هل يمكن تحقيق أهداف سياسية بوســــائل أمنيــــة ؟
منذ منتصف القرن العشرين ، اكتسبت مقولة المنظر العسكري الألماني "كلاوفيتزر" : "الحرب هي تحقيق أهداف سياسية بوسائل عسكرية " شهرة واسعة.
وابتداء من أحداث 11 سبتمبر في نيويورك ، أضيفت عمليا الوسائل الأمنية إلى الوسائل العسكرية لتحقيق أهداف سياسية في العديد من الدول ، خاصة المتخلفة منها ،بعد انخراطها الطوعي فيما سمي بالحرب العالمية ضد الإرهاب. هذه الحرب التي كان الهدف المعلن لها هو القضاء على الإرهاب بينما سعت كل الدول التي انخرطت فيها لتحقيق مكاسب سياسية محلية أو خارجية من وراء انضمامها لها. وزادت تلك الظاهرة حدة بعد أن باتت صناعة القرارات السياسية الحيوية لتلك البلدان في يد أجهزتها الأمنية،كلية أو جزئيا ، وسواء كانت ممارستها الفعلية للسياسة تتم جهارا أم من خلف ستار. ولكن تلك الأجهزة باستخدامها الوسائل الأمنية لم تحقق في الواقع أية أهداف سياسية ذات قيمة مادية يعتد بها . فالذين تبنوا الوسائل الأمنية في الدول المتقدمة، ولهم ثقافة مستمدة من وجودهم داخل مراكز أبحاث سياسية ،أوخلايا تفكير، وغير ذلك من مصادر المعرفة السياسية ، غلب على عقولهم إما التعصب للصهيونية وسطوة مؤسساتها ، أو غلب عليها غرور القوة والإحساس بسوبرمان نيتشه ، مما أضل عقولهم وأفسدها. أما الأمنيون في العالم الثالث ، فقد اقتفوا أثرهم بسبب الانبهار بكل من يأتي من العالم المتقدم لبلادهم. وهي الظاهرة التي أطلق عليها المفكر الجزائري مالك بن نبي : " القابلية للاستعمار" قبل خمسين عاما . خاصة ، وأنهم لا يملكون أية ثقافة أخرى غير ما تعلموه في معاهدهم الأمنية. وفاقد الشيء لا يعطيه ، وكل إناء بما فيه ينضح . كما تقول أمثالنا.
ولم تحقق" الحرب العالمية على الإرهاب " هدفها الأمني المعلن ، أي القضاء على الإرهاب. وإنما شهد العلم في ظلها تكاثر العمليات الإرهابية الكبيرة بمعدلات غير مسبوقة في تاريخ العالم قبل 11 سبتمبر2001. ولم تحقق الوسائل الأمنية المتبعة أية نتائج سياسية دائمة وإنما نتائج مؤقتة هشة مثل سحابات الصيف سرعان ما انقشعت ولم تترك خلفها أثرا لها.
التشكيك في العمل الإرهابي الأم:
العمل الإرهابي الأم أو الأكبر الذي حدث في نيويورك ، تعاقبت موجات التشكيك
في حقيقته سنة بعد أخرى . وبعد ما نشره صحافي فرنسي حول تفجير إدارة البحرية
الأمريكية في مبنى البنتاجون دون ارتطام طائرة به لأن الطائرة التي كان من المقرر
أن تصطدم به لحظة انفجاره لم تصل اليه وتغير اتجاهها فسقطت في غابة قريبة وتحطمت .
وبالتالي نتج الانفجار عن متفجرات كانت مغروسة في المبني من قبل. نشرت وسائل
الإعلام العام الماضي أن أربعون مهندسا
مدنيا وقعوا على رسالة إلي الرئيس
الأمريكي يؤكدون له فيها أن من المستحيل أن ينهار البرجين لمجرد أن ترتطم طائرة
بكل برج منهما ما لم يكن ثمة كمية كبيرة من المتفجرات تشكل عبوة نافسة موقوته، خطط
لها أن تنفجر لحظة ارتطام الطائرة بالبرج. و أخيرا وقبل مدة قليلة صرح فرانشسكو كوسيجا رئيس الجمهورية
الايطالية الأسبق, لصحيفة كورييري ديلا سيرا.
أن عمليات سبتمبر2001 ليست من صنع أسامة بن لادن برغم اعترافه بها, وإنما هي
من تدبير وكالة المخابرات المركزية والمخابرات الإسرائيلية( الموساد) بمساعدة
المنظمات الصهيونية. وأن الهدف منها كان وضع الدول العربية موضع الاتهام وإقناع
القوي الغربية بالمشاركة في حربي العراق وأفغانستان, وأضاف كوسيجا أن تلك
المعلومات معروفة لأجهزة المخابرات الغربية وتتبع مصداقية كوسيجا من كونه رجلا
يحظي بتقدير كبير واحترام في ايطاليا كرئيس سابق لايطاليا ولأنه هو الذي كشف
فضيحة" كلاديو "، التي ثبت منها بأن أجهزة المخابرات الغربية بالتنسيق
مع المخابرات الأمريكية وتحت إشراف حلف الناتو كانت تقوم بالتفجيرات الإرهابية
خلال الستينيات والسبعينيات والثمانينيات الماضية لكي تلصقها بالمجموعات المعارضة
ويضاف إلى ذلك تفاصيل تقنية أثيرت إبان وقوع الأحداث تجعل من المستحيل
.وقوعها ما لم يكن فد تم
إعادة برمجة أنظمة الطيران الآلي
بالطائرات وتحديد اتجاهاتها بعد إقلاعها من المطارات بدقة متناهية وهي عملية تحتاج
إلى عدة ساعات من خبير متخصص وماهر وهو ما
لا طاقة للمتهمين العرب به وهو ما سبق أن توصل إليه المؤلف الأمريكي "وبستر
تاربلي"في كتابه والذي صدر منذ سنتين بأن أن عمليات سبتمبر هي نتاج عقلية
متفوقة تحتكم علي إمكانيات هائلة وأنها لم يكن من الممكن أن تنفذ إلا بمشاركة
الدوائر المحلية خاصة الرادار وأمن الطيران.
العمليات الإرهابية الأخرى في عدد من مدن وعواصم الدول تركت بدورها أسئلة كثيرة معلقة بدون إجابات ، مما جعلها هي الأخرى موضع شك خاصة مع وضوح الاستغلال السياسي لها.
وتكون حادثة 11 سبتمبر ، لو صحت الشكوك حولها ، قد تم التضحية فيها بأربعة آلاف نسمة /أزهقت أرواحهم فيها دون أدني ذنب جنته أيديهم.ولم تكن هي الحادثة الأولي التي استغلتها أمريكا لتحقيق أهداف سياسية في تاريخها. ففي يوم 15 فبراير 1898 تم تفجير مدمرة أمريكية أثناء رسوها في ميناء هافانا. واستغلت أمريكا الحادث وقامت بغزو كوبا.ولم تربح من الغزو سوي تأجير قاعدة جوانتانامو لها من قبل أحد الكوبيين، بعد أن واجه الكوبيون الغزو بمقاومة شديدة أجهضته . وجاء أيضا في مذكرات روبرت ماكنمارا وزير الدفاع الأمريكي السابق بأن البنتاغون وضع عدة سيناريوهات لكي يتذرع بها لمهاجمة كوبا والقضاء على نظام فيدل كاسترو فيها. مثل : قتل سياح أمريكيين أو تفجير زورق أمريكي أو اتهام كوبا بمحاولة اغتيال رئيس أمريكي. ولكنها لم تنفذ.
الإرهاب الرسمي في داغستان والجزائر والعراق:
إذا ما أغضينا الطرف عن إرهاب الدولة الإسرائيلية التي تمارسه يوميا ضد الشعب الفلسطيني وتبرره الدول المساندة لها بأنه دفاع عن النفس.سنجد إرهابا في داغستان التابعة لروسيا الاتحادية يقول عنه أسامة عبد الحكيم : " يرى العديد من الخبراء الداغستانيين أن الكثير من حوادث التفجيرات التي تنسب إلى المقاتلين الإسلاميين ، يقوم بها أفراد تابعون لمسؤولين كبار في الدولة لتسوية حسابات شخصية ، ويبرر هؤلاء الخبراء وجهة نظرهم بالقول أن أحدا من هؤلاء لا يتم القبض عليه لأنه محمي من تلك الجهات العليا أو بعضها ، كما يرى هؤلاء الخبراء بأن الحكومة تعمد أحيانا للقيام بتلك التفجيرات لتبرير سياسة القمع التي تتبعها ..." (المجتمع عدد1663). ونفس الشيء كان يحدث بالنسبة لمئات المذابح البشعة والجماعية خلال العشرية الدامية بالجزائر، والتي كانت السلطات تكتفي بالقول بأنها من صنع جماعات مسلحة دون أن يتم ألقاء القبض على أحد. وشاع وقتها سؤال : من يقتل من ؟. وفي مطالبة الأمين العام للآمم المتحدة بتشكيل لجنة أممية من خبراء أمنيين للتحقيق في تفجيرات الجزائر الأخيرة دليل على شك المنظمة الأممية في صحة ما أعلنته السلطات الجزائرية بشأنها.
