المطالبة باستقلال القضاء المغربي
يتردد على ألسنة الإصلاحيين والمعارضين والموتورين من القضاء من حين لأخر المطالبة بضرورة استقلال القضاء عن السلطة التنفيذية . وهو ما أتعتبره طلبا لا يستند إلى مشروعية معمول بها في الدولة ليكون مشروعا . وغير واقعي أيضا.
فأما عدم المشروعية فلم يسبق، في حدود علمي ، أن أقرت أية وثيقة قانونية رسمية معتمدة في المغرب، مثل الدستور، للقضاء بأنه سلطة أو بأنه يتمتع بأية استقلالية حتى يتم الاستناد إليها في المطالبة بذلك ويكون الطلب بالتالي له مشروعيته. ولو كان الدستور قد أقر بتلك الصفة للقضاء وتم خرق المقتضيات الدستورية وجب المطالبة باحترام الدستور . أو رفع دعوى أمام المحكمة الدستورية للمطالبة بإلغاء جهاز القضاء كله لأنه مخالف للدستور. هذا بالطبع إذا ما كانت المحكمة الدستورية ذاتها تتمتع بالاستقلالية التي يفتقر إليها القضاء العادي.
أما كون المطالبة غير واقعية فلأنه طالما هي تطالب باستقلال القضاء عن السلطة التنفيذية فإنه يفترض في هذه الحالة وجود سلطة تنفيذية. وهي غير موجودة أصلا حتى يستقل القضاء عنها.أو شبه موجودة ، ولكنها بدورها غير مستقلة أو تشكل سلطة مستقلة.
في المدارس غرروا بنا، لكوننا صغار في السن ، وقالوا لنا: إن لكل دولة ثلاث سلطات مستقلة تتجسد فيها سيادتها . أولها : سلطة تشريعية منتخبة من الشعب . وثانيها : سلطة تنفيذية تتشكل من حزب أو أحزاب تشكل أغلبية في البرلمان. وثالثا: سلطة قضائية مستقلة عن السلطتين السابقتين.
بعدما بدأنا نعي ما حولنا على نحو أكثر وضوحا عن ذي قبل ، وجدنا في كل الدول العربية سلطة واحدة تغني عن كل هذه السلطات وتؤدي عملها،ولو من خلف الستار ، هي وحدها الحقيقية والفعالة والمستقلة تسمي : السلطة الأمنية. في المغرب ولأنه فريد في كل شيء،ومختلف عن المشرق من حيث تشرق الشمس ومن حيث تغرب الشمس أيضا ، فإن جميع السلطات،بما فيها السلطة الأمنية والقضاء، يشملها مجمع غير واضح المعالم ،أو محدد الملامح، أو مذكور في دستور أو قانون ، ومع ذلك معترف بوجوده في الداخل والخارج يسمي : المخزن. وهذا المخزن المغربي المجهول الهوية والكينونة، هو في واقع الأمر الذي يشرع وينفذ ويقضي ويحدد السياسات ويتخذ القرارات السياسية والاقتصادية، وهو أيضا الذي يرسي السلم أو يشن الحروب في الداخل والخارج .
والسلطة المخزنية التي لم يرد لها ذكر في الدستور، رغم أنها متجذرة في التاريخ المغربي منذ قرون ، لا يمكنها أن تسمح في صورتها الحديثة التي أمست عليها منذ زوال الحماية الأجنبية التي احتضنتها من قبل، بانفصال القضاء عنها واستقلاله ، والسماح له بتحري العدالة في كل أحكامه ، لأن حدوث هذه الكارثة ، تعني زوال سلطة المخزن ذاتها. أ ي يهدد وجوده ونفوذه وممتلكاته ومزاياه.
والاستقلال الذي يمكن أن يأذن به المخزن للقضاء المندمج فيه هو الاستقلال عن الحق والعدل والعقلانية والحس الإنساني ، وأيضا أن ينسلخ عن المجتمع المغربي الذي لا يجب أن يعتبر نفسه منتميا إليه وعن ثقافته وقيمه وعاداته وتقاليده وعقيدته الدينية. وأن تترجم الأحكام الصادرة عن القضاء هذا الانسلاخ وتلك الاستقلالية.
يبدو ذلك جليا ، وبدون أدني شبهة ، في الحكم الذي أصدره قاض على زوجة رفعت دعوي تطليق . وعندما سألها القاضي عن سبب رغبتها في الطلاق من زوجها ، ردت بكل عفوية وبراءة ، ووفق الثقافة المجتمعية والمعجم الذي يستعمله المجتمع بأنه ، أي زوجها "عاطل عن العمل ويقضي يومه مجبدا فوق السداري (أي الفراش أو الأريكة ) ولكأنه ملك". فأصدر سعادة القاضي حكما فوريا بسجنها بتهمة المساس بالذات الملكية. لم يدرك سعادة القاضي المحترم أن الملك الذي في مخيلة هذه السيدة والذي ورد ذكره في وصف حالة زوجها ، الذي اعتمدت فيه على معجم الألفاظ المستخدمة في المجتمع ، غير الملك الذي اتهمها بالمساس بذاته أو إهانته والذي لم يخطر على بالها قط في تلك اللحظة. أليس في ذلك دليلا على انفصال القاضي تماما عن ثقافة مجتمعه ولغته المتداولة والتي تسببت في سجن تلك المرأة المسكينة؟.
أما الانفصال عن الحس الإنساني فنجده في حكم أصدره قاض أخر على عجوز في التسعين من غمره ، فاقد لقواه العقلية ، بتهمة مماثلة ، وإرساله إلى السجن لكي يموت فيه بعد أيام قليلة.
أما الانفصال عن العقلانية فيبدو واضحا من الحكم الذي أصدره قاض ثالث ضد مدير يومية المساء المغربية بتعويض أربعة وكلاء دولة بستة ملايين درهم عن تهمة قذف بسبب خبر نشرته الجريدة وشابه خطأ مهني واعتذرت عنه علنا ولم يرد في الخبر ذكر اسم أي من الأربعة أو وصف يحدد أيهم المقصود بما نشر مما يجعل تهمة القذف غير مكتملة حتى لو افترض أنه قد لحق بهم ضرر معنوي كما يقولون. والمبالغة في قيمة التعويض إلى هذا الحد يعد في نظر الجمهور الذي أبدى الاستياء منه متجاوز للعقلانية. في حين أن الأضرار البالغة المادية والنفسية والمعنوية التي تلحق بالمواطنين العاديين والتي تنتج عن أخطاء القضاء أو فساده لا يعوضهم عنها أحد.
وليس اندماج القضاء في المخزن هو سبب كل فساد في القضاء فثمة أحكام كثيرة لقضاة يتمتعون بالنزاهة وصحو الضمير وتحرى العدالة تؤكد أنه رغم انتسابهم إلى المخزن ظلوا قضاة عدل.بل ولا يمكن القول بأنه كان من مصلحة المخزن إلقاء رقية أبوعالي وستة أفراد من أسرتها في السجن لمدة سنة بتهمة ملفقة وشهود زور برأتهم منها المحكمة . ولو أن من كانوا وراء ذلك كانوا عصبة مشكلة من مكونات المخزن أي من رجال في الدرك الملكي وآخرين في سلك القضاء. وهذا يعني أنه داخل المخزن تكونت مؤسسات خاصة أو عصابات متضامنة تعمل لصالحها وتستغل سلطات المخزن لخدمة أغراضها الشخصية . ولا يمكن تحميل المخزن المسؤولية كاملة عن تصرفاتها لأنه لو افترضنا أن للمخزن رئيسا تأتمر بأمره مكوناته ، فإن هذا الرئيس من المستحيل القول بأنه هو الذي أمرهم بذلك.
وبالتالي فإن الجهاز التنفيذي الشكلي الذي لا حول له ولا قوة ولا علاقة له بأحكام القضاء ولم يأمر بها. وهو ليس أكثر من ستار يتوارى خلفه المخزن يعد مظلوما عندما نحمله مسؤولية فساد القضاء وعدم استقلاليته بينما هو ذاته فاقد الاستقلالية ويتبع مثله مثل القضاء تماما : المخزن. وفي نفس الوقت فليس كل حكم فاسد أصدره القضاء أملاه عليه المخزن وإلا اعتبرنا أن دور الرشوة محايدا ولا تأثير له . وهي التي تؤكد تقارير محلية وخارجية تفشيها في سلك القضاء.
الذي يجب أن يكون له أولوية في الحرب على فساد القضاء هو استقلاليته الحالية ، أي استقلاليته عن الحق والعدل والعقلانية والحس الإنساني ، وانسلاخه عن المجتمع المغربي ، الذي لا يرغب في أن يعتبر نفسه منتميا إليه،وعن ثقافته وقيمه وعاداته وتقاليده وعقيدته الدينية. عندما نجرده من هذه الاستقلالية ، تكون الخطوة التالية هي إخراجه من قبضة المخزن لكي يكون ملك المجتمع كله، وليس آلية من آليات المخزن، تستعمل ضد المجتمع.
فوزي منصور
e-mail: fawzym2@gmail.com









أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية