نوارس

فكرية، سياسية و دينيةواجتماعية

لفن كأحد آليات الثقافة والازدهار الحضاري

 

 

الفن كأحد آليات الثقافة والازدهار الحضاري

 

الثقافة بغض النظر عن تعريفاتها الكثيرة هي في نهاية الأمر كمية ما حصله الفرد أو المجتمع من المعارف.وهذه المعارف التي تتصدرها العلوم الإنسانية والطبيعية وتليها القيم المجتمعية والعادات والتقاليد . ولهذه المعارف قنوات وآليات توصيلها إلى المستفيدين منها المتعددة مثل المؤسسات التعليمية والمساجد والصحف والمجلات و كتب الآداب ووسائل الإعلام السمعية والبصرية  والفنون بمختلف أنواعها . وقد تكون الفنون، والتي تشمل المسرح والسينما والموسيقي والأغاني والتصوير والرقص ،الأكثر فاعلية وتأثيرا في توصيل المعرفة إلى المتلقي .وخاصة بالنسبة لغرس القيم الفاضلة سواء السلوكية أو الجمالية منها. وقد أضيفت مؤخرا إلي تلك الآليات شبكة الانترنيت خلال السنوات الأخيرة وباتت تلعب دورا خطيرا في تحصيل المعرفة.

وجميع الفنون إن لم تؤد دورها في توصيل المعرفة الصحيحة للمتلقي تكون قد انحرفت عن جادة السبيل وخانت رسالتها التاريخية ودورها في الرقي بمستوى الثقافة المجتمعية وفي تحضر الشعوب.

 

وتتخذ الفنون من تحقيق متعة الفرجة وسيلة لجذب المتلقي والتأثير فيه بحيث تسهل توصيل المعرفة إليه ولذا لا يعد مجرد تحقيق الفرجة ، كما يروج البعض ، هدفا لها . وعندما تقتصر على تحقيق الفرجة يكون ذلك دليل على عقمها وفسادها.

 

ومما يلاحظ حاليا أن بعض الدول العربية تطورت فيها تقنيات الإنتاج  الأدبي والفني بينمـــا تخلفت

عن القيام برسالتها ، والبعض الأخر متخلفا في الناحيتين ، وهؤلاء وهؤلاء يجتمعان معا في شيء واحد هو تفاهة الإنتاج الأدبي والفني وعدم جدواه.  بل ومنها ما يلعب دورا ليس سلبيا فقط في مجال بناء ثقافة مجتمعية إنسانية و متحضرة  وإنما مشوها أيضا للثقافة المحلية ومفسدا لها.

 

ومما يؤخذ على الجماعات الدينية في المجتمعات المسلمة أنها لم تنتبه لأهمية الفنون في  التواصل مع الجماهير وتنمية ثقافتها والتأثير فيها ، والدور التربوي الهام  للفنون وإسهامه في بناء الحضارات. وضرورة استثمارها بأحدث تقنياتها المتاحة في تبليغ رسالتها. بل إن بعضها اتخذ موقفا سلبيا متشددا منها واعتبرها من عمل الشيطان . وتلهي الناس عن العبادة . واكتفت إزائها بنقد القائم منها لفضح مثالبه وعيوبه. واكتفت أحيانا بالابتهالات الدينية دون غيرها لتأكيد التزامها الديني الصارم. وكان نتيجة هذا الحكم المسبق على الفنون والموقف السلبي منها أن ترك الميدان فيها للمفسدين والعابثين بالقيم المجتمعية الدينية والأخلاقية عن جهل أو عن عمد.

 

الثابت مما ترك الأقدمون من أخبار أن مجتمع الأنصار في المدينة قد واصل في أعراسه الضرب بالدفوف وقرع الطبول والعناء بعد الإسلام  والرسول بين ظهرانيهم ولم يستنكر النبي صلى الله عليهم ذلك . بل سنجده يقول للسيدة عائشة بعد أن عادت من عرس لهم : هل أتوا بمن تغني لهم : أتيناكم بالحبة السمراء...فإن الأنصار يحبون الغناء. ولم يؤثر ذلك على عبادتهم وجهادهم بالمال والنفس في سبيل الله واشتراكهم في كل الغزوات والفتوحات. ولم يكن ما اعتاد عليه الأنصار يروق للمهاجرين إليهم من مكة بما في ذلك مكانة المرأة عندهم ودورها في حياتهم وهو ما نقل عن الخليفة عمر انتقادا له. ولم يكن انتقاد عمر رضي الله عنه من منطلق ديني وإنما بسبب اختلاف العادات والتقاليد بين أهل مكة وأهل المدينة. وبعد انتهاء عهد الخلفاء الراشدين وإثراء أهل المدينة سنجد أن الغناء لم يكن ينقطع من دورهم بعد أن اقتنوا القيان العازفات للألحان والمغنيات وانتقلت تلك الفنون من المدينة إلى جميع بقاع إمبراطورية المسلمين شرقا وغربا وظل هذا الحال طوال عصور ازدهار حضارة المسلمين . ثم ذبلت وتكاد أن تكون قد اختفت ولم يتبق منها سوى أشكال بدائية منها بعد أن أفلت شمس حضارتهم التي شارك في إقامتها جميع الشعوب التي دخلت في الإسلام أو ظلت على دينها ولكن دخلت في حكم المسلمين .

وليس في الأمر مبالغة إذا ما قلنا بأنه لن يكون بمقدور المسلمين استعادة تألقهم العلمي والحضاري و وتحقيق التنمية الإنسانية بمفهومها الشامل : الاقتصادي والثقافي والسياسي والقانوني، في بلادهم ، والدفاع عن قضاياهم ، وجمع شتاتهم ، ما لم يهتموا بإبداع آداب وفنون تعينهم على ذلك. مع حسن الإفادة من التقنيات والوسائل الحديثة للاتصال الجماهيري. وخاصة المسرح والسينما والتلفزيون. ويكفي أن نذكر هنا على سبيل المثال فقط الدور المشهود به لموسيقي وأناشيد وأوبرات الموسيقار الإيطالي الشهير: فردي ، في توحيد ايطاليا ، بعد أن كانت إمارات متناثرة ، تحت حكم غاريبالدي، لندرك أهمية الفنون.وأن عصر النهضة في أوروبا يؤرخ بظهور الفنان الايطالي أيضا ميكائيل أنجلو. بل وكيف تستعمل الحركة الصهيونية وسائل الأعلام والآداب والفنون في التأثير على الشعوب وتجنيدها لصالحها والمكاسب السياسية التي حققتها نتيجة ذلك، لكي ندرك خطورة الآداب والفنون كسلاح تلهينا عنه، وغفلنا عن أهميته وجدواه، ولم نحسن استثماره في خدمة قضايانا العدالة سواء في داخل بلادنا أو في العالم. أن تكون الفنون العصرية قد اتجهت بوصلتها نحو الابتذال والتفاهة فإن ذلك ليس مبررا لهجرها ،وإنما يجب أن يكون دافعا لإصلاح أمرها .  وليس بالتباكي على ما وصلت إليه، وإنما بإقامة فنون أصلح منها، وقادرة على اجتذاب الجمهور. والذي يضطر إلى استهلاك السلعة الرديئة المعروضة عليه لأنها الوحيدة المتاحة له و لا يجد أجود منها. وعوض لومه،علينا أن نقدم له ما يحقق الإشباع على مستوى المتعة البصرية والسمعية والنفسية وعلى مستوى المعرفة أيضا.

فوزي منصور

e_mail:fawzym2@gmail.com 

 

 

 

 

 

 



أضف تعليقا