دمار دون تحقيق الأهداف السياسية :
ومع حقيقة أن الحرب المزعومة على الإرهاب قد تسببت في إزهاق أرواح قرابة المليون عراقي وأن المعارضة العراقية قد أشارت بأصابع الاتهام للمخابرات الإسرائيلية والأمريكية بأنها خلف العديد من المذابح الناتجة عن السيارات المفخخة ، وتسببت أيضا في مئات الآلاف من المعطوبين وتشريد ما لا يقل عن ثلاثة ملايين عرافي فروا من ديارهم بحثا عن الأمان في دول الجوار أو في شمال العراق ، وتسببت أيضا في تدمير البنيات الأساسية والمزارع والمصانع والمدارس والمستشفيات والمساجد...الخ ، فإنها رغم كل هذا الدمار والفساد وسفك الدماء لم تحقق بعد وبعد أكثر من أربعة سنوات أية مكاسب سياسية كانت مستهدفة من قبل الولايات المتحدة وإسرائيل قابلة للاستمرار.
ولم يحقق إرهاب الولايات المتحدة للشعب الفيتنامي في الحرب المدمرة التي شنتها عليه لعدة سنوات أي مكاسب سياسية لها واضطرت أن تتفاوض في باريس مع ممثلي الحكومة الشيوعية التي كانت تسعي لإسقاطها بالحرب وأن تهرب من فيتنام بليل. ونفس الشيء ينطبق على العصابات المسلحة التي أقامتها في دول أمريكا الوسطي ومارست الإرهاب والقتل والتدمير ضد الشعب وحكوماته المنتخبة، والتي تحدث عنها بالتفصيل نعوم تشومسكي ولم تحقق منها مكاسب سياسية مؤقتة سرعان ما تلاشت مع الزمن.
دروس فيتنام وأمريكا الوسطي والعراق كانت كافية للدلالة على أن التوصل لأهداف سياسية عن طريق الإرهاب والوسائل الأمنية لا يفضي لغير الدمار والفساد في الأرض وسفك دماء الأبرياء وتظل هذه الوسائل الأمنية عاجزة عن تحقيق أي مكاسب سياسية ذات أهمية . وهو مايكفي للتأكد من أن حل المشاكل السياسية أو تحقيق الأهداف السياسية لا يمكن له أن يتم بغير وسائل سياسية تنتمي إلى علم السياسة وليس علوم الحرب والإجرام.
الحلول السياسية المرة :
حل مشكلة سياسية بوسائل سياسية طبيعية قد تتطلب من السياسي أن يتناول جرعات من دواء مر وذلك بتقديم تنازلات مؤلمة للخصم ولكنه يكفل التوصل إلى حل سياسي حاسم ودائم وفي أقصر وقت ممكن ويعود بالنفع على الطرفين المتنازعين على المدى المتوسط والطويل. أما الاستعاضة عنه بحلول أمنية بهلوانية بعد وضع الأمر في يد الأمنيين فلن ينتج عن ذلك سوى منع الحل وزيادة تعقيده فضلا عن الخسائر المادية والمعنوية الفادحة التي تصيب الطرفين بسبب تمديد أمد النزاع أو أحدهما دون الأخر.والاستعاضة عن الحل السياسي بحلول أمنية يتم فيها استرضاء دولة ما وخدمة مصالحها لحثها على حسم النزاع لصالح من قدم لها الخدمات ، فسيكون من مصلحة الدولة الأجنبية أن تعمل سرا أو علنا على إبقاء النزاع على حالة لكي تبتز بموجبه الطرفين المتنازعين وتحقيق أكبر قدر من المكاسب لها على حسابهما معا. واللجوء إلى هذا الأسلوب البدائي لحل المشاكل السياسية ،عوض مواجهتها، يعد بمثابة هروب إلى الأمام لا يجد نفعا. وسيجد هذا الذي اعتمد تلك الوسائل وظنها سياسة ناجعة تدل على مهارته ، نفسه في نهاية الأمر مجبر على مواجهة الحل الذي حاول التهرب من استحقاقاته . وسيجد أن المر الذي لم يستسغ طعمة في بداية الأمر مضطر أن يتجرع أمر منه في النهاية. فالسياسة ليست ولا يمكنها أن تكون مثل الألعاب البهلوانية في السيرك ، لأنها غير مرتبطة بالمهارات الفردية فقط. وإنما تحكمها عوامل متعددة : جغرافية وتاريخية واقتصادية وإقليمية ودولية..الخ
وإذا كانت الولايات المتحدة لم تتعظ بما وقع لها في فيتنام وأمريكا اللاتينية،وأخيرا في العراق، فإن هذا لا يعني أن نحذو حذوها ، أو نمشي في ركابها . وإذا كان المؤمن لا يلدغ من جحر واحد مرتين ، فإن المؤمن ، الذي يجب أن يكون أيضا كيسا فطنا، لا يجب أن يمد يده في جحر رأي غيره قد لدغ منه مرارا دون أن يربح شيئا مقابل ما خسر.
فوزي منصور









أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية