نوارس

فكرية، سياسية و دينيةواجتماعية

كثرة الحب أفقدت "ياسر الشراط " عقله

كثرة الحب أفقدت "ياسر الشراط " عقله ؟

 

ثمة أناس لا يكفون عن مطالبتنا بأن نحب قاتلينا ولاعنينا ومحتلي أراضينا ومخربي ديارنا ومرملي نسائنا وميتمي أطفالنا والتسامح معهم ، ويعتبرون من يجهر بكراهية أعداء وطنه ودينه وقوميته متطرف و إرهابي ، وتهمة تكوين عصابة إجرامية جاهزة له، حتى لو كان كل عصابته هي خرقة عصب بها رأسه  حتى لا ينفجر من الغيظ والغضب المكتوم. ومع ذلك لم يبد لنا من رسل المحبة  والتسامح هؤلاء أدني استعداد لكي يحبوننا أو يتسامحون معنا. ولا يبدو أيضا أنهم لا يريدون أن يحب أحدنا الآخر ولا يبغضه باعتبار ذلك الأكثر نفعا من حب من يكرهنا . لسبب وحيد هو أنه لو أحب كل منا الأخر ، وسادت في مجتمعنا المحبة ، وجمع الحب بين قلوبنا المشتتة ، لن يكون للأنباء الكذابين هؤلاء ، الذي حذر منهم المسيح عيسى عليه السلام، مكان بيننا .ولن يجدوا مجتمعا أخر يقبلهم ويمارسون فيه ساديتهم  وفسادهم . لذا هم يدعوننا الى حب أسيادهم  ، وهم يكرهون الحب من أعماقهم.

قبيل احتفال شعوب العالم ، أو بعضها، باليوم العالمي للحب ، الذي خصص له 14 فبراير، نشرت صحفنا مأساة الشاب ياسر الشراط في سجنه وفقدانه صحته وقواه العقلية.

وفي يوم الاحتفال العالمي بالحب نظمت جمعيات حقوقية وقفة تحتج فيهاعلى الاختطافات التي عادت ، وما يرافقها عادة من تعذيب المختطفين ، وإقرارهم عادة تحت وطأة التعذيب بمعرفة ما لا يعرفونه،أو سبق أن خطر لهم على بال،ولو في أحلام اليقظة.

هذه مجرد أمثلة ونماذج من كثير امتلأت بها الصحف في السنوات والشهور والأسابيع الأخيرة تشهد بحالة الحب لدينا .وهي الحالة التي لا ترد في التقارير الدولية التي تتحدث عن شيوع الفقر والرشوة والفساد والأمية . وهبوط البلد عاما بعد عام إلى رتبة متدنية في التنمية الإنسانية والتنمية الاقتصادية والتعليم والصحة والعدالة وتوقير فرص العمل للعاطلين...الخ

 

"ياسر الشراط" شاب يبلغ من العمر 26 عاما ، قدر له أن يسكن زنزانة في السجن الفلاحي أوطيطة (1) بنواحي سيدي قاسم ، بعد أن حكم عليه بثلاثة سنوات سجنا على إثر إدانته في قضية ضرب وجرح.

هدا السجين الشاب تدهورت حالته الصحية في السجن ، وفقد مع قواه البدنية قواه العقلية أيضا . وحسب أقوال أسرته ، امتنعت إدارة السجن عن تأمين علاج له ، وأنه مشرف على الموت .وتقول شقيقته للصحيفة التي نشرت الخبر أنه جيء به في آخر زيارة لأسرته له محمولا على ظهر زميل له في السجن حيث لم يعد يقوى على الوقوف والمشي وجسمه شبه عار، وأنه  غير معروف مصير الملابس الغالية التي كانت أسرته حريصة على تزويده بها.و أغمى على والدته بعد بعد زيارتها له في السجن  بعد أن شاهدت حال أصغر أولادها ومازالت طريحة الفراش من يومها ، وأن ما بلغ والده المسن عن ولده كان السبب في التعجيل بوفاته ، ولو أن لكل أجل كتاب، وتضيف أسرته بأن ما آلت إليه حالة ابنهم ياسر الصحية تجعله أحق بالحصول على عفو ملكي لكي تتمكن أسرته على الأقل من علاجه وتدارك حالته وإنقاذه.

نحن إذن في مواجهة حالة سجين تحولت إلى مأساة إنسانية ووقفت منها أدارة السجن موقفا سلبيا ، شاذا و مشينا لأسباب لا نعرفها.

العقل آية من آيات الله سبحانه وتعالي الكبرى ،ونعمة أنعم الله بها على الإنسان هي أيضا الأعظم من بين النعم . ولو لم يهب الله آدم عقلا قبل أن يعلمه الأسماء كلها ما استطاع أن يستوعبها ويحفظها وينبئ الملائكة بها . وعندما أمر الله الملائكة أن تسجد لآدم فسجدت، إنما سجدت لآية الله وليس لمخلوق له ، وهو ما لم يفهمه إبليس بعد أن غلب عليه غروره وكبره فأعماه ، وغلب على ظنه إن الله يأمره بالسجود لمخلوق يرى نفسه أفضل منه فأبى وعصي أمر ربه ، فكان من المنبوذين والمنذرين إلى يوم تقوم الساعة.

والمحافظة على العقل ، واحدة من المقاصد الكلية الخمس للشريعة بإجماع فقهاء الأصول ، والتفريط في المحافظة عليه ، سواء من صاحب العقل ، أو المتولين أمره ، يعد بذلك عمل ضد مقاصد الشريعة.

والمحكمة التي حكمت على ياسر الشراط  بثلاثة سنين سجنا ، لم تحكم عليه بأن يفقد فيها صحته وعقله. أي أن فقدانه لصحته وعقله يعد بمثابة عقوبة إضافية أشد قسوة ونكرا مما حكمت به المحكمة . وهذه العقوبة التي لم يتضمنه حكم الفضاء هي أقرب ما تكون إلى الحكم بإعدامه ، قررته ونفذته إدارة السجن عمدا أو إهمالا.

لذا -  فإن إهمال إدارة سجن" أوطيطة واحد" لحالة ياسر الشراط  تعد مخلفة للشرع والقانون، وانتهاك لمواثيق حقوق الإنسان الإسلامية والدولية ، وكان يجب عليه أن تبادر لعلاجه بمجرد ظهور علامات تدهور صحته البدنية والنفسية والعقلية ، باعتبارها الجهة الوحيدة المسؤولة عن السجن والنزلاء.

ولا يمكن التعامل مع هذه الحالة على أنها مجرد حالة فرديه ، فمن قتل إنسانا بغير حق ، في الشريعة الإسلامية التي ندين بها جميعا – كمن قتل الناس جميعا. وقد خبرنا أن التهاون في حق الحالات الفردية ، يجعلها ، بمرور الوقت وتكرار انتهاكاتها ، إلى حالات جماعية ، عصية على العلاج بعد استفحال الداء ،حتى وإن حدثت لكل فرد على حدة في جماعة المتضررين منها.

.

حسب علم النفس ، هناك أسباب كثيرة لفقدان الإنسان عقله . ولكن بالنسبة لظروف السجن  ، فإن الأكثر احتمالا كسبب لفقدان العقل ، هو إحساس السجين بالظلم . كأن يرى أن في الحكم الصادر ضده شططا في استعمال السلطة ، ولا يتناسب مع الجرم الذي ارتكبه أو تورط في ارتكابه ، أو لم يراع الظروف التي أحاطت بالفعل المجرم التي كان من شأنها أن تخففه . كأنك يكون الضرب والجرح الذي توبع به ياسر نتيجة استفزاز شديد من المجني عليه ، وتنطبق عليه مقولة : " اتق شر الحليم إذا غضب".  وقد يكون حكم المحكمة عليه عادلا ومطابقا للقانون ومتناسبا مع الجرم ، ولكن ياسر لم يره كذلك ، وقد يكون مع السجين الحق في أن رأى الحكم ظالما أو قاسيا، ولا يمكن استبعاد أي من هذين الاحتمالين  طالما أن الواقع يشهد،وتدعم شهادته خبرتي الذاتية ، بأن في الأحكام القضائية ما هو عادل نزيه، وما هو ظالم تحيط به الشبهات من كل جانب. وأيضا من المحتمل أن يكون تصرف إدارة السجن إهمالا جسيما ولكن غير متعمد أو مقصود به السجين لذاته ، وأيضا من المحتمل أن يكون عكس ذلك.

لذا نأمل من الجهات المسؤولة عن القضاء والسجون أن تهتم  :أولا بإنقاذ هذا السجين بتأمين رعاية طبية عاجلة  له وثانيا بالبحث والتقصي حول حالته ،من بداية متابعته قضائيا حتى الآن ،  مع استحضار كل الاحتمالات، حتى وإن بدا لها بعضها غير معقول ، من وجهة نظرها، و إبلاغ الرأي العام بنتيجة البحث، بما في ذلك صفة المجني عليه الذي وقع عليه الاعتداء  من قبل ياسر الشراط ، حتى تزول شبهة أن تكون لصفته علاقة بقسوة الحكم الصادر على ياسر وبإهمال وضعه الصحي بالسجن.

قليل من الحب من فضلكم ، يا من خلت قلوبكم من المحبة، وصبرا أل ياسر ولوأنه ليس بإمكاني أن أقول لكم إن موعدكم  كذا... ولكن أقصى ما آمله لكم هو إن لا يتأخـر كثيرا موعدكم مع العدالة والإنصاف                            

                                                            فوزي منصور

 

 



أضف تعليقا