نوارس

فكرية، سياسية و دينيةواجتماعية

الأسرة والحياة الزوجية - مملكة الأسرة

 

 

الأسرة والحياة الزوجية

 

مملكــــــــــة الأســـــــــرة

 

 

الأسرة مملكة مستقلة لها دستورها ونظامها وقوانينها وحدودها وحرمتها ومواردها المالية وميزانيتها وعلاقاتها الداخلية بين حكومتها ورعيتها أو بين الرعايا أنفسهم وعلاقاتها الخارجية مع الممالك المجاورة أو المرتبطة بها بعلاقات الدم والرحم والمصاهرة أو مع المجتمع كله.

وهي المملكة الوحيدة التي تبدأ بالملك والملكة وحدهما بدون رعايا ويمكنها أن تستمر بدونهم . ويبدأ ظهور الرعايا فيها مع ولادة الملكة أو استئجار خدم لمعاونتها أو تربية ورعاية أيتام داخل الأسرة أو لجوء أبناء أو بنات أقارب للعيش في حمايتها . ولذا يختلف عدد الرعايا من أسرة إلى أخرى . إلا أن ما يمكن اعتباره من مزايا مملكة الأسرة المسلمة أن رعاياها متساوون في حقوقهم سواء كانوا من الأبناء أو من الأقارب أو من المتبنين أومن الخدم .فلهم نفس الحقوق في المأكل والمشرب والمأوى والتربية والرعاية والتعليم والصحة والكساء والترفيه والجميع يخضعون لنظام واحد ويعملون معا في خدمة مصالح الأسرة والمحافظة علي وحدتها ومصالحها وأمنها وسلامتهاواستقرارها وازدهارها  عملا بقوله سبحانه وتعالي :" ومن يعمل من الصالحات من ذكر وأنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون نقيرا"( النساء 124) وقوله : " إني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثي بعضكم من بعض" (آل عمران195).

 

ويمثل الزوج والزوجة السلطة العليا الحاكمة في المملكة كشخص واحد أو يتقاسمان وظائفها كل منهما يأخذ بقسط منها ، ويحل كل منهما محل الآخر في غيابه ، وقد يفوضان جزء من المسؤولية إلى الابنة الكبرى كتدريب مبكر لها على سلطة الحكم ، فإن تزوجت فوضت من تليها وقد يفوض أحد الأبناء أو أحد الخدم أيضا . ويظل الحكم بما أنزل الله هو النظام السائد في الأسرة وفق دستورها وميثاقها الذي تقرر منذ ارتبط ملكة وملكة الأسرة بعقد زواج علي كتاب الله وسنة رسوله.فقد التزما بأن يكون كتاب الله وسنة رسوله هما المرجعية الوحيدة لهما والتي بها أحل كل منهما للآخر.هذا بالإضافة إلى ما يشرعه الملك والملكة معا مما لا يخرج عن كتاب الله وسنة رسوله ولا يتعدي حدود الله ويريان فيه مصلحة الأسرة وأعضائها . مع اعتماد مبدأ الشورى في كل ما يمس مصالح الرعية أو يضيف أعباء جديدة عليهم. وتتولي الحكومة تدبير الموارد والعمل على زيادتها ومراقبة الإنفاق حسب الميزانية وضبط النظام وتحقيق العدالة وتحديد العلاقات الداخلية والخارجية وتأمين التعليم والمعرفة والوقاية من الأمراض والعلاج منها ، وجميع متطلبات الرعية التي تتعاون مع الحكومة بدورها كل حسب إمكانياته وقدراته وظروفه لبلوغ الأهداف المقررة أو تنفيذ السياسات الموضوعة. وفي إطار من التكافل والاعتماد علي الذات الجماعية وحشد الإمكانيات وحسن استغلالها. ويندرج هذا كله في إطار الإحسان الذي أمر به الله ورسوله . وما ينطبق على أسرة واحدة ويصلح أمورها ينطبق أيضا علي دولة كبيرة ليست في حقيقة أمرها سوى عائلة ممتدة تنتمي إليها كل الآسر الصغيرة وتكونها.

 

 

 

 

 

لا يستطيع حاكما الأسرة تعديل دستورها متى شاءا أ و لتحقيق غاية أو إرضاء نزعة ذاتيه ولا يؤثر في ذلك موافقة الرعية بعد استفتائها ، إذ طالما الأسرة باقية مدي الحياة ، بل قد يموت الملك أو الملكة أو هما معا وتستمر الأسرة مع ما خلفا من أبناء وبنات ، فان دستورها يتمتع أيضا بالديمومة والثبات. ودستور الأسرة يستمد قداسته من أنه عبارة عما أوصي به الله ورسوله وأمرا ولأنه بهذه الصفة أيضا يعد ثابت القيم والأحكام.  وغير قابل للتعديل أو التحريف أو الإضافة أو الحذف ولا تتغير أحكامه بتغير ظروف الأسرة وأوضاعها فالزوجة التي كانت طائعة زوجها ومقدرة فضله ومزاياه لا تتبدل أن تحولت أحوال الأسرة من يسر إلى عسر . والزوج الذي صمدت معه زوجته في العسر لا يمكن أن يتنكر لها في اليسر. هذا الثبات في القيم والسلوكيات الملتزمة بها هو الذي يعبر عنه بوصف أسرة ما بأنها أصيلة خاصة إذا كانت خصالها قد توارثتها أيضا عبر الأجيال السابقة عليها من أباء وأجداد.إن فيما مثل الصدق والوفاء والأمانة والمحبة والإخاء والعدل والإحسان والبر بالوالدين وصلة الرحم والتراحم والخير والحق والجمال والكرم  والإيثار ...كل هذه القيم وما إليها لا يمكن أن تتغير لأنه في حالة تغييرها سيتم الانتقال مما هو أقوم إلى ما هو أسوء وأضل سبيلا.

 

دستور الأسرة:

دستور الأسرة هو كتاب الله وسنة رسوله التي عليهما تم عقد الزواج المنشئ لللأسرة وخاصة قوله تعالي :" قد أفلح المؤمنون ، الذين هم في صلاتهم خاشعون (والصلاة هنا تأخذ جميع معاني اللفظ من الصلوات المفروضة إلي الصلة أو العلاقة الزوجية وصلة الرحم وصلات الجيرة والقربى والمصاهرة...والخشوع فيها هو ممارستها بأدب ومحبة وتقوى وبدون استعلاء أو كبر أو ظلم أو صخب ...)  والذين هم عن اللغو معرضون ، والذين هم للزكاة فاعلون (والزكاة هنا أيضا زكاة النفس والثمرات والمال والماعون) والذين هم لفروجهم حافظون إلا علي أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين .فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون ( الذين عادوا الله ورسوله وتعدوا حدود الله)والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون . والذين هم علي صلواتهم يحافظون (والمحافظة هنا تنصرف أكثر علي العلاقات بينهم)أولئك هم الوارثون . الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون" (المؤمنون من 1-11)

ويمكن أن يندرج في دستور الأسرة أيضا ما أوصى به لقمان الحكيم ولده كما جاء في سورة لقمان في القرآن الكريم كالآتي :

"وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ  

 وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ. وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِير. وَإِن جَاهَدَاكَ عَلى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ . يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُن فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ . يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ. وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ  وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ إِنَّ أَنكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ . "(لقمان من12-19)

ويدخل في دستور الأسرة أيضا الوصايا العشر التي عاد بها النبي موسي إلى قومه بعد مناجاته لربه مكتوبة في ألواح من الطين ، وهي ألواح ظلت باقية حتى عهد الملك سليمان،وهو ما يجعل احتمال تعرضا للتحريف من قبل كتبة التوراة ضعيفا إلا ما يكون نتج عن الترجمة إلى لغات متعددة حيث جاءت أول مرة بالآرامية ثم ترجمت منها إلى العبرانية والسريانية ومنهما إلى اللاتينية ومنها إلى اللغات الأوربية ومنها إلى الترجمة العربية الموجودة الآن.وتقول الوصايا العشر والتي تعد ضمن ما أوصي الله به النبيين:.

(1 )"لا يكن لك آلهة أخري أمامي".(2) "لا تصنع لك تمثالا منحوتا، ولا صورة ما مما في السماء من فوق، وما في الأرض من تحت، وما في الماء من تحت الأرض.  لا تسجد لهن ولا تعبدهن، لأني أنا الرب إلهك اله غيور، أفتقد ذنوب الآباء في الأبناء في الجيل الثالث والرابع من مبغضي، وأصنع إحسانا إلى ألوف من  محبي وحافظي وصاياي 3)  " )لا تنطق باسم الرب الهك باطلا، لأن الرب لا  ببريء من نطق باسمه باطلا".  (4) اذكر يوم السبت لتقدسه.  ستة

أيام تعمل وتصنع جميع عملك، وأما اليوم السابع ففيه سبت للرب ألهك.  (5)  "أكرم أباك وأمك لكي تطول أيامك علي الأرض التي يعطيك الرب إلهك".  (6)  "لا تقتل".  (7)  "لا تزن".  (8)  "لا تسرق".  (9)  "لا تشهد علي قريبك شهادة زور.(10)  "لا تشته بيت قريبك.  لا تشته امرأة قريبك، ولا عبده، ولا أمته، ولا ثوره، ولا حماره، ولا شيئا مما لقريبك".

 

 

 

 عندما سئل المسيح عليه السلام عن أعظم وصية في الوصايا العشر, أجاب : " أحبب الرب إلهك من كل قلبك ومن كل نفسك ومن كل عقلك. هذه هي أول وأعظم وصية. والثانية مثلها, أحبب جارك كنفسك. كل الأنبياء تمسكوا بهاتين الوصيتين."

الأناجيل وهنك أيضا الوصايا العشر الواردة في سورة ألأنعام، والتي يقول فيها الله سبحانه وتعالي:

 * " قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا .

* وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا .

* وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ .

* وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ .

* وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ. (151)  

*  ولا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ .

* أَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا.

*  وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى.

* وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ .(152)

* وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ.

* وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (153).".

إذن يستمد نظام الأسرة احترامه من تقيده بقيم ثابتة ناتجة عن ثبات مصدرها الذي قامت الأسرة علي أساس منه وهو كتاب الله وسنة رسوله.وما يتطلبه ذلك من الالتزام بمقتضيات الإيمان والإحسان. وكذلك ومع ثبات دستورها فإن نظام الأسرة يتميز بتوافقه مع  احتياجات الأسرة المتغيرة ومع الفطرة وما زودت به الإنسان من غرائز طبيعية أو طبائع موروثة أو مكتسبة أو نزعات وميول ومشاعر منبثقة عن الغرائز والطبائع.كما أن نظامها يعبر عمليا عن وحدة الأسرة وتضامنها وتكافلها وتراحمها وتوائمها أيضا مع المحيط الاجتماعي والبيئي في دوائر توحيدية متتالية تجمعها وتدمجها في نسيج الأمة والدولة.

 

إن الإلحاح هنا علي الربط بين الأسرة والمجتمع وما هو اجتماعي بما هو سياسي  وما سيتم التعرض إليه في حينه من أن المعاشرة الشبقية بين الزوجين والتي تعتبر علاقة حميمة خاصة بهما وحدهما لها في الواقع أبعادا اجتماعية كما أنه كما يتم تنظيم الأسرة يمكن أيضا تنظيم الدولة والمؤسسات الاقتصادية علي نفس الأسس . هذا ما أسميه بفلسفة الأسرة التي نحتاج إلى إدراكها واستيعابها والعمل بها.

 

مكانة الملكة في الأسرة:

والزوجة أو ملكة الأسرة وإن تضامنت مع زوجها في مسؤولية الحكومة ، إلا أن لها وحدها سلطة شبة مطلقة – دون تسلط أو استبداد أو طغيان- على جميع رعاياها داخل مملكتها باستثناء زوجها لقوله صلي الله عليه وسلم : " كلكم راع ومسؤول عن رعيته ، فالزوج مسؤول عن رعيته والزوجة مسئولة عن رعيتها في بيت زوجها" . وإسناد البيت هنا للزوج يرجع إلى أنه هو الذي وفره وجهزه وأعده لها  أو لأنه لا رعية لها في غير البيت الذي يجمعها بزوجها . ففي بيت والدها أو بيوت أقاربها تكون فيها ضيفة بعد زواجها، وفي بيت والدها قبل زواجها كانت من ضمن الرعية ولم تكن راعية. وفي سياق أخر نجد القرآن الكريم ينسب البيت للزوجة مثل في قوله تعالي :" ولا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة". وعموما هناك دائما تقديم في الإسلام للرجل علي المرأة فيما يتعلق بالسلطة ، وهو ما يتفق مع الفطرة. وهذا التقديم ليس تمييزا ولا يتناقض مع مبدأ المساواة بين الرجال والنساء . ونلاحظ في الطبيعة أن الذكر سواء في الإنسان أو الحيوان مزود بغريزة السيطرة أكثر من الأنثى والأنثى في الإنسان مزودة بغريزة حب التملك أكثر من الرجل ، ومحصلة تأثير الغريزتين لديهما في اجتماعهما يجعل الأنثى تبدو أكثر خضوعا للذكر من الذكر للأنثى ، وهو خضوع لا يشوبه أدنى شبهة لقهر

وإنما تقدمه الأنثى طواعية وبرغبة منها لأنه سبيلها للتملك. ولا عجب أن تغني أم كلثوم : " ويعجبني خضوعي إليه". والتجاذب بين السيطرة  والتملك هو ما يجذب كل منهما للآخر إلى جانب الغريزة الشبقية لكي يتواصلان ويتحدان نفسيا وجسديا في الزواج. ولو أن الجاذبية اقتصرت علي الشبق وحده لتم إشباعها – مثل الحال في الحيوان- دون حاجة إلى الزواج والأسرة والي التوحد فيهما ومن خلالهما. يمكن لنا أن نفهم من هذا أيضا أن حاجة المرأة للزواج والي الحياة الأسرية أقوي من حاجة الرجل وأن حاجتها إلى إشباع غريزتها الشبقية(=الجنسية) في نطاق الشرعية وليس خارجا أكثر من الرجل . ويمكن أن يعزى ذلك إلى عامل إضافي هو تمتع المرأة بغريزة الأمومة كغريزة طبيعية بينما عاطفة الأبوة هي أشبه بغريزة مكتسبة وليست فطرية أو طبيعية . ولذا هي تبحث عن الزواج لأن فيه تتحقق لها فرص التمتع بالأمومة الآمنة والتي تزيد من خلالها مكانتها الاجتماعية أيضا وتشعر أيضا في الزواج بأنها امتلكت رجلا ومنزلا مستقلا وأطفالا لا ينازعها في امتلاكهم أحد..هذه النزعة موجودة لدي الرجل ربما بحكم العادات أو التقليد أو الثقافة ولكنها لدي المرأة أقوى لأنها وإن تأثرت مثله بالعادات والتقاليد والثقافة المجتمعية السائدة فإن ذلك كله يجد دعما إضافيا من غرائزها التي تريد إشباعها علي نحو ملح ومتعجل ويمثل التأجيل فيه معاناة نفسية مستمرة.

 

وجود غريزة الأمومة لدي المرأة فطرية ولدت بها دون أن يقابلها مثيل لها لدى الرجل سوى عاطفة الأبوة المكتسبة من تعاطفه مع أطفالهم ورحمته بهم وما قاساه من عنت أو متاعب في تربيتهم وحبه لهم المتبادل أو من معاشرته لأبيه ، وإذ الغرائز الفطرية مقدمة علي الطبائع المكتسبة فإن ذلك  يجعل من حق المرأة أن يكون لها أفضلية على الرجل في نطاق الأسرة. وهذا ما يجب فهمه من الآية الكريمة : " الرجال قوامون علي النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله..."( النساء34) إذ أن قام علي الشيء يعني تعهده ورعاه وحفظه وواظب علي خدمته.  وربط القوامة بما فضل الله بعضهم علي بعض يمكن فهم الفضل بمعني الزيادة أم بما زاد به بعضهم علي بعض ويزيد من دوافع القوامة ما أنفقه الرجل من أجل الزواج والأسرة والذي يريد أن يشعر أنه لم يذهب هدرا ولذا يواصل الإنفاق بدافع من ذلك أيضا .  القوامة هنا ليست ميزة للرجل وإنما هي إكرام للمرأة التي كلف الرجل بالقيام بتوفير كافة احتياجاتها حسب استطاعته بينما هي لم يكلفها الشرع بغير المضاجعة وفيها متعة لها ولديها نفس الرغبة والحرص علي إشباعها مثلما ما لدي الرجل وفيما عدا ذلك ترك لها التعاون علي البر والتقوى مع رجلها القائم عليها كما تشاء.ولكن من هي تلك الزوجة التي تستحق أن يكون لها هذه القوامة التي تجعل زوجها في خدمتها أكثر مما هي في خدمته؟ ..تصفها الآية الكريمة بأنها الصالحة القانتة الحافظة للغيب بما حفظ الله ، فإن فقدت أي شرط من هذه الشروط فقدت الحق في قوامة الرجل عليها التي هي ميزة لها وليست ميزة له . لقد فسرت القوامة بمعنى السلطة والسيطرة والتحكم وما يدخل في هذه المعاني وهو مالا تحتمله اللغة أو السياق وإنما ربما يستجيب لنزعة ذكورية لم تأت الآية الكريمة من أجلها . عندما يوصي النبي رجلا بأمه ثلاثا قبل أن يوصيه بأبيه فإن هذا يعني أن مرتبة الزوجة الأم داخل الأسرة تعلو مرتبة الزوج الأب بدرجتين وليس درجة واحدة كما للرجال بصفتهم تلك  علي النساء خارج نطاق الأسرة.

 

التأثير المتبادل للزوجين:

ما سبق الإشارة إليه من غرائز السيطرة والتملك والخضوع قد نجد  ما يدل عليها لدي الرجال والنساء معا بعد الزواج . فتظهر الرغبة في السيطرة والتسلط عند الزوجة علي زوجها وتبدوا مظاهر الخضوع التام من قبل الزوج لزوجته. هنا يحسن التفرقة بين الغرائز الفطرية وبين ما قد يتغلب عليها من طبائع موروثة أو مكتسبة وما قد تدفع إليه ظروف غير طبيعية أو شاذة الزوجين لتبادل الأدوار مضطرين أو تحت ضغط دوافع نفسية مرضية أو ناتجة عن نوع من الانحرافات النفسية.هناك أيضا اتحاد المرأة بالرجل اتحادا كاملا بالزواج والذي يأخذ صورته القصوى أو الأبرز في المعاشرة الشبقية. في هذا التوحد لا يستبعد أن تنتقل بعض الغرائز التي  هي تزيد عند الذكر علي ما هي عليه لدي الأنثى  إلى الزوجة أو تتأثر بها في أعماقها.  أو أن يتم التأثير المتبادل عن طريق العشرة الزوجية بفعل غريزة المحاكاة الموجودة لدي كليهما معا  أو كنتيجة لعمليات التكيف المستمرة من أجل التوصل إلى توافق مرض للطرفين تفرضه المعايشة والحرص علي استمرارها دون عوائق.وعمليات التكيف تتم غالبا علي حساب الغرائز الفطرية سواء بوسائل التسامي أو التحويل أو التعويض أو الكبت أو الإسقاط أو النكوص...  . ومنه ما يعد صحيا لاغني عنه ومنه ما يعد مرضيا ، إن لم يؤذ  صاحبه ألحق الأذى بالغير.

 

قد يكون من المفيد أن غريزة السيطرة عند الرجل ما لم يتم ضبطها تتطور إلى السادية أي التلذذ بإيلام الغير، فإذا كان لا يمارس السيطرة علي غير زوجته وأصابته السادية كانت هذه الزوجة هي ضحيته الوحيدة. نفس الشيء فأن غريزة التملك والتي تتخذ من إظهار الخضوع كأداة لتحقيقها قد تدفع إلى المبالغة في الخضوع ذلك إلى حد الإصابة بالماشوزستية أي التلذذ بالألم الذي يسببه لها الآخر ولنقل إنه هنا الزوج. بل إن لم يعاملها الزوج بعنف خاصة عندما يشاركها الفراش بحثت خارج نطاق الزوجية عن عاشق يعوضها عما تفتقده عند زوجها.

الرجل أيضا كما هو معرض للإصابة بالسادية يمكن في حالات شاذة أن يصاب بالماشوزيستية ونفس الشيء يمكن للمرأة في حالات شاذة أن تصاب أيضا بالسادية.

السادية الماشوزيستية يندرجان ضمن الشذوذ المرضي والشبقي وعندما يظهر لدي الرجل خضوعا مبالغا فيه وعند المرأة تسلطا مبالغا فيه ومخالفا أو متجاوزا ما فطرا عليه يعد ذلك حالات شاذة ليست في صالح الحياة الأسرية  واستقرارها وسلامتها وتحقيق الأمن والعدل بداخلها

بل قد يكون ذلك سببا في اضطراب العلاقات بداخلها.

ولكن هناك حالة ثالثة يصعب إدراجها ضمن ما سبق تتمثل في إثارة توترات شديدة عن عمد من أحد الزوجين قبيل المعاشرة الشبقية قد تكون عفوية أول مرة كاحتجاج أو ثورة علي غيابها أو انقطاعها ثم تتكرر دون سبب بعد ذلك. كان أول اكتشاف لي لهذه الحالة في شبابي عندما كانت تجاورني في العمارة التي أسكنها بالقاهرة أسرة صديقة مكونة من زوجين شابين يأتيان إلى بالليل للمسامرة أو أزورهما في شقتهما. ذات مساء سمعت أصواتهما يتشاجران ويتضاربان علي غير العادة فهرعت إليهما. الزوج  بادرني بالقول أنظر ماذا فعلت بي هذه المتوحشة وغادر الشقة وصفق الباب خلفه. في الواقع كان كلاهما طويل القامة وقوي البنية وتبادلا الأذى بقدر متساو علي ما يبدو. كانت الزوجة مازالت تلهث من الانفعال وانتظرت حتى هدأت. بادرتني بالقول بأن لا يجب أن أشعل بالي بهم. عندما أشرت إلى أن زوجها قد ترك البيت فوجئت بها تضحك وتقول لي سيعود قبل أن تكتمل عشر دقائق. قلت لها وكيف ستتصرفين معه ؟. أجابتني سأرتدي الثياب والألوان وأتجمل وأتعطر وأسبقه إلى الفراش.ظننتها تسخر منى ولكنها استطردت قائلة : وسيلحق ني وإن لم يتحرش ني تحرشت أنا به حتى يكون بيننا ما يكون بين الأزواج عادة. تملكني العجب والحياء معا،واستأذنتها وعدت إلى شقتي. ولم تكتمل الدقائق العشر حتى كان قد عاد ولم أسمع أي صوت صادر من شقتهما. وفي الليلة التالية جاءا عندي وهما سمن علي عسل.

تصورت أن هذه الحالة فريدة من نوعها ولكن أتيح لي فيما بعد معرفة أنها متكررة وأنها في البداية تحدث عندما  ينشغل الزوج عن زوجته مدة طويلة ينقطعان فيها عن ممارسة الشبق فتثور الزوجة عليه ثورة عنيفة تتهمه فيها بالخيانة الزوجية وأنه يقضى وطره مع امرأة أخرى وتطلب منه الطلاق وتسمعه إهانات تهيج أعصابه فيقوم إليها يضربها ليسكتها ولا يسمع الجيران إهاناتها له فإذا ما التصقت به باكية لتمنعه من ضربها تطور أمريهما بسرعة إلى المضاجعة. يقول أحد الأزواج الذي حكي لي ذلك أنهما حظيا بمتعة غير مسبوقة لم يخبراها من قبل وهما في حالة الغضب تلك مما شجع زوجته التي كانت طوال حياتهما الزوجة مثال المرأة الهادئة الطبع تفتعل أحيانا المشاجرات  لأسباب تافهة وصولا إلى تلك النتيجة ولا يدرك الزوج في بداية الأمر من فرط غضبه التي نجحت في إثارته أن ذلك كان مقصودا.

هذا المسلك الذي عرضته لا أظن أنه مأمون ومحاولة تجربته قد تكون مغامرة محفوفة بالمخاطر تقوض بيت الزوجية إذ لا أحد يستطيع مسبقا أن يحدد نوعية تصرف الغاضب خاصة إذا كان من النوع الهادئ وتحضرني هنا مقولة : " احذر الحليم إذا غضب".

الأسرة في حقيقة أمرها تعيد صهر وتشكيل أفرادها دون وعيهم أو إحساسهم بذلك.وإذا اعتبرنا المجتمع عائلة جامعة للأسر والأسرة بالتالي أصغر وحدة فيه أو نموذج له ، فإنه داخل الأسرة الصغيرة يتم توجيه القوي الغريزية إلى أهداف مشتركة قد تبدو ثنائية وذاتية ولكنها تمتد ، علي نحو ما ، لتأخذ صبغة اجتماعية أوسع نطاقا. وتتحقق تلقائيا داخل الأسرة توازنات تقتضيها توحد الغرائز الفطرية والطبائع المكتسبة الناتج عن توحد الزوجين معا . حب الرجل للمرأة ورغبته فيها يدفعه إلى بذل الجهد لإرضائها وإروائها خارج ضغوط غريزة السيطرة حتي يتحول الإرضاء إلى عادة بفضل التكرار. المرأة في بيت الزوجية تحقق |أيضا نوعا من التوازن بين حب التملك الغريزي وحب السيطرة المكتسب ومتطلبات كل منهما في حدود مصلحة الأسرة وعدم إلحاق الضرر بها وهو ما يكسبها حكمة كبيرة إن نجحت في ذلك.

كل من الزوج والزوجة مطلوب منه أن يعمل كل ما في وسعه لكسب محبة شريك حياته والتقرب منه لتوفير مقومات التعايش معه. مشكلة الكثير من النساء أنهن يعتبرن الحياة الزوجية امتدادا للعلاقة الشبقية في الفراش ، وكما تكون المبادرة والفعل غالبا من جانب الرجل ودور المرأة هو الاستقبال والتفاعل معه في الفراش فهن يردن أن يستمر هذا التقسيم الأداتى خارج الفراش أيضا . وأن لم يبد الزوج ما تتوقعه منه بكت سوى حظها وقسوة زوجها وضياع حبه.

 في موقع إخوان أون لاين كتبت الدكتورة هند أحمد عن حالة مماثلة وكيف كان موقفها منها ، فقالت:

 

قلت لها: "في جلسة هادئة تتجاذبان فيها أطراف الحديث أو تشاهدان التليفزيون أو تناقشان أمرًا أين تجلسان؟" أشارت بملل إلى الأريكة وقالت: "هو يجلس هنا أما أنا فأجلس على المقعد المقابل.

أشرت إلى الأريكة على بعد سنتيمتر واحد من مكانه المفضل وقلت لها: "مكانك يجب أن يكون هنا".

نعم.. يحق لكل زوجة أن تحلم أن يكون زوجها سكن لها.. ولكن ذلك لا يكون أبدًا قبل أن تبدأ هي أولاً فتكون له السكن والملاذ من وحشة الحياة وبرودتها وقسوتها.

وتعالَي نتأمل السطر الأول في نصيحة أم لابنتها عند زواجها، والجدير بالذكر أن الابنة كانت من كبراء قومها وأن زوجها كان أميرًا.. قالت: كوني لزوجك أمة يكن لكي عبدًا، وحفظي له عشرًا تكن لكي ذخرًا:

الخشوع له بالقناعة وحسن السمع له والطاعة، ولا تقع عينه منك على قبيح ولا يشم منك إلا أطيب ريح، والتفقد لوقت طعامه ومنامه، والحفاظ على ماله بحسن التدبير ورعاية أولاده بحسن التقدير، ولا تعصين له أمرًا، ولا تفشين له سرًّا، فإنك إن خالفت أمره أوغرت صدره وإن أفشيت سره لم تأمنِي غدره، وإياك والفرح إن كان ترحًا (حزينًا)، وإياك والكآبة إن كان فرحًا.

تعالي نتخيَّل جارية تعامل أميرها- دون ذلٍّ أو هضمٍ لقيمتها العظيمة كزوجة- لكن معنى كلمة أمة بالنسبة لهذه الزوجة هي أن مشاعرها عاشت أسيرةً لدى زوجها، وتعالَي نتخيل لو أن كل زوجة تُعامل زوجها مثلما تعامل هذه الجارية أميرَها لتربَّعت على عرش قلبه ولعاشت ملء صدره ولحفظها في عينيه.

1- تدعو بدعاء زوجها "ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إمامًا".

2- تُعد له أشهى ما يحب من الطعام قبل أن يصل إلى البيت وتهيِّئ له مكان نومه وهي تشعر بـ"قرصة" جوع حبيبها في معدتها وتعب جسده يصدع رأسها.

3- تتزين وتتجمل وتتعطر وترتدي أبهى ما لديها وقد ارتسمت في مخيّلتها صورة عينَي حبيبها تجتهدان في غض البصر في زمن ضعُفت فيه أعين الأتقياء أمام المغريات والفتن.

4- تستقبله بأرقِّ الكلمات وأعذبِ الابتسامات وهي تمسح غبار وجهه بثغرها وتُزيل تعب كتفيه بكفيها.

5- تشكره وتمدح ذوقه ومهارته في الشِّراء ولا تذم فاكهةً حامضةً اشتراها، بل تتركه بذكائها يكتشف ذلك بنفسه.

6- تحكي له بمرَحٍ مواقفَ وأحداثًا مسلية وتنسى خلاف الأمس وهي تُطعِمه بيدها لقيمات يحبها  في فمه وتتجنَّب تمامًا الشكوى والكئيب من الكلام.

7- تغطي جسده المتعب بدثارها الدافئ، وتمسح جبينه، وتتمنَّى له نومًا هادئًا وتمنع ضوضاء الأطفال من الوصول إليه.

8- تُطعمه الحلوى مع الشاي وتُربِّت على كتفه وتمسح كفَّه وهي تواسيه في مشكلة أصابته وتشجِّعه على تحقيق طموحه.

9- تسانده في وقت الشدة بأرقِّ الكلمات وتبشِّره بتفاؤل وقد تردّد صدى صوت أمها خديجة- رضي الله عنها- عندما عاد رسولنا الكريم- صلى الله عليه وسلم- يرجف فؤاده وهو يخبرها بنزول الوحي عليه، فقالت: "كلا والله لا يخزيك الله أبدًا.. إنك لتصل الرحم وتحمل الكلّ (العاجز)، وتكسب المعدوم وتقري الضيف وتعين على نوائب الدهر".

10- وهي قانعةٌ بما آتاها، إن أعطاها شكرت، وإن ضاق بهما العيش صبرت، فلا تنظر إلى أختها أو جارتها، ولا ترهق زوجها بأشياء مبالَغ فيها، ولا تُحزن زوجها، ولا تشق عليه ولا تدفعه إلى الحرام.

11- وهي تُشعر زوجها دائمًا بالسعادة والفرح عند وجوده في البيت وتتفرَّغ له وتمدحه دائمًا وتُظهر له كم هي سعيدة بارتباطها به.

12- وهي تجدِّد دائمًا في مظهرها وتبدو أمام عينيه جميلةً في كل وقت وظَرف، وتتخذ النظافة والبساطة شعارًا لها ولأولادها وبيتها، وتهتم بأغراض زوجها فترتبها دائمًا وتنظِّمها وتدلُّه على مكانها.

13- وتتجنَّب فترات الصمت الطويلة بينها وبين زوجها وتتجنَّب شعور الغُربة بينها وبين زوجها، فتصنع أوقاتًا للصفاء في البيت وخارجه، في نزهات لطيفة، يسترجعان فيها أجمل الذكريات ويجدِّدان الودّ.

14- تجدِّد وتتفنَّن في إسعاد زوجها والبحث عمَّا يحبُّ، مظهرًا، وهمسًا، وسلوكًا، وتفعل كل ما يُحبه ويُرضيه خلال العلاقة الخاصة بينهما.

15- وحين يجلسان معًا جلسة صافية ليتسامرا أو يشاهدا التليفزيون أو يناقشا أمرًا.. فإن مكانها دومًا بجانبه على الأريكة ولا يفصل بينهما سنتيمترٌ واحدٌ

 

مقولة : " ما أفلح قوم ولوا أمورهم امرأة" الشائعة والمنسوبة إلى النبي صلي الله عليها وسلم قد أخرجت عن سياقها وأمست تقال قي غير موضعها.وهي مقولة لا تتفق مع الفطرة ومع فلسفة الآسرة التي أقول بها ولامع التاريخ الذي لا يوجد فيه ما يشين حكم المرأة. قد يكون صحيحا القول بأن امرأة بدون رجل أو رجال الي جانبها تقودهم ويساندونها لا يمكن لحكمها أن يفلح ، وهو مثل القول يد واحدة لا تصفق ، وهذا يتفق أيضا مع فلسفة الأسرة حيث امرأة وحيدة لا يمكنها بناء أسرة وكذلك رجل وحيد لا يمكنه بناء أسرة . ومن ذلك يمكن استنتاج بأن رجلا واحدا أو امرأة واحدة لا يمكن أن يحكم دولة منفردا دون أن يجني عليها ويتسبب في خرابها.الحكم الفردي المستبد سواء علي مستوى الأسرة أو الدولة هو في غير صالح أي منهما. كثير من الآباء تركوا تربية أبنائهم لزوجاتهم أو العكس فما كانت النتيجة إلا أن ساءت تربيتهم أو علي الأصح لم تنجح تربية الأم وحدها أو تربية الأب وحده في بناء شخصية الولد أو البنت وكل منهما يحتاج إلى تأثير الأب والأم معا في أن واحد عليهما وتكامل هذا التأثير. عندما كنا نسمع العوام يصفون رجلا لا يفي بالعهد أو ينطق بالفحش أو لا يحسن العمل أو يتهرب من حمل المسؤولية بأن ذلك راجع لأنه : "تربية امرأة" ، اذ تربي في حجر مطلقة أو أرملة ، فإنهم في الواقع قد أصابوا الحقيقة. ليس في هذا انتقاص من قدر المرأة وإنما تأكيد علي أن كل ما هو مشترك لا يقبل الانفراد به أوفيه ، ونفس الشيء لا تفلح تربية الأب وحده لأبنائه في غياب أمهم ولذا يعد الأولاد ضحايا الطلاق والأكثر معاناة منه وتعرضا للضرر بسببه.

 

إذا كانت المرأة بمقدورها تولي شئون الآسرة الصغيرة شبه منفردة وبعون محدود من زوجها فإن ذلك يجعلها مؤهلة لتولي شئون الأسرة الكبيرة – الدولة – بمعونة محدودة من زوجها أو من يقوم بدوره المساعد في إدارة شئون البيت. على هذا النحو نجحت مرجريت تاتشر، الزوجة والأم وابنة البقال فبل زواجها والتي كانت تساعد أبيها في محل البقالة ، في إدارة شئون بريطانيا بعقلية ربة البيت . ومن قبلها نجحت حتشبسوت في صنع ما لم يسبقها إليه حاكم مصري أو يصنع مثله أو ما يضاهيه حاكم مصري في التاريخ الفرعوني أو في الزمن الحالي. يمكن التذكير أيضا ببلقيس والزباء وملكات الممالك الآسيوية الإسلامية القديمة وبفيكتوريا أيضا والقائمة طويلة لنساء

أمسكن بزمام الحكم فأفلحن ومنهن كثيرات كن يحكمن من خلف الستار. وفلح أقوامهن في  ظل حكمهن المباشر وغير المباشر.

 

التكامل في الغرائز والصفات:

تكامل الرجل والمرأة والذي يتجلى في الزواج وبناء الأسرة يأتي من أنه إذا فضل الله أحدهم في أمر ميزه به فضل سواه عليه في أمر أخر، وفي هذا يقول الله سبحانه وتعالي : " ولاتتمنوا مافضل الله به بعضكم علي بعض ، للرجال نصيب مما كسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن ،وسألوا الله من فضله ، إن الله بكل شيء عليما" ( النساء32). فالايه صريحة هنا بأن هناك ما فضل الله فيه الرجال عن النساء وهناك ما فضل فيه النساء علي الرجال والفضل هنا يعني الزيادة ومالدي الرجال مماثل في نوعه ما لدي النساء ولكن يختلف مقدار كل نوع منه عند هذا وذاك . ولايجب أن يتمنى الرجل أن يكون لديه نفس القدر الذي لدي المرأة أو المرأة نفس القدر الذى لدي المرأة من شيء ما لأن هذا التفاوت هو الذي يميز الرجل عن المرأة ويميز المرأة عن الرجل تمييز صفات بدنية أو نفسية بدونها لايكون الذكر ذكرا ولا الأنثي أنثى. يكفي مثلا القول بأن الهرمونات الذكرية (التستيرون أبرزها) والهرمونات الأنثوية ( الاستروجين أبرزها) موجودان في جسمي الرجل والمرأة علي السواء ولا يكمن الفرق إلا في مقدار ما تفرزه الغدد منهما في كل من الذكر والأنثى وكمية وجودهما في دم كل منهما.

تجدر الإشارة هنا إلي  أن الغرائز الفطرية وما ينجم عنها من انفعالات وميول ونزعات ومشاعر منبثقة عنها أو ردود فعل منعكسة شرطية أو غير شرطية مرتبطة بها ، بخلاف ما يكتسب من هذا كله ن كلها منح ونعم زود بها الخالق الإنسان مثل باقي مخلوقاته للأمن والحماية وحفظ النوع والبقاء . إلا أن ما زود الإنسان به منها له خصائص لا توجد في غرائز الحيوان منها تحقيق المتعة لذاتها إلي جانب وظيفتها الأصلية والتمكين من التوحد الذي تقوم عليه الأسرة عبر التزاوج بين الرجال والنساء فضلا عن التمكين أيضا من عبادة الخالق بعد أن جعل له صور وسبل العبادة للإنسان تشمل كل التحركات والسكنات الصالحة في حياته التي تحقق نفعا ولا ينجم عنها أو يرافقها مفاسد. هذه النعم إذن تستوجب الاعتزاز بها وعدم الخجل أو الحرج من امتلاكه لها وتمتعه بها وتقتضي أيضا حمد المنعم وشكره عليها.  فالعبادة عبادتان : واحدة محددة علي الفرد أن يقوم بها في مواقيتها وحسب ضوابط سواء كان وحيدا أو في وسط جماعة. وهي تتمثل في الصلاة والصيام والزكاة والحج ، وعبادة ثانية تخرج الفرد من فردانيته إلى رحاب الجماعة أو التعدد حيث لا يمكن له أن يؤديها إلا بالتوحد مع سواه أو الاندماج في المجموعة بدءا بتكوين أسرة  يعترف بشرعيتها المجتمع. وانتهاء باندماج أسرته الجديدة ضمن النسيج الاجتماعي للأمة الذي يجعلها مثل الجسد الواحد الذي إذا اشتكي عضو منه تداعي له سائر الأعضاء بالسهر والحمى أو"أشداء علي الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا سيماهم في وجوههم من أثر السجود ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل  كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار." (الفتح‏:29).‏

 

الموروثات والمكتسبات:

إن الصفات و الطبائع والجبلات والأمزجة تتحكم في تكوينها عوامل متعددة أشهرها خمس هي :

1.     الفطرة : وتتمثل في الغرائز الطبيعية المزود بها الكائنات الحية .

2.  الوراثة : وتتمثل في فيما تنقله الجينات الوراثية من صفات ظاهرة وكامنة أو متنحية لدي الوالدين والسلالات المنحدرين منها.

3.  الاكتساب : ويشمل كل ما يكتسبه الفرد من البيئة الطبيعية أو الاجتماعية ومن تأثيرات الخصائص الجغرافية للبيئة الطبيعية من تضاريس ومناخ وظروف عيش وأيضا من البيئة المجتمعية من عادات وتقاليد وثقافة سائدة.

4.  فصائل الدم : حيث لوحظ أن أصحاب كل فصيلة منها (A و  B A وB وO) لهم طباع متشابهة فمنهم العملي البرجماتي ومنهم الخيالي الحالم الرومانسي...الخ

5.  زمن الولادة: إذ يوجد تشابه أيضا في طباع المولودين في برج فلكي معين مثل الجدي أو القوس أو الأسد أو العذراء والجوزاء أو الميزان...الخ. وهو من الأمور التي يصعب تفسيرها وإن أضطر للإقرار بصحة ولو نسبية لها  . وهي علي أي حال تشير إلى علاقة الإنسان بما هو غيبي وميتافيزيقي ويندرج ضمن أسرار الكون.

بينما تتأثر الغرائز و الطباع في قوتها وضعفها بالغذاء والصحة والمرض والضغوط الاجتماعية والنفسية والإرهاق الجسدي والنفسي وعمليات التوجيه والتكليف والتربية والتعليم. ..فتقوى أو تضعف. فقد تقوى أو تضعف غرائز وطباع لدي الأب أو الأم فتنتقل بحالتها المعدلة عبر الجينات الوراثية إلى الأبناء.ولو أن ذلك في الصفات(الطول والقصر- لون البشرة والشعر والعينين....الخ) وفي الطباع ، أوضح منه في الغرائز باعتبار أن الموروث والمكتسب فيها أكثر مما هو فطرى وثابت نسبيا في الانتقال عبر الأجيال المتعاقبة.  الصفات تخضع لقوانين مندل في الوراثة وتبدو واضحة ولكن الطباع لا يمكن ملاحظة انطباق قوانين الوراثة عليها. ويشيع في شأن الوراثة مقولات مثل الولد يخرج مثل خاله والبنت تخرج مثل عمتها وهي مقولات ناتجة عن ملاحظات الناس لا يمكن تأكيد صحتها أو نفيها. ومع ذلك فان الموروثات التي لا تخضع لقوانين مندل لا يمنع ذلك من أن يكون لها قوانينها الخاصة. من المعقول أن الانفعالات الناشئة عن طباع معينه وكذلك ردود الأفعال النفسية يتسبب عنها تغييرات كيميائية في الدم وهذا من شأنه أن يفتح الباب أمام تغييرات فسيولوجية أيضا بمرور الوقت ويتم توريثها للأبناء . والأمراض الوراثية أو الاستعداد الوراثي للإصابة بأمراض محددة في تاريخ العائلة يمكن أن يكون نتيجة ذلك.

 

إن الطباع المكتسبة في جيل يمكن أن تتحول إلى وراثية في الجيل التالي. لذا فان الصفات الوراثية ليست كلها فطرية. والفطري من الموروثات يمكن أن يتأثر من حيث الحدة والضعف والاعتدال بثقافة المجتمع وبالبيئة الطبيعية وبنوعية الغذاء. وسنجد أن أنواع من التغذية لها تأثير بالإيجاب والسلب   علي الانفعال ألشبقي سواء في الاشتهاء أو قضاء الوطر وفي ردود الفعل الناتجة عن تلك الانفعالات مثل الإثارة والتهيج والمتمثلة في الانتصاب واحتقان الخصيتين بالنسبة للرجل وانتصاب حلمتي الثدي والبظر وزيادة الإفرازات المهبلية عند المرأة.والخمور مثلا تزيد من الرغبة وتضعف القدرة الجنسية علي نحو ما هو شائع عنها أي تزيد من قوة الانفعال وتضعف من رد الفعل. وفي المخدرات ما هو محفز وما هو مثبط وإذا اعتبرنا الحشيش من المخدرات المحفزة فا ن إدمانه يمكن أن يتسبب في إتلاف الألياف العصبية بالعمود الفقري فلا تصل إشارات المخ إلى الجهاز المركزي العصبي وبالتالي يتعذر الانتصاب تماما ويعتبر مصاب بالعنة أن العجز الجنسي حتى يتم معالجته منه . وفي نفس الوقت توجد طائفة كبيرة من أنواع الأغذية والتوابل والأعشاب الطبية التي تلعب دورا مشهودا به في المحافظة علي الكفاءة الشبقية.  ولكن سواء وجدت المؤثرات الايجابية أو السلبية عل الغريزة الفطرية فإنها تظل في جميع الحالات موجودة بذاتها ولا يمكن الاستغناء عنها أو التخلص منها.

ويتوحد كل ما هو فطرى أو وراثي أو مكتسب من غرائز وميول وطباع ومشاعر وقيم وعادات في الفرد مكونا شخصيته.لذا تبدأ عملية التوحيد عند الفرد في ذاته أو في نطاق

الزواج ثم تتطور الشخصية وتكتسب سمات جديدة مع توحيدها مع الزوج ، الأنثى مع الذكر ، من خلال الزواج وبناء الأسرة. ويتواصل تطوير الشخصية من خلال عمليات التوحد المتوالية مع الدوائر المجتمعية المحيطة الأوسع ، الأقرب منها ثم البعيد فالأبعد , والأصغر فالأكبر. ويمثل الفعل الغريزي نفسه صورة مثالية للوحدة إذ تتوحد جميع أجهزة الجسم لانجازه وإتمامه. والتوحد مع الأخر والذي هو الزوجة بالنسبة للزوج والزوج بالنسبة للزوجة ،يعتبر في حد ذاته غريزة مستقلة عن الغريزة الشبقية بحيث يمكن أن يتم في حياة زوجية خالية من الشبق ، والدليل علي صحة ذلك : زواج رجال عجائز فقدوا الاهتمام بالشبق مع نساء قواعد لا يرجون نكاحا من المسنات.وكثيرا ما تنشر الصحف أخبارا من هذا القبيل.

( أرجو أن يلاحظ القارئ بأنني استعمل لفظ التوحد هنا بمعني توحيد من هم أكثر من واحد في واحد .وهو طبعا توحد أو توحيد مجازي. علما بأنه يوجد في علم النفس مرض أطلق عليه في العربية لفظ التوحد يصيب الأطفال والكبار فيجعلهم يميلون إلي العزلة والانفراد بأنفسهم بعيدا عن الآخرين)

والحقيقة أن أعضاء الجسم كله تشارك في  حالتي الانفعال الغريزي والفعل الغريزي معا. نأخذ على سبيل المثال غريزة الخوف وتفادى الخطر المرتبط بها.سنجد أن الإنسان إذا ما واجه خطرا لا قبل له به تعرق وجهه واحتبس صوته واصفر لونه وجف حلقه وارتجفت أطرافه انفعالا بالخوف.ويكون رد فعله الطبيعي في غمرة هذا الانفعال هو الهرب الفوري من الخطر . فإن سدت أمامه المسالك ولم يجد منفذا للهرب والانفلات من قبضته أصيب بشلل مؤقت يعوقه عن الحركة وانقباض في الشرايين يزيد من صفر وجهه وقد يصاب بسكتة قلبية وقد يشيب شعره في لحظتها حتى لو كان مازال طفلا صغيرا . ولذا فان الجسم كله ككيان موحد يشارك في الفعل والانفعال الغريزي أيا كان نوعه.وفي نفس المثال السابق سنجد أن الخائف يزداد سرعة في الجري عند الهرب لا يصل إليها في الظروف العادية ولكن هذه السرعة التي تتجاوز ذروة ما يحتمله الجسم قد تفضي فجأة إلى انهيار كامل قد يتسبب عنه توقف القلب عن النبض. الغريزة في حالتها الطبيعية المتسمة بالاعتدال  فطر الله الإنسان عليها لمنفعته وحمايته ، فغريزة الخوف مثلا تدفع الإنسان إلى الدقة والحرص واليقظة الحسية مما يجعلها ذات أهمية كبيرة له ولا غنى له عنها. الاأن غريزة الخوف مثل كل الغرائز تخضع لقانون : " ما زاد عن حده انقلب الي ضده" فاذا زاد الخوف عن حده تحول إلى مرض نفسي أي إلى "فوبيا".لذا فإن الإفراط في الاستجابة للغريزة والانفعال بها يعد ضارا وخطرا. إذ قد يتحول الخوف الغريزي في حالة الإحساس المفرط أو المتطرف إلي جبن وتهرب من تحمل المسؤولية ويفسد الحياة الاجتماعية للخائف بأكملها وحالات الصرع التي  يعزونها إلى مس الجن هي في أغلب حالاتها حالات خوف مفاجئة دواعيها حقيقية أو متوهمة يلجأ فيها المريض إلى الهروب من مواجهتها في الصرع ، أي هو مرض عصبي ونفسي محض لا علاقة له بالجن وإنما له علاقة بمظالم الإنس وتجبرهم. والدليل علي ذلك هو أنه في معظم تلك الحالات لو انتقل المريض من البيئة التي تواتيه فيها حالات الصرع إلى بيئة يشعر فيها بالأمان، حتى لو لم يتلق أية علاجات ، فإن نوبات الصرع تتوقف تدريجيا عن الحدوث. وقد لاحظت ذلك بنفسي في حالة فتاة لم تعد تأتيها تلك النوبات بعد أن انتقلت من بيت أسرتها التي كان أفرادها يسيئون معاملتها،وتخاف أذاهم إلى بيت زوجها.

بل وقد لا يكون الخوف فيها من الغير، وإنما يخاف المريض من نفسه بعد أن يتخيل أنه إذا ما استسلم للغضب الذي تسببه له زوجته مثلا، سوف يقتلها ويقضي باقي حياته في السجن.

وهروبا من ذلك الفعل والمصير، وبمجرد إحساسه بأنه قد يغضب ويفقد السيطرة على نفسه، تواتيه نوبة الصرع . وقد يعلمنا هذا أهمية أن يشعر الزوج أو الزوجة بالأمان المطلق في بيت الزوجية.

 

العناية بتربية الأبناء :

يقول الدكتور عباس الجراري عضو الأكاديمية المغربية : انطلاقا من هذا الرباط المقدس تتوالى مظاهر اهتمام الإسلام بالطفل بدء من مرحلة الحمل به وإرضاعه .وحتى تكون تنشئة الطفل مقرونة بتكوين ملكاته يدعو الإسلام إلى مساعدته على  تكوينها من خلال التعامل معه بما يتناسب مع المرحلة التي يجتاز : " من كان له صبي فليتصاب له " ، كما يدعو إلى العناية بالجانب السلوكي عبر تدريبه على ممارسات يريدها أن تكون سليمة ودالة على مستوى من التهذيب راق ومختصر ، وكذا على مستوى عميق من الإيمان .والوعي بحقيقة الحياة وكنه الوجود : " يا غلام سم الله وكل بيمينك وكل مما يليك " .. " يا غلام إني معلمك كلمات : إحفظ الله يحفظك ، إحفظ الله تجده تجاهك ، إذا سألت فلتسأل الله ، وإذا استعنت فاستعن بالله ، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك ، ولو اجتمعوا على أن يضروك لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف ".. ويكتمل هذا التوجيه السلوكي في تهيئ الطفل للإقبال على الدين وتدريبه على أداء فروضه بالتدريج ، وترغيبه في ذلك مع السعي إلى تكوين شخصيته والشعور بكيانه حتى ينشأ الذكر في سياق رجولة لا تأنيث فيها ولا تخنيث ولا انحراف ، وكذلك حتى تنشأ الأنثى في إطارها الطبيعي : " مروا أبناءكم بالصلاة لسبع واضربوهم لعشر وفرقوا بينهم في المضاجع .

ولم يكن للمنظور الإسلامي للتربية أن يهمل جسم الطفل والحاجة إلى تقويته بالتدريب على مختلف أنوع الرياضات على نحو ما كان معروفا في العهد النبوي من رماية وسباحة وركوب الخيل " علموا أولادكم السباحة والرماية ") " علموا أولادكم السباحة والرمي " . " حق الولد على الوالد أن يعلمه الكتابة والسباحة والرماية و ألا يرزقه إلا طيبا "..

والمتأمل  في منظور الإسلام للتربية يجد أن الإلحاح كبير على العناية بالجسم والروح ، لأن العناية بهما في آن واحد هي التي تجعل تربية الطفل سوية لا خلل فيها ولا اضطراب.

وحين تكون سوية فإنها تكون متسمة بالهدوء والسكينة والاتزان ، والمقصود هدوء النفس وسكينة الضمير واتزان الذات . وفي هذا التوازن وبه يتحقق كيان الفرد في نطاق الفطرة التي

فطره الله عليها ، وهي مجبولة على الوسطية والاعتدال كما مر . فلا بد للروح حتى تنهض بدورها أن يكون الجسم قويا سليما معافى ، ولابد للجسم كي يكون كذلك أن تسكنه روح تواقة للفضيلة والكمال .

ثم إن من شأن هذا التوازن أن يصون النفس من الآفات الجسدية أتعلل النفسية ، وما أكثرها في كل زمان ومكان ، لا سيما  هاته التي شاعت في المجتمعات المعاصرة  كالقلق والشك والضياع والحيرة .

 

. ويدخل في هذه الصيانة جانب آخر يتجلى في السعي لكسب العلم والمعرفة ، وكذا لاكتساب العيش والقوت .

وفي سياق هذا المنظور ضمن القرآن الكريم جماع التوجيهات المنصوح بها في تنشئة الطفل ، سواء في علاقته بربه أو علاقته بوالديه أو بمجتمعه فيما نصح به لقمان ابنه.

إنها نصائح تلخص ما ينبغي أن يكون عليه الفرد المسلم جسميا وعقليا واجتماعيا، وهي صادرة عن لقمان) ، وقد قدم لقمان لابنه هذه الوصايا التي بدأت بالتحذير من الشرك بالله وهو أكبر الذنوب وأعظم الكبائر . وبعد تحذيره من الشرك وصاه أن يشكر الله نعمة الوجود والإيمان و أن يشكر لوالديه حسن عنايتهما و تربيتهما ، ونبه إلى أن مرجع الإنسان ومآله إلى الله الذي يعلم كل كبيرة و صغيرة من أعمال ل العباد ، ثم أوصاه بإقام الصلاة.والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والصبر على المصائب وعدم التكبر والتبختر والعجب والاختيال ، مع الاعتدال في المشي وخفض الصوت . ...

                   ولا يخفى أن كنه هذه التوجيهات يتمثل في السمو الروحي الذي هو أساس الإيمان وحقيقة الوجود وجوهر رسالة الإنسان في الحياة . وهل تكون الحياة حقا بدون هذا السمو الروحي الذي يقوم شخصية الفرد ويبنيها على قيم فاضلة ؟ فتكون النفس عزيزة ، وتكون الهمة عائلية ، ويكون إباء الضيم ورفض الظلم ، ويكون صون الحرية والدفاع عن الكرامة ، ويكون الصبر والتحمل في سبيل الحق ونيل المرامي وبلوغ الأهداف مهما تكن وعرة وصعبة، وبذلك يحصل الرضا والقناعة وتتجنب الوسائل اللا مشروعية لإدراك الغابات فيتم الابتعاد عن الشبهات ودنايا الأمور وسفاسفها .

وينطلق هذا السمو عن مراعاة أمر مهم، وهو أن الفرد أحد مخلوقات الله، وأنه بالتالي في حاجة إلى أن يحافظ على صلته بخالقه. وتبدأ هذه الصلة تتربى في نفس الفرد منذ طفولته الأولى، فينشأ على عقيدة التوحيد بشكل تلقائي، سرعان ما ينمو بتقليد الوالدين في أداء الواجبات الدينية وفي التحلي بالأخلاق الحميدة. وشيئا فشيئا تكبر هذه الصلة وتتقوى كلما تدرج في مراحل التكوين والتعليم. والمسؤولية في ذلك تقع على الأسرة أول

الأمر- أي على الوالدين- قبل أن تتحملها المدرسة ثم المجتمع كله : "كل مولود على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه".

 

مقاصدالأسرة ومقاصد الشريعة:

الأصوليون متفقون منذ ألشاطبي أن مقاصد الشريعة خمس هي: حفظ الدين والنفس والعقل والمال والنسل وإن كنت أقترح أن يزاد عليها  حفظ الأمانة والإحسان والعدل والتراحم والكرامة الإنسانية ووحدة الأمة والإمامة.. سأبدأ أولا بالمقاصد المتفق عليها  ثم أضيف المقاصد التي اقترحتها لكي أثبت أن مقاصد الأسرة هي بذاتها مقاصد الشريعة أو  تحققها بكاملها أو يجب أن تكون كذلك . وإذا كانت الشريعة والأسرة لهما نفس المقاصد فان هذا يكفي للدلالة على ضرورة دمجهما معا وعدم إمكانية الفصل بينهما. وإذا ما أخذنا بفلسفة الأسرة في جانبها السياسي واعتبرنا بالتالي الدولة أسرة كبيرة لوجدنا أن حاجة الدولة للشريعة أكبر من حاجة الشريعة للدولة ، بل ربما لا تحتاج الشريعة للدولة كبيرة أو صغيرة. ولأهمية موضوع وحدة المقاصد لدى الشريعة والأسرة أفردت له بحثا مستقلا إن شاء الله تعالي. وفي الطابع الاجتماعي للأسرة تقول الدكتورة  العراقية ناهدة عبد الكريم :" إن المسؤولية الاجتماعية للأسرة تستمد خطرها وأهميتها من أن الأسرة ترفد المجتمع ديموغرافياً بالأفراد الجدد لكن ذلك بحد ذاته ليس مهما إن لم تكن الأسرة قد نجحت في بناء شخصيات الأفراد على نحو يجعلها شخصيات قادرة على الانجاز والمشاركة والالتزام بالسلوك السوي واحترام قيم المجتمع وتقاليده.

 

وفد جاء في موقع رسول نصائح للزوج والزوجة والأبناء على النحو التالي:

نصائح للزوج:

1ـ لا تدع الهموم التي تنمو خارج أسوار البيت، وبعيداً عن شؤون الأسرة أن تتسرب إلى داخل الأسرة، فتتراكم على الهموم الداخلية لتشكل معاً معول الهدم في كيان أسرتك التي تريدها أن تحيا سعيدة، رغيدة، هانئة.

2ـ إذا أردت أن تكون رب الأسرة الواقعي، ويكنّ لك كل أفراد الأسرة حباً واحتراماً حقيقيين، فلا تفرض آراءك على زوجتك وأولادك، ولا تشعرهم بأنك تتمتع بقوامة خاصة على شؤونهم، بحيث يشعرون بالتصاغر، والتخاذل أمامك.

3ـ استمرئ الطعام الذي يقدم إليك في البيت، ولا ترفع صراخك بالشتم والصياح إذا ما كان هناك نقص في الطعام بأن كان الملح ـ مثلاً ـ قد زاد عن المعتاد أو نقص، فإن الزوجة ليست بقهرمانة، كما قال الإمام علي (عليه السلام).

4ـ لا تأمل أبداً أن تجد عندما تدخل الدار كل متطلباتك منجزة، وكل أعمالك جاهزة، فزوجتك هي إنسانة، ولا تملك وسائل عجائبية لتنفيذ إرادتك.

5ـ لا تهشم عظام الآخرين حينما ينهشم قدح، أو آنية، ولا تكسر رؤوس البقية، حينما تتكسر مزهرية، أو ساعة منضدية، مثلاً، فقيمة الإنسان ليست مساوية، أبداً، لقيمة أي شيء ثمين.

6ـ المشاكل التي تقف أمامك في الطريق، والأزمات التي تعصف بك، وتتطلب منك وضع الحلول الحاسمة لها، لا تعبأ بها، واصمد في وجه زوبعتها، لئلا تنتصر عليك فتسلبك هناءك، وسعادتك، واستقرارك، ولئلا تسدل الظلام على حياتك الهانئة الدافئة.


7
ـ لا تقارن، أبداً، حياتك المعيشية بحياة الأصدقاء، والأقرباء الأثرياء، والذين يتمتعون بهناء أكثر منك، وبسعادة أطفح من سعادتك، لتشعر، دائماً، بأنك تعاني من الفقر، والشقاء، والجدب، وإنما قارنها بحياة أولئك الذين يعانون من قسوة المشاكل والأزمات التي لا تعرفها حياتك، لتلمس حينذاك بأنك تعيش حياة الترف، والرفاه العريضين.

8ـ لا تدع الابتسامة الحلوة تغادر شفتيك، وحتى لو كانت الهموم تغلف قلبك فاصطنع الابتسامة الحانية.

9ـ الكلمات البذيئة، والشتائم الحمقاء، لا تدعها تعكر صفو الجو العائلين ولا تجعلها تسربل الأسرة بشذوذ وفساد، وتعقيد.

10ـ تذكر: أنه مرّ خنزير أمام السيد المسيح، فقال له المسيح (عليه السلام): مُر بسلام! قيل: يا روح الله هذا خنزير؟ قال نعم، حتى لا يتعوّد لساني الكلام البذيء!.

نصائح للزوجة:

1ـ دعي الابتسامة الحلوة ترقد على شفتيك، حينما تستقبلين زوجك في البيت، واستقبليه بحنين وعطف، وحيّيه باحترام وإكرام، وكلميه بحب وحنان، لتنفضي من روحه غبار الإرهاق والإعياء.

2ـ لا تخبئي لزوجك الانتقام، عندما يفاجئك بشتم، أو يذهلك بصفعة، فإن العفو شيمة الكرام، وبدل ذلك اشحنيه بدفء الحب، فسرعان ما يعثر على خطأه، ويعض على أنامله تحسراً، وخجلاً، وإذا لم تستطيعي ذلك، تمسكي بالصمت، ولا تصبي الزيت على النار!

3ـ إذا كنتِ تريدين أن ترسو سفينة زواجك على ميناء الأمن والسلامة، والدعة، فلا تدعي مائدة الطعام تتأخر عن الموعد المعتاد، ولا تدعي زوجك يمد يديه إلى الفراش ليبسطه ولا تدعيه يواجه إلا النظافة فإنها من الإيمان.

أولادك، داعبيهم بحب.. كلميهم بحنان.. أجيبي متطلباتهم بعطف، فإن العنف لا يولد إلا العنف، والزجر لا يتفتق إلا عن الانهيار.

5ـ أولادكِ، حافظي على تربيتهم الصالحة، وازرعي فيهم بذور الأخلاق النبيلة، وطعّميهم بالآداب الفاضلة، وازرقيهم بالثقافة الإسلامية الراقية.

6ـ إطاعة زوجك في كل ما يجب تعني: غرز وتد عملاق في علاقتك الزوجية معه.. أطيعيه حتى ترقد حياتكما على سرير الأمن، والاستقرار الدافئين.

7ـ جمالك.. رشاقتك.. فساتينك الجملية استعرضيها على زوجك لكي يختار هو ما تلبسينه، حتى لا يمل من رتابة الحياة.

8ـ احترمي زوجك، واحترمي أولادك، لكي يحترم بعضهم البعض ولكي تنشأ علاقتك معهم على أساس الودّ والاحترام المتبادلين.

نصائح للأولاد

1ـ أطع والديك في كل شيء، واحترمهما، وكذلك بالنسبة لأخيك الأكبر، لتجد، دائماً، متطلباتك منجزة، ولينهمر عليك حبهم، وعطفهم، وتقديسهم لك.

2ـ تعاون مع والديك في إنجاز مهماتهما، وتحمل معهما مسؤوليات التعايش المرهقة.

3ـ لا تستبد بآرائك إذا تضاربت مع آراء والدك، أو والدتك فإنهما يعرفان مصالحك، ومصالح المجتمع، بحكم مرورهما بتجارب الحياة أكثر منك. واعلم أنهما لا يريدان إلا مصلحتك.