نوارس

فكرية، سياسية و دينيةواجتماعية

الحكم على مدير يومية المساء المغربية.. ماله وما عليه

الحكم على مدير يومية المساء المغربية.. ماله وما عليه

 

أصدرت محكمة الرباط الابتدائية يوم 25مارس 2008 حكما ضد الصحافي  رشيد نيني مدير جريدة المساء،أكثر الصحف العربية  المستقلة توزيعا في المغرب، يلزمه بدفع مبلغ ستة ملايين درهم لصالح أربعة من وكلاء النيابة العامة بمدينة القصر الكبير ، شمال المغرب ، تعويضا عما نشرته الجريدة من حضور واحد منهم ، لم تذكره بالاسم ، حفلا للشواذ جنسيا . وبالإضافة إلى مائة وعشرين مليون درهم لفائدة الخزينة العامة. أي ما يقارب مليون دولار أمريكي. بينما يعني دفع الجريدة لأقل من عشر المبلغ المحكوم عليها به لتوقفها نهائيا عن الصدور.  ورغم صدور اعتذار من الجريدة لمن قد يهمه الأمر، يفسر ما حدث بأنه خطأ مهني  غير مقصود بسبب تشابه أسماء.

 

 

 

 

 

 

محاكمة مدير يومية  المساء من حيث الشكل لها ما يبررها قانونا ، سواء من حيث نقلها من القصر الكبير إلى الرباط ،التي يقيم فيها مدير الجريدة لمرفوعة ضده الدعوي، وحرج القضاة المحتمل في القصر الكبير من نظرها. أو تقديم الدعوي من أربعة وكلاء دولةمجتمعين طالما وجه ما اعتبر قذفا لواحد منهم لم يحدد اسمه ، ولو حدد اسمه لما كان لسواه الحق في رفع الدعوي ، أو في نظر الدعوى رغم اعتذار الجريدة ، على اعتبار أن الضرر المعنوي الذي يقولون بأنه لحق بهم، تحقق خلال الفترة السابقة للاعتذار....إلى آخر تلك الدفوعات الشكلية.

 

أما من حيث الموضوع  ، فإن ما يمكن مناقشته هو مدى  ملاءمة الحكم الصادر للضرر المشكو منه.وهو ما يعد مناقشة وجهة نظر أبان عنها الحكم الصادر من حيث تقديره لقيمة التعويض ، والتي تختلف من شخص لآخر،  وليس تدخلا في  شأن القضاء. وذلك على النحو التالي :

1.  سنفترض أن يومية المساء كانت قد نشرت أن من بين من حضروا حقل الشواذ رجل تعليم دون أن تذكره بالإسم ، فوفقا لما تم في مجريات تلك الدعوى وما انتهت اليه ،قإن من حق 1000 مدرس في القصر الكبير أن يرفعوا دعوى ضد مدير الجريدة . وإذا حكمت المحكمة لكل منهم بمليون ونصف درهم لكان مجموع ما حكمت به للمتضررين مليار وخمسمائة مليون درهم. علما بأن الضرر المعنوي الذي يلحق أستاذا في مدرسة بها ما يربو على 1000 تلميذ أكبر من الضرر الذي لحق بممثل نيابة عامة لا يعرفه سوى عدد قليل من الناس.

2.  إذا أخذنا في الاعتبار ما صرح به محامون من أنه جرت العادة في مثل هذه الأحوال بأن يحكم في قضايا القذف التي قد يرفعها مهندسون أو أدباء أو فنانون أو موظفون بمبلغ في حدود 5000درهم وبحد أقصي 30000 درهم . وهو ما يعني أن الحكم هنا الذي بلغ فيه التعويض مليون وخمسمائة ألف درهم لا يمكن تفسيره إلا أنه تم تمييز المشتكين عن باقي المواطنين والخروج بشأنهم عن المألوف دون مسوغ يرى الجمهور بأنه يستوجب تمييزهم عن باقي المواطنين.

3.  أي حكم في مثل هذه القضايا يفترض فيه كما يأخذ في اعتباره صفة المتضرر أن يأخذ في اعتباره أيضا قدرة المتضرر منه المالية بحيث لا يكون الحكم مرهقا أو قاضيا عليه عملا بمبدأ : "لا يكلف الله نفسا إلا وسعها" وعدم أخذ هذا المبدأ  في الاعتبار سيخرج الحكم من دائرة العدل إلى دائرة الظلم في نظر الجمهور. وبالتالي يسيء الى نقتهم في القضاء واحترامهم الواجب له.

4.  الاعتذار يعني إيقاف الضرر الحاصل وعدم استمراره مما يجب أخذه في الاعتبار والحد من الغلواء في الحكم . فإذا كان المعتاذ في مثل هذه القضايا الحكم بعشرة ألاف درهم مثلا ، يتم بعد الاعتذار الذي يعد قد جب الضرر منذ صدوره ، خفض قيمة التعويض المعتاد إلى أدني من ذلك.

5.  وجهت وسائل إعلام  عالمية تهم الشذوذ إلي كل من وزيرة خارجية الولايات المتحدة وإلي وزيرة خارجية إسرائيل وغضت كل منهما الطرف عنها ولم تطلب تعويضا لأنها وازنت بين ضررين فقبلت بأدناهما وسكتت. وعندما ينشر في العالم بأن حكما صدر ضد مدير نشر يومية مستقلة تسبب في إغلاقها فإن مثل هذا الحكم سيكون محل استهجان المجتمع الدولي أكثر من المحلي ، ويسيء الي المغرب وسمعته إساءة بالغة . وكان الأحرى أخذ ذلك في الاعتبار. خاصة أن ما حوسبت عليه الجريدة هو حضور شخص لحفل شواذ لم تذكر اسمه وإن ذكرت مهنته ولم تقل أنه منهم . وألحقت ما نشرته باعتذار بأنه تم نتيجة خطأ مهني غير مقصود.

6.  إن إصدار هذا الحكم على صحيفة عرفت بمواقفها في فضح الفساد ، بما فيه الفساد في سلك القضاء ذاته ، سوف يظهر الحكم  بأن له دوافع انتقامية أو تصفية حسابات وليس تحقيقا للعدالة . وكان يجب مراعاة ذلك أيضا درءا للشبهات وحفاظا على ما تبقي من سمعة القضاء في المغرب واعتبار أن إعادة الثقة فيه أهم من ترضية وكلاء الدولة أو إغنائهم على حساب إعدام جريدة وفق مبدأ درء الضرر أولي من جلب المنفعة.

7.   الاعتذار المبني على تورط الجريدة في خطأ مهني ، وإن رآه القاضي خطأ جسيما ، من وجهة نظره ، فهو خطأ لم تترتب عليه خسائر فادحة في الممتلكات أو الأرواح . وكان يجب النظر اليه على أساس أنه لا يوجد إنسان معصوم من الخطأ ، بما في ذلك القاضي نفسه. وبالتالي لا يجب مقابلة خطأ مهني من الصحافي بما قد يحتسب خطأ مهني أفدح من القاضي إذا ما أخذ في الاعتبار ما قد ينتج عنه من إغلاق صحيفة يومية بالمغرب هي الأوسع انتشارا،وتشريد العاملين فيها.

لهذا كله نأمل أن يراعي قاضي الاستئناف ما قد يكون قد فات قاضي الدرجة الأولي ، طالما أن تعدد مراحل التقاضي يستهدف أساسا تصويب الأحكام. واستمرار الجريدة في أداء مهمتها يهم الجميع ، ولكن أيضا المحافظة على سمعة المغرب وسمعة العدالة فيه تهمهم أيضا سواء داخل المغرب أو خارجه. وهو ما يتطلب أعاد النظر في الحكم الصادر ضدها.

فوزي منصورأنأن

كاتب وصحافي مصري مقيم بالمغرب

e-mail: fawzym2.gmail.com

أ




أضف تعليقا