نوارس

فكرية، سياسية و دينيةواجتماعية

حرائق وأعاصير تجتاح الشرق الأوسط وشمال أفريقيا



حرائق وأعاصير تجتاح الشرق الأوسط وشمال أفريقيا


مصائب الشيطان الأصغر:

نشرت معظم مقالاتي في جريدة أنوال التي ماتت وهي في عز شبابها (توقفت في نهاية عام 1994)تحت عنوان: «سباحة ضد التيار» ومع أني في كتاباتي بمجلة الشعب العربي (توقفت هي الآخرى في فبراير 1999) أو في يومية»التجديد» ؛حاليا كنت دائما أسبح ضد التيار، إلا أنني لم أعلن ذلك من قبيل التقية، الآن ... سأجرب لمرة واحدة السباحة مع التيار. حتي لا أزعج أحدا ، أو يصحو من راق له أن يظل نائما .

سأبدأ بسؤال برىء:إذا ما وجدت أنه تجمع لديك في منزلك كمية كبيرة من مواد شديدة الخطورة ولم تعد لك بها أدنى حاجة ماذا ستفعل بها؟... بالتأكيد ستعمد إلى التخلص منها، ولكي لا تلحق أضرارا جسيمة بالغير وتعد خارجا على القانون، ستحرص على القاء هذه المواد الخطرة بعيدا عن متناول البشر، هذا ما صنعته إحدى الدول قبل نيف وعشرين عاما أو أكثر قليلا!... أو ما اتجهت إليه نواياها الحسنة قبل أن يحدث ما حدث.


وجدت تلك الدولة أن لديها كمية كبيرة من القنابل النووية البدائية، التي لا تقتل الواحدة منها إذا ما أسقطت من الجو، أكثر من ربع مليون نسمة فقط! ولقد امتلأت الترسانة بقنابل أحدث، أقل وزنا وأكثر قدرة على التدمير، ويمكن إرسالها إلى الأهداف البعيدة بعد تثبيتها في رؤوس صواريخ بلاستية بعيدة المدى... ولم يعد ثمة حاجة إلى الإبقاء على تلك القنابل العتيقة التي تزاحم الأحدث في المخازن ويجب التخلص منها!


اقترح علماء أن يتم القاءها في الأعماق الغائرة وسط المحيط الأطلنطي، إلا أن شيطانا حضر الاجتماع قدم اقتراحا رائعا. قال الشيطان: أنا لا أعرف كيف نستفيد مستقبلا من هذه القنابل إن أبقيناها في متناول اليد، ولكنني أعرف أننا أنفقنا على انتاجها مبالغ كبيرة، وإذا ألقيناها في أعماق المحيط، فإن هذا يعني القاء هذه المبالغ الكبيرة فيه، ولو كان ''العز بن عبد السلام'' هو الذي يحكمنا، لحكم علينا بالسفه، وقام بالحجر علينا، وباعنا علنا في سوق النخاسة كما فعل بالمماليك .ثم تساءل: لماذا لا تبعد خطرها عنا وعن البشرية دون أن نفقد الصلة بها؟ ولعل ما نظن عدم حاجتنا إليه اليوم، نحتاجه غدا.


نظر الجميع إليه في دهشة لم يعبأ بها، وواصل الحديث:


ـ إن ما اقترحه عليكم يا سادة، هو أن تحمل السفن هذه القنابل بعد وضعها في صناديق معدنية لا تتأثر بمياه البحر، وتنظم هذه الصناديق في سلسلة طويلة، مثلما ينظم الصائغ حبات اللؤلؤ في عقد تطوق به عروس سورية جيدها ليلة العرس، ثم تخلعه في الصباح وتعرضه للبيع بنصف ثمنه بعد أن أدى وظيفته، إلا أننا سنحافظ على العقد ولن نفرط فيه إلا حين نحتاجه!


أعجب المؤتمرون هذا التشبيه الشاعري الذي أحال قنابل نووية مسلسلة بالحديد إلى عقد من اللؤلؤ، وأصاخوا السمع لما سيقوله زميلهم الشيطان العزيز، والذي استطرد قائلا:


ـ سنقوم بإنزال السلسلة بطول البحر الأحمر ابتداء من بورسودان المقابلة لمدينة جدة وحتى مصوع جنوبا بالقرب من باب المندب. قد نحتاج مستقبلا يا سادة لأي سبب أو دواعي استراتيجية غائبة عنا الآن إلى تفجيرها إذا ما دخلنا في حرب آتية لا ريب فيها مع المسلمين، أو مع أي قوة بحرية عالمية آنذاك قررت أن تتحالف معهم ضدنا... يكفي أن نرصد سفينة العدو فوق قنبلة الأعماق حتى نرسل إشارة اليكترونية تفجرها فتغرق على التو...


ـ فكرة رائعة... ولكن لماذا لا نبدأ من السويس أو العقبة في الشمال، ولدينا قنابل كثيرة نرغب التخلص منها؟


ـ لا، هذا محال... تعلم يا صديقي أنه توجد دولة حليفة وصديقة لنا في الشمال، وكل ما يضرها يضرنا. علينا أن نبتعتد في ألعابنا عن سواحلها!


ـ معذرة... لم أنتبه لذلك.


قبل اقتراح الشيطان بالاجماع، وقبل أن ينفض الاجتماع، أو يعلم الرئيس بما تقرر فيه، كانت برقية بذلك قد وصلت إلى تل أبيب وأشر عليها ''سري جدا'' وتم حفظها في أرشيف خاص بالموضوعات الهامة قيد المتابعة. تم تنفيذ الخطة وتم توزيع القنابل في عمق البحر الأحمر، وبقيت بضعة قنابل زائدة تقرر القاؤها في المحيط الهندي، ومضت أعوام وأعوام على ذلك وتم نسيان الأمر.


بعد مرور عقدين من الزمان، وبينما كان شيطان مريد ينبش في ملفات الأرشيف السري، عثر مصادفة على ذلك الملف... تساءل: هل يا ترى مازالت هذه القنابل صالحة للعمل أم أفسدتها مياه البحر؟ تفتق ذهنه على أن يوعز لمن بيدهم الأمر إلى تجربة إحدى قنابل المحيط الهندي أو عدد من قنابله في وقت واحد... وحيث لا يتوقع حدوث أية أضرار إذا كانت المنطقة خالية من السفن تم إجراء التجربة، إلا أن ما ترتب على ذلك لم يتخيله المجربون قط.


ارتفعت أمواج البحر وهاجمت السواحل القريبة من موقع التجربة بعد أن اهتزت أرضها بعنف، وراح ضحية ذلك عشرات الآلاف من سكان تلك السواحل... تم التكتم على الأمر، ومثل من يقتل القتيل ويمشي في جنازته سارعت السفن التي انطلقت منها الإشارات الاليكترونية أو الكهرومغناطيسية لأحداث التفجيرات، للمساهمة في إنقاذ المنكوبين!


كان هناك اقتراح من شيطان تل أبيب باجراء تجربة مماثلة لإحدى قنابل البحر الأحمر، إلا أنه تم الامتناع عن الاستجابة له بعد حوادث المحيط الهندي، لم يستسلم، سعى إلى حيازة شفرة التفجير عن بعد بأي ثمن عوض شفرة واحدة نجح في الحصول على شفرتين من وراء البحار، إلا أنهما غير مصحوبتين ببيانات توضح: متى تستعمل أي منهما، ولكن... لا مانع... فلنجرب الأولى، وبعدها نجرب الثانية... هكذا قال الخبراء العسكريون له.


تم تجربة الشفرة الأولى في جنح الظلام ليلة 12 سبتمبر فانفجرت القنبلة الأولى في أعماق البحر فيما بين بورسودان وجدة، اهتزت الأرض عدة هزات متتالية تشبه ما يحدثه الزلزال الطبيعي، وامتدت الزلزلة من جدة حتى أطراف مدينة مكة حيث تهشم زجاج بعض المنازل فيها، وقال الخبراء هذه ليست هزة جيولوجية ولا نستطيع تحديد مركز الزلزال، فقط يمكن قياس قوتها في حدود 7‚3 درجة على مقياس ريختر، ولم يحدث في السواحل المقابلة ما حدث من قبل في المحيط الهندي من فيضانات، كما لم يتضرر الحرم الشديد من الهزة.


قال شيطان تل أبيب طالما تأكدنا من فاعلية الشفرة التي جربناها، فلنحفظ الثانية من قبيل الاحتياط، ولننس أمرنا مؤقتا، ونكتفي بالتي جربناها إن قررنا استعمالها ومرت الأيام... .وحل محل الشيطان شيطان آخر، أكثر رعونة منه، فتش في الملفات السرية أيضا فعثر على نفس الملف قال: لماذا لا نجرب الشفرة الثانية فإن اتضح عدم صلاحيتها لشيء أهملنا أمرها، أو طلبنا من عيوننا الكشف عن أسرارها.


صدرت الأوامر بتجربة الشفرة الثانية وكانت المفاجأة الغير متوقعة فقد انفجرت جميع قنابل السلسلة في تتابع سريع ومذهل ومزلزل...


لقد زلزلت الأرض زلزالها، وأخرجت أثقالها... انشقت الأرض في جيبوتي وعلى امتداد الأخدود الإفريقي الشرقي حتى بعيرة ''نياسا'' ونهر ''الزمبيزي''.


امتد البحر الأحمر في الأخدود الجديد، انفصلت الصومال وأجزاء من كينيا وتنزانيا وموزامبيق عن القارة الإفريقية بعد أن عزلها البحر الجديد عنها، واعتبرت جزيرة جديدة من أكبر جزر المحيط الهندي، انهارت العمارات والمباني في جدة وجيزان والحديدة وعدن شرق البحر، وبورسودان وسواكن وعصب ومصوع غرب البحر، اتصل خليج العقبة بالبحر الميت وغرقت العقبة وايلات وشرم الشيخ وصحراء النقب. لقى مئات الآلاف مصرعهم، وبالغت بعض وسائل الإعلام فقالت إن عدد الضحايا عدة ملايين، الحقيقة أنه لم يكن بإمكان أحد حصر الخسائر البشرية أو المادية... العالم كله مصاب بالذهول. الجميع اعتبرها كارثة طبيعية لم تخطر على عقل بشر، وليس للشرير فيها!


ظهر في موقع على شبكة الانترنت بيان من أسامة بن لادن ''المدفون'' في تورابورا منذ سنوات، يتبنى مسؤولية ما حدث، وفي موقع آخر صدر بيان من أبي مصعب الزرقاوي المقتول هو الآخر ربمامع جماعة أنصار الإسلام شرق كردستان عامين قبل الاعلان أمريكياعن مقتله وسط العراقي وبعد أن عادوا وقالوا بأنه عاد مرة أخرى إلي الحياة كواحدة من معجزات بوش وحتي لايقال بإن يسوع أحيا عازر ولم يحي بوش أجدا، تبنى ر مسؤولية ما حدث. الموتى فقط، مثلما يصوتون في الانتخابات المصرية والمعربية، هم الذين كانت لديهم الشجاعة دائما للاعتراف بما لا علاقة لهم به.


معذرة للقراء الأعزاء... وعدت في البداية أن أسبح مع التيار فإذا بي أسبح ضده دون رغبة مني... وهكذا الزمار، يموت وسبابته مازالت تتحرك! .. ولنواصل الحكاية :


الخليج يحترق!


همت تداعيات ماسبق منطقتي الخليج وشمال أفريقيا رغم تباعدهما الجغرافي. ولنبدأ بما حدث فيا حدث في الخليج قبل الانتقال ألى أحداث شمال أفريقيا، وتحديدا المنطقة الواقعة بين الصحراء الكبرى وجبال تونس والأوراس والأطلس الصحراوي.


لقد نتج عن انفجارات البحر الأحمر تسارع معدل انزياح شبه الجزيرة العربية شرقا من عشرين سنتيمترا في السنة إلى أكثر من عشرين مترا في السنة، وما لبث مضيق هرمز الذي يفصل الخليج عن المحيط الهندي أن قل اتساعه، وعندما حاولت ناقلة بترول يابانية عملاقة اجتيازه للخروج منه وهي محملة بخمسين ألف طن من البترول حتى انحشرت بين صخوره.


توقفت حاملة البترول مكانها وسدت الطريق، وعندما حاولت الرجوع إلى الخلف اصطدمت بها ناقلة أخرى فأتلفت مؤخرتها، إلا أنه لحسن الحظ لم يتدفق من أي منهما البترول وإلا كانت الكارثة المحققة.


كان في ذلك الحين أحد أطقم البحرية الإيرانية يرقب ما حدث من ساحل إحدى جزر الخليج التي تنازع دولة الإمارات إيران في ملكيتها (طنب الكبرى وطنب الصغرى) فسولت له نفسه الأمارة بالسوء أن يتسلل ليلا دون علم قيادته أو تلقى أي تعليمات منها، وأن يغطس مرتين ويثبت في كل مرة لغما بحريا في جانب إحدى الناقلتين ثم يعود أدراجه، وبراءة الأطفال في عينيه، ويفجر اللغمين عن بعد، ويتدفق البترول غزيرا على سطح الخليج مكونا بقعة كبيرة مترامية الأطراف تولت الرياح الموسمية الجنوبية الشرقية القادمة من المحيط الهندي زحزحتها نحو الغرب والجنوب. وبينما كان أحد الجنود الأمريكيين في قاعدة العديد جالسا على ساحل الخليج قبيل الفجر يشرب آخر قطرة في زجاجة ويسكي ''بلاك هورس''، ألقى في نزق بلفافة تبغ مشتعلة في المياه السوداء تحت قدميه.


لم يكن الإيراني الذي فجر الناقلتين يستهدف أكثر من اغلاق مضيق هرمز نكاية في حاملات الطائرات والطرادات وسفن الانزال وغيرها من السفن الحربية الأمريكية والبريطانية. لذا انتابه الذعر عندما وجد الخليج عند الفجر قد تحول إلى جحيم مستعر، فقد امتدت النيران إلى السفن التجارية في موانئ مسقط ودبي والدوحة والظهران والكويت لكي تشتعل فيها النيران، وتنفجر خزانات الوقود فيها، وتغذى النيران المشتعلة، واضطرت الطائرات المقاتلة والعوامات إلى مغادرة السفن الحاملة لها والتحليق على غير هدى ثم الهبوط بعد ذلك في الصحارى. وامتلأت السماء بالدخان الأسود مما شل حركة الطيران المدني والحربي معا في المطارات.


أصيبت القيادة الإيرانية بالذعر في طهران مخافة توجيه الاتهام لها بالتسبب في هذه الكارثة العظمى، إلا أنها ما لبثت أن تنفست الصعداء عندما ظهر على موقعين بالأنترنيت بلاغان أحدهما بتوقيع أسامة بن لادن والثاني بتوقيع ''أبي مصعب الزرقاوي'' يتبنى كل منهما مسؤولية تفجير حاملتي البترول... أعلنت إيران بعد ظهور البلاغين بأنها ستجند كل طاقتها لمحاربة ارهاب القاعدة، وأنها تعتبر نفسها المستهدفة الأولى من تنظيم القاعدة لحرمانها من تصدير بترولها عبر الخليج الذي يعد منفذها الوحيد نحو الأسواق الدولية، وأن تنظيم القاعدة استهدفها لاتهامها بدعم الحرب الطائفية في إيران التي تحالف فيها الشيعة والأكراد والأمريكيون لإبادة العراقيين السنة في القائم وتل يعفر وبعقوبة والفالوجا والموصل وكركوك والحديثية وتكريت وغيرها من مدن العراق. أصيبت الإدارة الأمريكية بالارتباك وانهالت التصريحات الانفعالية من مسؤوليها، واعتبروا ما حدث لأسطولهم في مياه الخليج أفظع من ضرب اليابانيين لأسطولهم في بيرل هاربر بجزر هاواي من قبل، وانفلت لسان أحدهم فقال إن بن لادن وأبي مصعب الزرقاوي ليسا على قيد الحياة منذ سنوات وأن الحادث دبرته إحدى دول المنطقة وأنها لن تفلت من العقاب. اجتمعت قيادات الجيش والحرس الثوري في طهران بقيادة الولي الفقيه بصفته القائد الأعلى للقوات المسلحة، إلا أنه غادر الاجتماع وطلب من القيادات العسكرية إعداد خطة طوارئ وموافاته بها قبل انصرافهم. أبدى أحد القادة العسكريين تخوفه من تكرار مأساة الحرب العراقية الإيرانية التي قادها رفسنجاني الذي يجهل كل شيء عن الأمور العسكرية وتسبب في خسائر فادحة في الأرواح كان ممكن تفاديها. انتهى القادة العسكريون إلى قرار لم يكن متوقعا البتة. تم استدعاء القوات البرية وقوات الحرس الثوري للسيطرة على طهران والاعلان عن عزل الولي الفقيه والاستعاضة عنه بمجلس شرعي من المرجعيات الشيعية العليا تنحصر مهامه في الافتاء الديني فقط ونقل جميع الصلاحيات الأخرى التي كانت للولي الفقيه إلى رئيس الجمهورية المنتخب والمحسوب على المحافظين وتكوين مجلس أعلى للدفاع يتمتع باستقلالية كاملة عن الحكومة المدنية ويحظر عليه التدخل في السياسة وبحيث يكون وزير الدفاع بمثابة ضابط اتصال بين المجلس الأعلى والمجلس الحكومي، وما أن نقلت التلفزة قرارات المجلس الأعلى حتى رحب بها الشعب ومجلس النواب، بينما لزم ''الملالي'' الصمت وامتنعواعن التعليق عليها.


أعلنت الولايات الأمريكية نقل القيادة العسكرية المركزية بعتادها ومعداتها من قطر إلى الكويت.. كان هذا بمثابة خطأ تكتيكي جسيم رغم وجاهة دواعيه. إذ خلال عملية النقل اشتدت المقاومة العراقية من البصرة إلى بغداد مستهدفة القوات البريطانية والأمريكية وميليشيات بدر الشيعية المحسوبة على إيران وميلشيات البشمركة الكردية وجواسيس الموساد وكتائبه العسكرية ومعسكرات مجاهدي خلق. ولم تعد الفضائيات تتحدث عن ''مأزق العراق'' إنما عن ''الحرب في العراق'' التي تحصد مئات القتلى من الجانبين يوميا. أمام الخسائر الفادحة في أرواح البريطانيين والأمريكيين التي حدثت خلال أيام معدودة، أعلنت الدولتان عن انسحاب تكتيكي مؤقت من القوات إلى الأردن وإسرائيل، كانت فرصة للقوات الإيرانية لدخول العراق بدعوى ملء الفراغ والقضاء على الفوضى وتنصيب حكومة مؤقتة عوض تلك التي هربت مع القوات الأمريكية مثلما جاءت معها أول مرة. لم تستقر القوات الإيرانية في العراق وإنما زحفت نحو سوريا بدعوى دعم النظام السوري وحماية سوريا من أي عدوان إسرائيلي محتمل، إلا أن المفاجأة كانت في إزالتها النظام السوري وتنصيب حكومة مدنية من معارضيه أعلنت تشكيل دولة إسلامية جديدة تضم إيران والعراق وسوريا لمواجهة التحديات المشتركة ويعيش فيها السنة والشيعة في أخوة وسلام مع الاعتراف بالتنوع اللغوي، وتقسيم الدولة الفيدرالية الجديدة وفق أسس جغرافية واقتصادية وليست طائفية... امتنعت الدول العربية عن الاعتراف بالدولة الجديدة بينما سارعت إلى الاعتراف بها كل من روسيا والصين والهند وتركيا وبعض دول جنوب شرق آسيا. انتقل الرئيس الأمريكي إلى تل أبيب لوضع خطة مشتركة لمواجهة التطورات المتلاحقة والمتسارعة في المنطقة ولحق به رئيس الحكومة البريطانية واعتبر الاجتماع الثلاثي بمثابة مجلس حرب. تسربت تهديدات بامكانية استعمال أسلحة الدمار الشامل من قبل الدول الثلاث ضد سوريا والعراق وإيران. طلبت سوريا عقد اجتماع طارئ لمجلس الأمن لمناقشة الوضع الطارئ والخطير في منطقة الشرق الأوسط. تضاربت مشاريع القرارات المقدمة للمجلس فتقرر تعليق اجتماعاته دون اتخاذ قرار. اجتاحت القوات الروسية جمهورية تركمانستان، ونصبت حكومة موالية لها في عشق أباد حاصرت القاعدة العسكرية الأمريكية وطلبت من قواتها القاء السلاح والرحيل عنها، وأعلنت روسيا إن أي حرب أمريكية جديدة في الشرق الأوسط ستهدد أمن روسيا الاتحادية القومي. انتهى اجتماع تل أبيب باعلان بأن القوات الحليفة ستستمر في الأردن وإسرائيل لمراقبة تطورات الأوضاع في المنطقة عن كتب ولكنها لا تنوي الدخول في مواجهات عسكرية حاليا. تدفق النفط العراقي إلى مبنائي جيهان التركي وطرسوس السوري، وأقامت إيران خط أنابيب لفصل نفطها للتصدير على ساحل المحيط الهندي، عادت أسعار النفط إلى التراجع بعد أن تجاوزت خلال الأزمة سقف المائتي دولار للبرميلوكان سعر البترول قد انتقل قبلها من 10دولار للبرميل ألى زهاء 150 دولارا بفعل فاعل مجهول ولم يكن لارتفاع اسعاره أدني علاقة بالعرض والطلب، قررت الدولة الاتحادية منح الأولوية في انفاق عائدات النفط على تعمير العراق ، وتحسين الأوضاع المعيشية في إيران وسوريا.قررت اسرائيل التي فقدت سبعة ألاف جندي أرسلتهم من قبل للعراق أن تنتهز فرصة الفوضى التي ثارت في المنطقة لتعزيز وجودها ومهابتها والانتقام من الهزيمة السابقة لها في صيف2006 وعاد حزب الله يرجمها بالصواريخ ، ورغم محاولات إيران وسوريا ، المحسوب عليهما أحتواء الوضع المتدهور في المنطقة ، فإن الجزب لم يلق بالا إليهما، وعاد القواعد من العرب يتحدثون عن نبوءة زوال اسرائيل عام 2020دون أن يحركوا ساكنا لتحقيق النبوءة المزعومة ، وقواعد أخر منهم بدأ إعلامهم يهاجم من جديد حزب المقاومة اللبنانية المعتدى على بلاده والذي يقف في المعركة وحيدا دون سند من شيعى أو سنة خارج لبنان. تحرك مجلس الأمن بسرعة على غير العادة يطالب بالإجماع الطرفين بوقف القتال . وكانت استجابتهما سريعة. لم يجد المتفائلون بزوال إسرائيل ما يتعللون به غير أن عام 2020لم يحل بعد لكي تتحقق النبوءة فيه.,وانتهى عند هذا الحد كابوس الخليج


اعصار ''ايزيـس'' يعبر خليج سرت


لم تكن الحالة النفسية للإدارة الأمريكية تسمح لها باتخاذ قرارات مصيرية في مواجهة التطورات المتلاحقة التي شهدتها منطقة الخليج والشرق الأوسط، خاصة مع وجود قناعة بأن جميع الكوارث بدأت مع انفجار القنابل النووية التي تم غرسها في أعماق البحر قبل أكثر من عقدين من الزمان، ولا أحد يعرف كيف تم تفجيرها دفعة واحدة، وكل ما حدث لم يدر بخلد أحد في معاهد الدراسات الاستراتيجية ورسم السياسات المناسبة التي تتولى الإدارة تنفيذها وليس وضعها!

اتضح أيضا أن زيادة أسعار البترول التي كان القصد منها إعاقة الاقتصاد الصيني المتنامي، وزيادة أرباح الشركات الأمريكية، ترتب عليه في ذات الوقت انقاذ الاقتصاد الروسي، مما جعل روسيا تكشر عن أنيابها وتظهر مخالبها في الوقت الحرج، وهو ما لم يؤخذ في الحسبان من قبل.


نفس الشيء بالنسبة لإسرائيل التي أغرقت مياه البحر وميناء ايلات ومعظم صحراء النقب ومعسكرات قواتها على ساحل البحر الميت وغور الأردن.


بالنسبة للبحر الأحمر لم يتوقف الأمر على تفجر القنابل النووية في أعماقه وإنما تسبب انفجارها في انفجار براكين أيضا سواء في الأعماق أو في جيبوتي ومداخل الأخدود الشرقي والجزر الأريترية قبالة مصوع، وبدأت ترتفع درجة حرارة المياه إلى ما يقرب من درجة الغليان، وخلال حالة الجزر كان البحر يترك على السواحل أسماكا مشوية وأخرى مسلوقة كان من بقي على قيد الحياة من السكان يهبطون من سفوح الجبال لجمعها حتى صار السمك هو طعامهم طوال اليوم.


تبخرت كميات هائلة من مياه البحر وظلت تتصاعد ليلا ونهارا بكثافة إلى طبقات الجو العليا مكونة سحبا تحجب السماء وضوء الشمس. لم تكن الرياح الموسمية القادمة من المحيط الهندي قوية بما يكفي لتحريك السحب على نحو ملموس لذا كانت تتحرك ببطء في اتجاه البحر المتوسط ويساعدها وجود منخفض جوي فوق بلاد النوبة ومصر خلال فصل الصيف، فضلا عن تدافع السحب القادمة من الأخدود والمسطحات المائية فيه التي كانت من قبل عبارة عن بحيرات يناسا وتوركانا وستيفاني وأبابا وزفاي وشالا وتشامو فضلا عن بادينجو وناكورو ونيفاسا وماجادي.


إلا أن معظم السحب القادمة من الأخدود (سابقا) كانت تتجه غربا في اتجاه دارفور وتشاد وغرب افريقيا مسببة أمطارا رعدية غزيرة في هضبة الحبشة (أثيوبيا) والسودان ودول أفريقيا الوسطى والغربية.


أما السحب التي اتجهت نحو البحر الأبيض المتوسط حيث توجد منطقة ضغط مرتفع فوق البحر تهب منها رياح شمالية شرقية باردة نسبيا، فقد دفعت هذه الرياح السحب بعد أن زادت من سرعتها في اتجاه خليج سرت غربا لتضرب سواحل تونس الشرقية جنوب صفاقس لكي تصطدم مرة أخرى برياح السيروكو المحملة بالتراب والقادمة من وسط الصحراء الكبرى، فتدفع السحب غربا في اتجاه شط الجريد جنوب تونس، وشط ملقير جنوب جبال الأوراس في الجزائر ومنه تواصل السحب تقدمها بامتداد جبال الأطلس الصحراوي، وتتساقط الأمطار على السفوح الجنوبية لهذه الجبال وتحت أقدامها لأول مرة خلال فصل الصيف الحار ربما خلال الخمسة آلاف عام السابقة!


كانت الجزائر قد شرعت في حفر قناة بحرية تخترق شط الجريد في تونس وتصب في شط ملقير بها محولة إياه إلى بحيرة ضخمة، ثم تبعه بعد ذلك بموازاة جبال الأطلس عبر أنفاق في الهضبة الصحراوية وقنوات مكشوفة في بحار الرمل ومنخفض تيدكيلت لكي تنتهي عند مصب نهر السنغال ومدينة ''سانت لويس'' السنغالية على شاطئ المحيط. وكانت أعمال الحفر قد قطعت شوطا كبيرا في الجزء الشرقي من القناة فامتلأ بالمياه العذبة الناتجة عن تساقط الأمطار الغزيرة، وزاد مخزون المياه الجوفية، وثبتت الأمطار حركة الرمال ونشرت الكثبان الرملية في محيطها، وقد شجع ذلك على البدء في الزراعة وغرس الأشجار وحشد إمكانيات إضافية لجلب المياه الزائدة عن حاجة المناطق الاستوائية من أنهارها إلى قناة ملاحية نهرية تبدأ من أطراف هضبة فوتاجالون الشمالية في غينيا وتلتف حول الصحراء الكبرى من جهة الغرب ثم تمتد مع جبال الأطلس الصحراوية شرقا حتى تصب في النهاية في منخفض القطارة شمال غرب مصر وشرق واحة بسيوه المصرية.


ولكن... هل ستستمر السحب الممطرة تأتي من البحر الأحمر؟ بالطبع لا... إذ من المتوقع أن تنتهي هذه الظاهرة الاستثنائية عندما تستقر الأوضاع في البحر الأحمر بعد التغييرات الدراماتيكية التي حدثت فيه، والتي مازالت الطبيعة متهمة فيها، ولم يعلم أحد بعد بأنها من صنع البشر، ولو أنه في نفس الوقت لا أحد يعلم متى تتجه أوضاع البحر الجديد إلى الاستقرار، ويتوقف غليانه، وتسكن براكينه.


تواصل هبوب الرياح الشرقية المصحوبة بالأمطار الغزيرة والتي أطلق عليها ''إعصار ايزيس''، ولكنه كان إعصارا طيبا، استغل قوته في بناء الحياة على أرض الصحراء، ولم يستغل قوته في التدمير مثل الأعاصير التي تهب على ساحل الولايات المتحدة الجنوبي.


بدأ يتوافد على المنطقة أفواج الشباب من عنصري الأمة، أي ذكورها وإناثها، من جميع الدول المحيطة بالصحراء الكبرى ومن أثيوبيا والصومال والسودان ورواندا وبوروندي وشرق الكونغو، والتحق بهم أيضا ملونون من البرازيل في أمريكا الجنوبية والهند في آسيا، حيث قررت حكوماتهم مع حكومات دول أخرى صديقة دعم جمهور التنمية الجماعية في المنطقة التي خصصت لصهر الاعراق والشعوب والثقافات في أمة واحدة ملتزمة بالقيم الدينية والانسانية الفاضلة. وامتلأت معسكرات العمل، وانبثقت منها أفراح الزواج المختلط، وتكوين أسر جديدة وبالتالي إقامة قرى ومدائن تعيش فيها هذه الأسر وتقيم صرح الانتاج العائلي الواسع النطاق. كان التعارف والتآلف والزواج ثم المودة والتراحم والتكافل والتضامن العائلي يتم بسرعة وباضطراد ووفق هذا المسلسل أو التطور الخطر دون أي خروج عليه، أو انتهاك لحرماته. الكل جاء هنا ليبني حياة جديدة ومستقبلا جديدا، إما لأنه تعذر عليه ذلك في موطنه الأصلي، وإما إيمانا بالتجربة الانسانية الفذة وغير المسبوقة في تنظيمها، هذا التنظيم الذي أطلق العنان لعشوائية تأتي من بعده وتنظم ذاتها تلقائيا، وتحقق وتدعم استقرار النظام وحيويته وقابليته للاستقرار والبقاء، لم يكن في المنطقة أي نظام مركزي أو زعامات أو قيادات فردية، كانت جموع الأسر تسير المستوطنة البشرية التي تقيم فيها تسييرا ذاتيا عن طريق اختيار أسر منها لتكوين مجلس لإدارة المستوطنة، أي أن المجلس كان يتكون بالضرورة من أزواج رجال ونساء، متساوين طبعا في العدد. كانت هذه المشاهد تتدافع أمام ناظري مختلطة بسكرات الموت... لم تكن تجربة الاحتضار التي أمر بها لأول وآخر مرة أيضا بالسهلة،... إلا أني رغم ثقل وطأتها، كنت أشعر براحة نسبية تسبق الراحة الأبدية


فوزي منصور


e-mail:fawzym2.gmail.com



أضف تعليقا