال الأيام القليلة الماضية، وتذكرت أيضا أنني عندما التحقت بيومية السياسة الجديدة اقترحت على هيأة تحريرها أن أكتب يوميا ''الأبراج'' واستطعت إقناعهم بأن الناس لا يمكنهم الاستغناء عن الوهم وأنه لا بأس من إشباع رغبتهم فيه، ومضيت أكتب يوميا الأبراج، لا أكرر في أي يوم ما أكتبه من قبل في يوم سابق، وكانت العاملات في الجريدة يأتين إلي من يوم لآخر ليقلن لي في دهشة: لقد كتبت ما كتبت وكأنك تعيش معنا حياتنا الخاصة. وتولدت لديهن قناعة بأنني خبير في التنجيم وعلوم الفلك، رغم جهلي بهما تماما.
لم يكن بإمكاني أن أعرض على ''التجديد'' تقديم هذه الخدمة التي تقدمها معظم الصحف المحلية والأجنبية، حتى لا أتيح لهم فرصة السخرية مني، بينما أبيح لنفسي السخرية من الجميع، وكما كان الحطيئة إن لم يجد من يهجوه هجا نفسه، فإنني إن لم أجد من أسخر منه، سخرت من نفسي ومن أولادي ومن إخوتي وأخواتي في ''التجديد''، إذ إن كاتبا مشاغبا مثلي لن يرضيه أنت يجد فيهم من يرى أن من واجبه الديني والأخلاقي الحد من حريتي في الكتابة التي لا تتوافق ، وفق ظنه،مع ممفهوم الالتزام لديه خاصة إذا لم أتقيد بخطوط حمراء وضعوها لأنفسهم، ولا يجرؤون على تجاوزها مثلي، الذي لا يجد نفسه في غير ممارسته حريته الكاملة في كتابته، هذه الكتابة التي لا أرتدي فيها عباءة الواعظ أو عمامته، وإن ابتدعت وسائل أخرى، يتم بها خدمة المبادئ والقيم المشتركة التي تجمعني بهم، في جوهرها وليس في شكلياتها.
وخلافي معهم، والذي يجب ألا يفسد الود، هو أنني أعتبر أن لكل شيخ طريقته، بينما هم يعتقدون أنه يجب ألا يكون للشيخ سوى طريقة واحدة، هي تلك التي يسمونها: "خط التحرير"، وفي اعتقادي أن "هدف التحرير" أهم وأنفع من ''خط التحرير''. وقد يكون من دواعي ذلك أنني معهم في ''المرجعية'' ولست منهم في ''المنهجية''، ولا أجد في منهجيتي ضرورة للتحرج مما يتحرجون منه ،إن كان فيه ما يجذب قارئي في كتابتي، ليس لأن الوسيلة تبرر المكيافيلية، ولكن لأن وسيلتي مثل الزبد الذي يذهب جفاء، ويبقى ''الهدف'' الذي أسعى إلى الوصول إليه في الأرض ينتفع به الناس.
وإذا عدنا إلى بدء، أي إلى السيدة الروسية التي أفسد عليها الأمريكيون مهنتها، بإثارة الخلل في أبراجها بدفعهم مركبتهم تصطدم عمدا بالمذنب، فإن توقف هذه الروسية وأمثالها عن عملهم، سيخلق فراغا يمكنني أن أملأه، خاصة لدى بعض رؤساء الدول الذين شاع عنهم التعويل على هؤلاء المنجمين في اتخاد قراراتهم السياسية المصيرية أو التاريخية، لذا فإن الفرصة سانحة لي لكي أشبع حاجتهم إلى الوهم، ويسندني في ذلك عدم إيمانهم بأنه ''كذب المنجمون ولو صدقوا''.
أعانتني شبكة الأنترنيت وزميلي في التجديد ''زكرياء'' في عرض خدماتي على رؤساء الدول، خاصة العربية منها، فتوالت علي الدعوات وكل منهم يريد احتكار مواهبي، ويعرض علي الملايين، التي سيدفعها طبعا من خزينة الدولة، ويتم فيها تحت بند ''مصاريف الرئاسة'' أو ''المصاريف السرية'' أو لا تقيد قط في الدفاتر.
احترت لمن أذهب، وأجني الذهب ممن عقله اختل وذهب، وأبيع سلعة لم أحدد بعد كيف أنتجها، وكيف أجعل لها قوة تنافسية كبيرة في زمن العولمة.
لم أجد صعوبة في تأهيل نفسي لممارسة تجارة الأوهام بقدر كاف من المهارات والبراءة، جمعت من ''الجوطية'' ومن أرصفة المدينة القديمة والأحياء الشعبية كتبا من الثرات في الفلك والتنجيم والسحر، وأعانني زميلي ''زكرياء'' في جمع كل ما تتوفر عليه شبكة الأنترنيت في هذه المجالات، بالإضافة إلى ما عثرت عليه من مخطوطات في بعض المكتبات، وأصبح بإمكاني الادعاء بأنني عالم فلكي لا يشق له غبار، وأعددت لائحة بالنبوءات التي يمكن لي إبداعها، وصرت جاهزا لمزاولة التجارة الجديدة الرائجة في القصور، والتي تكفل لي العيش الرغيد في كنف أصحاب المال والجاه والنفوذ، وتعفيني من مطالبة مدير جريدة '' التجديد'' بزيادة أجري بما يكفي الإنفاق على عائلتي، فمهما بلغ به كرمه، لن يصل إلى واحد في الألف مما أتوقع الحصول عليه من رئيس دولة.
اخترت من بين العروض التي وصلتني عرضا من حاكم دولة قرأت أن رصيد العملة الأجنبية لديها قد فاق مائة وعشرين مليار دولار، وهي تسثتمره كالعادة، في المضاربة على الأسهم وسندات الخزينة الأمريكية، أو تودعه في البنوك الأجنبية، وهذا الضرب من الاسثتمار هو ما يلومها عليه الكتاب العرب، بدعوى أن أرصدتها المالية في البنوك الأجنبية معرضة للتآكل، وفي الحقيقة فإن تآكلها في البنوك الأجنبية يظل، مهما بلغت خسارتهم فيها، أفضل من أن يأكلها اللصوص وقطاع الطرق، لو أنهم استثمروها في البلاد العربية.
أرسلت إلى حاكم تلك الدولة الثرية موافقتي، وأرفقت مع الموافقة نسخا من العروض التي توصلت بها وما فيها من أجور مغرية، وأنهيت رسالتي إليه بأنني إكراما له، ورغبة في خدمته، قبلت العمل لديه ''منجما'' خاصا بدون أجر، وأن بإمكانه أن ينفق ما عرضه على من أجر على الفقراء والمساكين.
لم يكن رفضي تقاضي أجر على ما سأزوده به من وهم من قبيل الزهد أو الأريحية أو التعفف، وإنما كان الهدف منه كسب ثقته من ناحية، واستخدام تجارة الأوهام وسيلة لهدف أسمى أبتغي منه مرضاة الله سبحانه وتعالى ومنفعة المسلمين، ولم أكترث بما اتهمني به زملاء ـ سامحهم الله ـ في ''التجديد''، بأنني تركتها لمزاولة النصب والاحتيال على حاكم عربي أو أنني بعت ديني بدنياي، وتناسوا أن سوء الظن إثم.
خصص مخدومي لي جناحا في قصره، وزودني بتلسكوب ضخم من أحدث ما أنتج في العالم.وخصص لخدمتي فتاتين حسناوتين : إحداهما صوماليةسوداء الأديم مثل هزيع لليل والأخري مصرية بيضاء مثل وضح النهار ، وبحكم الطبع كنت أحب الليل وأحن للنهار.
بدأت أقدم التنبؤات عن المستقبل القريب أو الأمد المنظور، وهي مبنية في حقيقة الأمرعلى تحليل علمي، وليس لها أدنى صلة بالنجوم، وللصدف الغريبة، جاءت كلها صادقة، مما زاد من مقدار الثقة بي، وعندما قدمت نبوءات على المدى البعيد، كان التصديق بها ميسورا، وهذه استخدمتها في إقناع مخدومي في اسثتمار أمواله في شركات ومشروعات تحقق أرباحا مضمونة، ومحصنة من سطو اللصوص التقليديين عليها، وحيث كان التمويل الذاتي المحلي في حدود 40 مليار درهم سنويا، أضيف إليه تمويل خارجي يعادل 20 ضعفا، وتمكنت الاستثمارات الناجحة من استيعاب كافة العاطلين، وفتح آفاق العمل المستقبلي للخريجين الجدد بلا حدود، وثم القضاء على الجهل والفقر والأمية الابجدية والتقافية والعلمية والتقنية.
لم يمض وقت طويل حتى انتقل مخدومي إلى العالم الآخر، فودعت الليل والنهار وانسللت من القصر عائدا من حيث أتيت، وحيث كانت تجهل سلطات الأمن في المطار أين كنت أو سبب وجودي عندهم، بعد انتهاء تأشيرة دخولي ،فقد اتهموني بالانتماء إلى ''منظمة إرهابية''، ولطمني أحدهم لطمة قوية أظلمت بسببها الدنيا لكي أعترف بتهمة لاأعرف شيئا عنها، وظننت أنني فقدت حاسة البصر، فأغمضت عيني، وعندما فتحتها وجدت نفسي في فراشي وزوجتي تذكرني بأنني تأخرت عن موعد ذهابي اليومي إلى صحيفة ''التجديد''.
الكابوس الثالث :حوار مع مرتد مخضرم .
على إثر نشر كابوس''سيارة زوجة الوزير'' ضمن كوابيسي اليومية،في الجريدة، التقى بي أحد المرتدين عن الماركسية المخضرمين، أي الذي عاش زمن ''الثورجية''، وعاش من بعده زمن ''الانتفاعية'' أيضا، واستبدلوا في زمنهم الجديد قضية البروليتاريا والعدالة الاجتماعية والصراع الطبقي، والقضاء على البورجوازية الرأسمالية المستغلة، بقضايا النسوانية والديموقراطية والحداثة، وبصرف النظر عن مدى أمانتهم وإخلاصهم للطروحات الجديدة، وإلزام أنفسهم بها قبل مطالبة غيرهم الالتزام بها. فإن ما يحمد لهم هو عدم التخلي عن الإرث القديم في التحليل الماركسي للواقع ،كلما أتيحت لهم فرصة للثرثرة والتنظير، وليس ذلك حبا في ذلك الضرب من التحليل، وإنما لأنه آلية التحليل الوحيدة التي يتقنونها، والمرجعية الوحيدة التي شبوا وشابوا وهم لا يملكون سواها.وهي الدليل الوحيد على أنهم مثقفون.
قال لي بشيء من التعالي: إن ما ذهبت إليه في ''سيارة زوجة معالي الوزير'' من أن السيارة الممنوحة للزوجة هي دليل على رغبة الدولة في المساواة بين الوزراء وزوجاتهم، يعد بمثابة سطحية في التناول.
قلت مظهرا الكثير من التواضع، وكأنني تلميذ غر بين يدي أستاذه: زدني علما أثابك الله.
اعتدل في جلسته، واستطرد قائلا: إن ما صنعته الدولة لا علاقة له بالمساواة بين الجنسين...
قاطعته: معذرة مرة أخرى... هل يوجد جنسان أم عنصران لجنس بشري أو إنساني واحد؟
قال: مازلت تحتاج إلى ضبط المفاهيم والمصطلحات ... ما علينا... إن ما أقدمت عليه الدولة إنما يدل على نزعتها الطبقية، وبعض من مكرها السياسي، فهي تروم به إشباع التطلع الطبقي لدى الوزير وزوجته، وخلق وعي زائف لديهما بأنهما باتا ينتميان إلى الطبقة العليا المسيطرة والمستغلة، بما يعزلهم عن الطبقات الأدنى المسيطر عليها والمستغلة من قبلها، ومن جهة أخرى تعميق إحساسهم بأن الدولة هي ولية النعم، وأن ما أنعمت عليهما به وديعة وبإمكانها استرداد وديعتها متى شاءت، ألا تذكر الوزير المصري الذي قدم استقالته أثناء انعقاد اجتماع لمجلس الوزراء برئاسة عبد الناصر، وعندما خرج من المبنى لم يجد السيارة المخصصة له ليعود بها إلى منزله، وعاد في سيارة أجرة، إنها سياسة الجزرة والعصا، وإن على نحو مختلف نوعا ما، وهي التي تجعل الوزير وزوجته يستميتان في الدفاع عن الطبقة الجديدة التي يتوهمان الانتماء إليها.
ـ كأنك إذن تريد مني أن أقول ذلك لكي أغضب الدولة علي وأتصادم معها؟
ـ وماالعيب في ذلك لكي تثبت أنك صحافي حر، وأن الصحافة حرة.
ـ قل لي أنت: هل التوافق مع الدولة والاندماج في سياستها النهبية والقمعية والدفاع عنها بعد أن اطلقتكم من سجونها ،حلال عليكم وحرام على غيركم؟
ـ إن توافقنا معها من مكر السياسة.
ـ إذن ليكن حرصي على عدم إغضابها، وممارسة بعض المراقبة الذاتية على كتابتي الإبداعية من مكر الإبداع والاعلام المراقب منها.
ـ مكرنا في السياسة نحتاج إليه من أجل الغنيمة... وهو مكر اقتضته البراغماتية السياسية، وعاد إلينا بالنفع ولو ظل من فتات الموائد... أما مكرك في إبداعك وما تكتبه من أدب سياسي فلا يعود عليك بأي نفع.
ـ يدرء عني على الأقل المفاسد، ودرء المفاسد مقدم على جلب المنافع كما في كتب الفقه الإسلامي.
ـ عدت مرة أخرى للخلط بين الدين والسياسة كنت أدرك أن العدوى ستصيبك منذ عملت معهم .
ـ ما خفي عليك... أنني طول حياتي منهم، وإن لم أكن معهم.
ـ إذن أنت تتحدث الآن باسمهم؟
ـ أنا أتحدث عن نفسي، وأدافع عنها، وهم ليسوا بحاجة لي لكي أتحدث باسمهم أو أن أدافع عنهم... ثم .. لماذا تخرج بنا عن مجال النقاش.
ـ لا بأس لنعد إليه، اعترفت الآن أنك تمارس الرقابة الذاتية على كتاباتك.. فهل تريد إيهامي أن ما أخطأت فيه كان متعمدا؟
ـ ليس تماما.. فلعلني أردت منافستكم في الدفاع عن حقوق المرأة دون حاجة لأن اكون نسوانيا مثلكم.
ـ نحن ندافع عن إدماج المرأة في التنمية، وليس حقها في سيارة مثل زوجها الوزير.
ـ وهل وجدتم للتنمية وجودا، والمرأة غائبة عن الاندماج فيها؟..ـكما إن التنمية ليست تنمية اقتصادية فقط، إذ توجد أيضا التنمية الانسانية، هل بنيتم المدارس على مقربة من الدواوير وزودتموها بالمراحيض عندما تعاقبتم على وزارة التربية الوطنية، ولم يرسل الآباء بناتهم للتعليم فيها؟
ـ لا توجد لدى الدولة أموال كافية لذلك؟
ـ تعتذرون مرة أخرى بالإكراهات كالعادة ـ لا بأس ـ إذن إدماج المرأة في التنمية بكل صنوفها وألوانها ،مستحيل في ظل تلك الإكراهات... ما جدوى المطالبة بمستحيل، وأنتم لا تملكون فكرا مبدعا يحول المستحيل إلى ممكن؟
ـ نحن نسجل موقفا.. وعموما هذه جزئية في مشروعنا... إذ نحن نطالب أيضا بحقها في الطلاق.
ـ وماذا عن حقها في الزواج؟
ـ لم نمنعها من الزواج إن أرادت.
ـ هل سبق لك أن عثرت على فتاة لا تريد الزواج؟
ـ أن تتزوج أو لا تتزوج هذا شأنها، فبمقتضى الحداثة هي حرة في استعمال جسدها بالزواج أو بدونه.
ـ إذن، حداتثكم مكملة لنسوانيتكم؟
ـ ومكملة أيضا للديموقراطية.
ـ بالمناسبة، لماذا تستبعدون الديموقراطية من أحزابكم؟..هل حبا فيها أم في زعيم الحزب الأبدي
ـ لو طبقنا الديموقراطية داخل الحزب لاستولى الرعاع عليه وأبعدو اعن قيادته النخبة المثقفة المستنيرة.
ـ وأين إذن تطبقونها؟ في حياتكم؟
ـ ليس مهما أن نطبقها أو لا نطبقها ...المهم هو أننا نطالب بها.
ـ المنطق يقول إن المرء يطالب بالمفقود وليس بالموجود.
ـ هي مفقودة فعلا.
ـ وتلك الانتخابات التي تخوضونها... ألا تمارسون فيها الديموقراطية أم هي سوق تتاجرون فيها بالديموقراطية؟.
ـ إنها مخاضة نخوض فيها مثل باقي الخائضين... وليس في ذلك دليل على وجود الديموقراطية، فالديموقراطية ليست فقط ممارسة، وإنما هي قبل كل شيء ثقافة.
ـ وأنتم وحدكم الذين تملكون تلك الثقافة؟
ـ بالتأكيد.
ـ ولم ''بالتأكيد''؟
ـ لأننا الوحيدون المثقفون في المجتمع. فالمثقف لا يكون مثقفا إن لم يتبن الدفاع عن حقوق المرأة والحداثة والديموقراطية.
ـ ألم تحصل المرأة على حقوقها التي كنتم تطالبون بها ؟
ـ الحداثة تقضي مقاربة قضية المرأة حسب النوع وليس أي شيء أخر.وإن استوفت حقوقها التي نعرفها ستبقي لها الحقوق التي لا نعرفها.فقضيتها مفتوحة انفتاح نوعها.
ـ أي نوع تقصدون؟ الحيواني أم الإنساني؟
ـ هذا أمر لا يحتمل سخريتك المعهودة فيك.
ـ ولا تحتمل إنسانية المرأة أيضا أن تتحول إلى إديولوجيا عقيمة مغلقة تكون هي اول من يضار بها.
ـ إنها أحدث إيديولوجيا في زمن العولمة.
ـ أنا أيضا أدافع عن حقوق المرأة دون حاجة إلى تلك الإديولوجيا المعولمة وأكثر حقوقها أهمية هو أن تنعم بجو أسري طبيعي ومريح لها وعادل، فالحياة الزوجية مؤسسة للفضيلة الاجتماعية وليست عندي للدعارة الرسمية كما كان يراها معبودكم القديم ''كارل ماكس''، وأدافع أيضا عن حداثة غير حداثتكم، وعن العدالة الاجتماعية والاشتراكية وحقوق الطبقات المسحوقة التي تخليتم عنها، وحق الإنسان المسلم بعنصريه الذكر والأنثى في حياة حرة كريمة وفاضلة... فهل تعتبروني مناضلا مثلكم؟
ـ بالطبع لا ... فلست منا في أي شيء حتى نحسبك مناضلا...ويكفي أنك تعمل مع الظلاميين وتأكل خبزهم وتضرب بسيفهم.
ـ تنازلت عن الطلب .هل هذا يرضيك
ـ قال غاضبا :نعم... وانصرف.ولم يكد يبتعد خطوات حتي أعماه الغضب فدهمته سيارة حكومية مسرعة..فزعت وصرخت ..ومرت أخرى أحسست بزوجتى تهزني وتسألني : مالك.. أهو كابوس آخر؟
فوزي منصور









أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية