نوارس

فكرية، سياسية و دينيةواجتماعية

الأسرة والحياة الزوجية- الحب قبل الزواج


الحب قبل الزواج

الإسلام هو الحب :

يقوم الاسلام على الحب ، وعلى علاقة بين المسلم وخالقه وبينه وبين مخلوقاته قوامها الحب .يقول لله عزّ وجلّ:"قل إن كنتم تحبّون الله فاتبعوني يُحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم" (آل عمران 31). ويقول عزّ وجلّ:"حبّب إليكم الإيمان وزيّنه في قلوبكم" (الحجرات 7).والله يبادل عباده الذين يحبونه الحب فيحبهم مثلما يحبونه ، وتتعدد في ذلك الآيات مثل : :(... إِن اللهَ يُحِب المحْسِنِين). (البقرة 195) (إِن اللهَ يُحِب التّوّابِينَ وَيُحِب المتَطَهرِين). (البقرة 222) (... فَإِن اللهَ يُحِب المتقِين). (آل عمران 76)

(... وَاللهُ يُحِب الصّابِرِين). (آل عمران 146) (... إِن اللهَ يُحِب المقْسِطِين). (المائدة 42)..ويشيد المولي بحب المسلم للمسلم ، وفي ذلك يقول :: " وَالذينَ تبوءوا الدارَ وَالإِيمانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبونَ مَنْ هاجَرَ إلَيْهِم وَلاَ يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمّا أُتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِم وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يـوق شُح نَفْسِهِ فأولئك هُــم المُفْلِحُون". (الحشر 9) وفي الآية التالية لها يقول سبحانه:" وَالذينَ جَاؤُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبنا اغْفِرْ لَنا وَلإخْوَانِنا الّذينَ سَبَقُونا بِالإِيمانِ وَلاَ تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنا غِلاً لِلذينَ آمَنُوا رَبنا إِنكَ رءوف رَحِيم". (الحشر 10) .

ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: "والّذي نفسـي بيده لا تدخلوا الجنّة حتّى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتّى تحابّوا، أوَلا أدلّكم على شيء إن فعلتموه تحاببتم: أفشوا السّلام بينكم".

وقال صلى الله عليه وآله وسلم: (إذا أحبّ أحدكم أخاه، فليُعلِمه إيّاه). سنن ابن ماجة وقال أيضا:" ودّ المؤْمِنِ للمؤْمنِ في اللهِ مِن أعظمِ شُعب الإيمان، ومَنْ أحب في اللهِ، وأبْغَضَ في اللهِ، وأعْطى في اللهِ، ومَنَعَ في الله، فهوَ مِنَ الأصفياء) . ويقول أيضـا: لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحبه لنفسه.

وتعد الحياة الزوجية الطيبة تجسيدا للحب الكامل بشقيه المادي والروحي وأية من آيات الله سبحانه وتعالي ، وفي ذلك يقول المولي:

عز وجل " ومن آياته أن جعل لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا اليها وجعل بينكم مودة ورحمة. إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون" .

والمودة هي المحبة. فيما يروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله: "لم يُرَ للمتحابَيْن مثل النكاح" (ابن ماجه، والحاكم) وهذا الحديث بمثابة إضفاء للمشروعية على الحب المفضي إلى الزواج.

معني الحب :

تقول موسوعة ويكبيديا عن معنى الحب: قيل: إنه مأخوذ من الحُباب . وهو الذي يعلو الماء عند المطر الشديد. فكأنَّ غليان القلب وثوراته عند الاضطرام والاهتياج إلى لقاء المحبوب يُشبه ذلك.وقيل : بل هي مأخوذة من الحُبِّ جمع حُبَّة وهي لباب الشيء وأصله ؛ لأن القلب أصل كيان الإنسان ولُبّه ، ومستودع الحُبِّ ومكمنه. وقيل : في أصل الاشتقاق كثير غير هذا، لكننا نعزف عن الإطالة والإسهاب . ولتعريف الماهية نقول إن الحب هو: الميْل الدائم بالقلب الهائم، وإيثار المحبوب على جميع المصحوب ، وموافقة الحبيب حضوراً وغياباً ، وإيثار ما يريده المحبوب على ما عداه ، والطواعية الكاملة ، والذكر الدائم وعدم السلوان ، وصَمَمهُ عن سماع العذل فيه كما قال الشاعر:

يا مقيماً في خاطري وجَناني ... وبعيداً عن ناظري وعِياني

أنت روحي إن كنتُ لستُ أراها ... فهي أدنى إليّ من كُلِّ دانِ

وقالت الموسوعة في أسمائه وأوصافه: وضعوا للحب أسماء كثيرة منها المحبة والهوى والصبوة والشغف والوجد والعشق والنجوى والشوق والوصب والاستكانة والود والخُلّة والغرام والهُيام والتعبد..فأما الهوى : يقال إنه ميْل النفس ، وفعْلُهُ: هَوِي، يهوى، هَوىً، وأما: هَوَىَ يَهوي فهو للسقوط، ومصدره الهُويّ. وأكثر ما يستعمل الهَوَى في الحبِّ المذموم، كما في قول الله تعالى :" وأمَا من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى * فإنَّ الجَنَّة هي المأْوى" (النازعات). وقد يستعمل في الحب الممدوح استعمالا مقيداً، منه قول النبي : [لا يؤْمن أحدكم حتى يكون هَواهُ تبعاً لما جئتُ بِه].صححه النووي والصَّبْوة : وهي الميل إلى الجهل، فقد جاء في القرأن الكريم على لسان سيدنا "يوسف" عليه السلام قوله تعالى: ( وإلا تَصرفْ عني كيدَهن أصبُ إليهنَّ وأكنُ من الجاهلين ).[يوسف30] والصّبُوة غير الصّبابة التي تعني شدة العشق، والشغف: هو مأخوذ من الشّغاف الذي هو غلاف القلب، ومنه قول الله تعالى واصفاً حال امرأة العزيز في تعلقها بيوسف عليه السلام ( قد شغفها حُباً ) ، قال "ابن عباس" رضي الله عنهما في ذلك: دخل حُبه تحت شغاف قلبها. والوجد : وعُرف بأنه الحب الذي يتبعه الحزن بسبب ما. والكَلَفُ : وهو شدة التعلق والولع، وأصل اللفظ من المشقة، يقول الله تعالى: ( لا يُكلف الله نفساً إلا وُسْعَهَا )[البقرة286] . وقال الشاعر: فتعلمي أن قد كلِفْتُ بحبكم ثم اصنعي ما شئت عن علم

ثم العشـق وكما يقال عنه: أمرّ هذه الأسماءُ وأخبثها، وقلّ استعمال العرب القدماء له، ولا نجده إلا في شعر المتأخرين، وعُرِّف بأنه فرط الحب. قال الفراء: العشـق نبت لزج، وسُمّى العشـق الذي يكون في الإنسـان لِلصُوقهِ بالقلب.

والجوى : الحرقة وشدة الوجد من عشـق أو حُزْن.

والشوق: هو سفر القلب إلى المحبوب، وارتحال عواطفه ومشاعره، وقد جاء هذا الاسم في حديث نبوي شريف، إذ روى عن "عمار بن ياسر" رضي الله عنه أنه صلى صلاة فأوجز فيها، فقيل له: أوجزت يا " أبا اليقظان " !! فقال: لقد دعوت بدعوات سمعتهن من رسول الله صلى الله عليه وسلم" يدعو بهن: “اللهم بعلمك الغيب، وقدرتك على الخلق، أحيني إذا كانت الحياة خيراً لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيراً لي، وأسألك خشيتك في الغيب والشهادة، وأسألك كلمة الحق في الغضـب والرضى، وأسألك القصد في الفقر والغنى، وأسألك نعيماً لا ينفد، وأسألك قرة عين لا تنقطع، وأسألك الرضى بعد القضاء، وأسألك بَرَد العيش بعد الموت، وأسألك لذة النظر إلى وجهك، والشوق إلى لقائك، في غير ضراء مُضرة، ولا فتنة ضالة، اللهم زيِّنَّا بزينة الإيمان، واجعلنا هُداة مهتدين”. وقال بعض العارفين :”لما علم الله شوق المحبين إلى لقائه، ضرب لهم موعداً للقاء تسكن به قلوبهم “.

والوصَب ُ: وهو ألم الحب ومرضه، لأن أصل الوصب المرض، وفي الحديث الصحيح: [ لا يصيب المؤمن من همّ ولا وصب حتى الشوكة يشاكها إلا كفّر الله بها من خطاياه ] . وقد تدخل صفة الديمومة على المعنى، قال تعالى: ( ولهم عذابٌ واصبٌ ) [الصافات9]وقال سبحانه: ( وله الدينُ واصباً ) .[النحل 52] والاستكانة: وهي من اللوازم والأحكام والمتعلقات، وليست اسماً مختضـا ومعناها على الحقيقة : الخضوع ، قال تعالى:” فما استكانوا لربهم وما يتضرعون )(المؤمنون 76) ، وقال: ( فما وَهَنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضَعُفوا وما استكانوا(آل عمران146). وكأن المحب خضع بكليته إلى محبوبته، واستسلم بجوارحه وعواطفه، واستكان إليه.

والوُدّ : وهو خالص الحب وألطفه وأرقّه، وتتلازم فيه عاطفة الرأفة والرحمة، يقول الله تعالى: “وهو الغفور الودود”[البروج14] ، ويقول سبحانه:”إن ربي رحيم ودود” [هود90] .والخُلّة: وهي توحيد المحبة، وهي رتبة أو مقام لا يقبل المشاركة، ولهذا اختص بها في مطلق الوجود الخليلان "إبراهيم" و"محمد" صلوات الله وسلامه عليهما ، قال تعالى: (واتَخَذَ الله إبراهيم خليلاً)[النساء125].

والغرامُ : وهو الحب اللازم، ونقصد باللازم التحمل ، يقال: رجلٌ مُغْرم، أي مُلْزم بالدين ، قال "كُثِّير عَزَّة": قضى كل ذي دينٍ فوفّى غريمه و"عزَّة" ممطول مُعنًّى غريمُها ومن المادة نفسها قول الله تعالى عن جهنم: (إنَّ عذابها كان غراماً ) أي لازماً دائماً.

والهُيام : وهو جنون العشق، وأصله داء يأخذ الإبل فتهيم لا ترعى، والهيم (بكسر الهاء) الإبل العطاش، فكأن العاشق المستهام قد استبدّ به العطش.

الحب .. حالة نفسية :

يندرج البحث في العواطف الإنسانية ضمن الميتافيزيقيا ومن خصائص الظواهر الميتافيزيقية مراوغة العقل إن أراد الإمساك بها لتحليلها من أجل فهمها ومعرفة أسبابها خاصة .وأنها في حقيقة ألأمر شديدة التعقيد .وتتأثر كل منها بطيف واسع من المؤثرات الظاهرة والخفية . ويأتي الحب أو الغرام أو العشـق بين الرجل والمرأة في طليعة ما تنطبق عليه تلك الأوصاف من الظواهر الميتافيزيقية . وباعتبار حالة الحب تلك تعد حالة نفسية يهتم بها علم النفس ، فان فهم علم النفس لها عبارة عن المعلومات التي تم الحصول عليها من العديد من الحالات التي عاينها الباحث أو خضعت لجلسات استماع ،وكذلك الخبرة الذاتية ومحاولة الإمساك بالعوامل المشتركة. واذا أخذنا في الاعتبار اختلاف الثقافات والعادات والتقاليد والقيم والمعتقدات والطباع والأسباب وحداثة هذه الأبحاث لأمكن القول بأن كل ما مكن للباحث الإسهام به لا يعدو أن يكون افتراضات أو احتمالات ناتجة عن بحث حالات محدودة . وبالتالي لا يمكن تعميمها أو اعتبارها حقائق
علمية /ولكنها في أحسن الأحوال تقرب من فهم الظاهرة النفسية بنسبة كبيرة وإن لم توفر الفهم الكامل.

في الثقافة الغربية يرتبط الحب بين الذكر والانثي ارتباطا وثيقا بالشبق بسبب تأسيس هذه الثقافة علي الفلسفة اليونانية واصطباغ الحضارة الغربية بالنزعة المادية التي تجعلها عزوفة عن الاهتمام بكل ماهو ميتافزيقي أو الاعتراف بوجوده أصلا في أغلب الأحيان. ولذا فان الحب في تلك الثقافة هو اشباع الغريزة الشبقية أو سبيل لاشباعها. وعندما يقولون : ممارسة الحب أو

Making love فانهم يعنون بذلك ممارسة الشبق.

أما في الثقافة العربية الاسلامية فإنه ينظر للحب علي أنه عاطفة مستقلة عن ممارسة الشبق . ولكن هذه العاطفة تكتمل وتغتني وتبلغ ذروتها في الممارسة الشبقية لأنه مع الشبق تكتمل الوحدة الروحية والجسدية بين الزوجين في آن واحد.

ويقول في ذلك ابن حزم الآندلسي في كتابه الشهير "طوق الحمامة " عن الحب والوصال :

"الحب -أعزك الله- أوله هزل وآخره جد، دقت معانيه لجلالها عن أن تُوصف فلا تدرك حقيقتها إلا بالمعاناة، وهو ليس بمنكر في الديانة ولا بمحظور في الشريعة؛ إذ القلوب بيد الله عز وجل. وقد أحب من الخلفاء المهديون والأئمة الراشدون وكثير من الصالحين والفقهاء في الدهور الماضية والأزمان القديمة من قد أستغني بأشعارهم عن ذكرهم. وقد ورد من خبر عبد الله ابن عتبة بن مسعود، ومن شعره ما فيه الكفاية، وهو أحد فقهاء المدينة السبعة وقد جاء من فتيا يقصد إفتاء ابن عباس رضي الله عنه ما لا يحتاج معه إلى غيره حين يقول: "هذا قتيل الهوى لا عقل ولا قود".

وتقول كلاوديا إنكلمان :

أمور كثيرة ينبغي ملاحظتها في موضوع الحب. فاللقاء الأول، على سبيل المثال، ربما يبدو صعباً للغاية، حيث ليس من السهل هنا وجود فرصة ثانية في حال وقوع خطأً ما. فأقل ما يمكن أن يُقال هنا عن المرء هنا أنه ليس على قدرٍ عالٍ من اليقين والثقة بالنفس والرزانةز كذلك يمكن أن يؤدي أقل خطأً لأن تبدأ الشكوك تساور الطرف الآخر لدرجة يبدأ معها بطرح أسئلة كثيرة دفعة واحدة، بهدف معرفة أكثر ما يمكن عن شريك الحياة المرتقب، وذلك في أقل وقتٍ ممكن. وحين يصل الأمر إلى حدّ استفزاز الطرف الآخر، لا لشيء إلا للتأكد من صدق نواياه، فإن ذلك يمكن أن يكون قاتلاً للعلاقة الجديدة المرتقبة. حوادث من هذا القبيل ليسـت في واقع الأمر بالجديدة، فكما كانت تحصل في الماضي، كذلك فهي تحصل اليوم أيضاً!

إن مشاعر احترام الآخر كانت دوماً، على مرّ الأزمنة، أساساً لأية علاقة سعيدة، وطويلة الأمد، وعلى الأخص في زمنٍ كان فيه الطلاق أمراً مُحرَّماً، والزواج شيئاً يرسم معالمه وخطوطه العريضة أناسٌ آخرون، وليس طرفا العلاقة المعنيين.

أما اليوم فقد بات مفهوماً لدى الناس عموماً أن الحب يجب أن يسبق الزواج، وأن الزواج لا يجب أن يتم إلا بمنتهى رضا الطرفين معاً، ودون تدخلٌ من أية جهة خارجية. ولهذا السبب يجب أن تسعى يومياً باستمرار لتجديد علاقة الحب المتبادلة القائمة، وجعلها أكثر ثباتاً واستقراراً.

يطمح الناس اليوم في الواقع لأكثر من مجرد النجاح على الصعيد المهني.

إنهم يتوقون باستمرار لنجاح من نوعٍ آخر، والذي يكمن في الوصول لحياةٍ مليئة بالحب والحنان والسعادة والأمان والمشاعر العاطفية الجيّاشة.

الحب والزواج :

يقول الدكتور ضيف الله مهدي :"يلعب الحب دورا هاما في حياة الإنسـان فهو أساس الحياة الزوجية وتكوين الأسرة ورعاية الأبناء وهو أساس التآلف بين الناس وتكوين العلاقات الإنسانية الحميمة وهو الرباط الوثيق الذي يربط الإنسان بربه ويجعله يخلص في عبادته وفي اتباع منهجه والتمسك بشريعته ويظهر الحب في حياة الانسان في صور مختلفة فقد يحب الانسان ذاته ويحب الناس ويحب زوجته وأولاده ويحب المال ويحب الله والرسول صلى الله عليه وسلم .

ونجد في القران الكريم ذكرا لهذه الأنواع المختلفة من الحب . وتنتشر كثير من الأفكار الوهمية والقصص الرومانسـية حول الحب والزواج ، وتدور الفكرة التقليدية القديمة عن الحب والزواج حول أسطورة وجود رجل واحد معين من نصيب إمرأة معينة ، وعندما يجود القدر بأن يلتقيا ، يقعان في حب عميق ، وأن الشخص لا يقع في الحب إلا مرة واحدة مع الشخص الموعود .

.وعندها يقع الشخص في الحب ويشعر به يسيطر على حياته ويشغل تفكيره ، وأنه ينبغي على المحب إن كان مخلصـا في حبه حقا أن يسعى وراء الزواج بمن يحب مهما كلفه هذا السعي من صعوبات ، وعندما يتزوج الشخص بمن يحبه ينتهي شقاؤه ويركن إلى حياة سعيدة طوال حياته .وحقيقة فالواقع ينفي هذه الأفكار الأسطورية الوهمية ، فكثير من الأشخاص يمكن أن يقيم حياة ودية سعيدة ويتزوج زواجا موفقا يوفر الكثير من الإشباع ، وغيرهم قد يقيم حبا ويتزوج ، ولكن يفشل زواجه لاعتبارات كثيرة ومنها ما قد سبق ذكره . إن الكثير من الأشخاص ومنذ الطفولة وحتى سن الكهولة يمارس ألوانا مختلفة من الحب مع كثير من الناس ، وتختلف هذه العلاقات عن بعضها البعض وتتمايز في نوعيتها ، ومع ذلك تجمعها صفة مشتركة هي الحب . إن الحب الرومانسي ، أو الحب الذي يسبق الزواج ويستمر خلال الحياة الزوجية يختلف عن أنواع الحب الأخرى كما يختلف عن الحب الأبوي أو الأخوي أو البنوي ، ويتميز عنها جميعا ونعرفه بأنه : ينشأ عن إدراك الشخص للفروق النوعية والاستجابة لها ، ويتركز هذا الحب حول شخص من النوع الآخر يثير في الفرد الدوافع الحسية ، ويعتبر هدفا لتحقيق آماله الزواجية ويؤدي إلى نوع من المشاركة العميقة في العلاقات الزوجية .

أنواع الأشخاص في الحب :

1ـ الشخص ضحية قلق أحد والديه : وهذا الشخص يكون ضحية قلق شديد لأحد والديه ، ولا يكون لديه الاستعداد التام لحب شخص آخر طالما كان يحب والده بطريقة طفلية ، ويبدو له أنه يحب شخصا شبيها بالوالد أو يحل محله .

2ـ الشخص النرجسي : وهو مثل الشخص الأول ، ولكنه يركز حبه على نفسه ، فيتعذر عليه أن يوجه حبه لشخص آخر .

3ـ الشخص العدواني : وهو الشخص ذو الميول العدوانية والاستغلالية تجاه الجنس الآخر ، فإنه من الصعوبة بمكان أن يحب الحب الصادق .

صفات الحب الصادق :

1ـ أنه ينشأ نتيجة مواقف عديدة ، وليس موقف واحد مفاجئ ، أو إتصال آني .

2ـ أن فيه تقدير شامل وكامل لكامل جوانب شخصية الآخر ، وليس لبعض الصفات .

3ـ فيه ثقة وشعور بالأمن ، مع الفهم الكامل والقبول لشخصية المحبوب بكل محاسنها ومساوئها .

وينمو الحب بين الزوجين بتقدم الزواج ، وينشأ من خلال الألفة والعلاقة المتبادلة ويحل الحب الزوجي محل الحب الرومانسي بزيادة التعارف والمعاشرة ، ويستطيع الشخص أن يتأكد من الميل الذي يشعر به يكفي لأن يقبل الزواج بالإجابة على الأسئلة التالية :

س ـ هل ترغب في سعادة شريك حياتك ؟ وهل تساعده في القيام بالأشياء التي يميل إليها ؟

س ـ هل أنت مستعد لعلاج الصعوبات التي تعترض حياتك الزوجية ؟ وهل تستطيع أن تتغاضى عن إعتبارات الكرامة في حياتك الزوجية والعمل على تفهم الطرف الآخر مهما اختلفت وجهات النظر ؟ .

س ـ هل تفكر بأسلوب جماعي عندما تقوم بالتخطيط ؟ وهل تخطط لمستقبلكما معا ؟ هل ناقشت أمالك ورغباتك مع الطرف الآخر ؟ هل تشعران بأنكما شركاء في هدف عام ؟ وهل يقدر كل منكما أهداف الطرف الآخر ؟ .

إن الحب كالنبات يجب تزويده بالغذاء والعناية حتى يظل على حيويته وإزدهاره . ويعتبر تقديم الهدايا البسيطة ، وتذكر المناسبات الخاصة ، والاهتمام ، والنظرات الودية ، وإبداء التقدير والتشجيع لجهود الطرف الآخر ، والإصغاء وإبداء الرأي والمشاركة ، كلها من الأمور التي تثري الحياة الزوجية ."

العشق الموصول بالوصال :

يقول أين حزم الأندلسـي:"ومن وجوه العشـق الوصل، وهو حظ رفيع، ومرتبة سرية، ودرجة عالية، وسعد طالع. بل هو الحياة المجدة، والعيش السني، والسرور الدائم ورحمة من الله عظيمة. ولولا أن الدنيا دار ممر ومحنة وكدر، والجنة دار جزاء وأمان من المكاره، لقلنا إن وصل المحبوب هو الصفاء الذي لا كدر فيه، والفرح الذي لا شائبة ولا حزن معه، وكمال الأماني؛ ومنتهى الأراجي(جمع رجاء). ولقد جربت اللذات على تصرفها، وأدركت الحظوظ على اختلافها، فما للدنو من السلطان ولا للمال المستفاد، ولا الوجود بعد العدم، ولا الأوبة بعد طول الغيبة ولا الأمن بعد الخوف، ولا التروح على المال، من الموقع في النفس ما للوصل؛ لا سيما بعد طول الامتناع، وحلول الهجر حتى يتأجج عليه الجوى، ويتوقد لهيب الشوق، وتنصرم نار الرجاء. وما أصناف النبات بعد غب القطر، ولا إشراق الأزاهير بعد إقلاع السحاب الساريات في الزمان السجسج ولا خرير المياه المتخللة لأفانين النوار، ولا تأنق القصور البيض قد أحدقت بها الرياض الخضر، بأحسن من وصل حبيب قد رضيت أخلاقه، وحمدت غرائزه، وتقابلت في الحسن أوصافه. وأنه لمعجز ألسنة البلغاء، ومقصر فيه بيان الفصحاء، وعنده تطيش الألباب، وتعزب الأفهام.(...) وما في الدنيا حالة تعدل محبين إذا عدما الرقباء، وأمنا الوشاة، وسلما من البين، ورغبا عن الهجر، وبعدا عن الملل، وفقدا العذال، وتوافقا في الأخلاق، وتكافئا في المحبة، وأتاح الله لهما رزقاً دارا، وعيشاً قاراً، وزماناً هادياً، وكان اجتماعهما على ما يرضي الرب من الحال".

ويستدل ابن حزم على موقفه من الحب بما رواه بسنده في موضع آخر من كتابه طوق الحمامة من أن رجلاً قال لعمر بن الخطاب رضي الله عنه: "يا أمير المؤمنين، إني رأيت امرأة فعشقتها، فقال عمر: ذاك مما لا يملك".ويحكي حكاية جارية عاشقة فيقول : وإني لأعرف جارية اشتد وجدها بفتى من أبناء الرؤساء، وهو لا علم عنده، وكثر غمها وطال أسفها إلى أن ضنيت بحبه، وهو بغرارة الصبي لا يشعر. ويمنعها من إبداء أمرها إليه الحياء منه لأنها كانت بكراً بخاتمها، مع الإجلال له عن الهجوم عليه بما لا تدري لعله لا يوافقه.فلما تمادى الأمر وكانا إلفين في النشأة، شكت ذلك إلى امرأة جزلة الرأي كانت تثق بها لتوليها تربيتها، فقالت لها: عرضي له بالشعر. ففعلت المرة بعد المرة وهو لا يأبه في كل هذا، ولقد كان لقناً ذكياً لم يظن ذلك فيميل إلى تنتيش الكلام بوهمه، إلى أن عيل صبرها وضاق صدرها ولم تمسك نفسها في قعدة كانت لها معه في بعض الليالي منفردين، ولقد كان يعلم الله عفيفاً متصاوناً بعيداً عن المعاصي، فلما حان قيامها عنه بدرت إليه فقبلته في فمه ثم ولت في ذلك الحين ولم تكلمه بكلمة، وهي تتهادى في مشيها، كما أقول في أبيات لي:

كأنها حين تخطو في تأودها ...قضيب نرجسة في الروض مياس

كأنما خلدها في قلب عاشقها... ففيه من وقعها خطر ووسواس

كأنما مشيها مشي الحمامة ...لا كد يعاب ولا بطء به باس

فبهت وسقط في يده وفت في عضده ووجد في كبده وعلته وجمة، فما هو إلا أن غابت عنه ووقع في شرك الردى واشتعلت في قلبه النار، وتصعدت أنفاسه وترادفت أرجاله، وكثر قلقه،وطال أرقه، فما غمض تلك الليله عيناً، وكان هذا بدء الحب بينهما دهراً، وإن هذا لمن مصائد إبليس ودواعي الهوى التي لا يقف لها أحد ألا من عصمه الله عز وجل. ومن الناس من يقول: إن دوام الوصل يودي بالحب، وهذا هجين من القول، بل كلما زاد وصلاً زاد اتصالاً.وعني أخبرك أني ما رويت قط من ماء الوصل ولا زادني إلا ظلماً. وهذا حكم من تداوى برأيه وإن ربه عنه سريعاً. ولقد بلغت من التمكن بمن أحب أبعد الغايات التي لا يجد الإنسان وراءها مرمى، فما وجدتني إلا مستزيداً، ولقد طال بي ذلك فما أحسست بسآمة ولا رهقتني فترة، ولقد ضمني مجلس مع بعض من كنت أحب فلم أجل خاطري في فن من فنون الوصل إلا وجدته مقصراً عن مرادي وغير شاف وجدي ولا قاض أقل لبانة من لباناتي، ووجدتني كلما ازددت دنواً ازددت ولوعاً، وقدحت زناد الشوق نار الوجد بين ضلوعي.

وما في الدنيا حالة تعدل محبين إذا عدما الرقباء، وأمنا الوشاة، وسلما من البين، ورغبا عن الهجر، وبعدا عن الملل، وفقدا العذال، وتوافقا في الأخلاق، وتكافيا في المحبة، وأتاح الله لهما رزقاً دارا، وعيشاً قاراً، وزماناً هادياً، وكان اجتماعهما على ما يرضي الرب من الحال، وطالت صحبتهما واتصلت إلى وقت حلول الحمام الذي لا مرد له ولا بد منه، هذا عطاء لم يحصل عليه أحد، وحاجة لم تقض لكل طالب، ولو لا أن مع هذه الحال الإشفاق من بغتات المقادير المحكمة في غيب الله عز وجل، من حلول فراق لم يكتسب؛ واخترام منية في حال الشباب أو ما أشبه ذلك، لقلت إنها حال بعيدة من كل آفة، وسليمة من كل داخلة. ولقد رأيت من اجتمع له هذا كله إلا أنه كان دهى فيمن كان يحبه بشراسة الأخلاق، ودالة على المحبة، فكانا لا يتهنيان العيش ولا تطلع الشمس في يوم إلا وكان بينهما خلاف فيه، وكلاهما كان مطبوعاً بهذا الخلق. لثقة لك واحد منهما بمحبة صاحبه، إلى أن دنت النوى بينهما فتفرقا بالموت المرتب لهذا العالم ."

الجبر والاختيار في العشق :

يقول ابن القيم الجوزية في كتابه "روضة المحبين ونزهة المشتاقين": "اختلف الناس في العشق: هل هو اختياري أو اضطراري خارج عن مقدور البشر؟ وفصل النزاع بين الفريقين أن مبادئ العشق وأسبابه اختيارية داخلة تحت التكليف (أي أن الأسباب الأولى للعشق اختيارية). فإن النظر والتفكر والتعرض للمحبة أمر اختياري فإذا أُتي بالأسباب كان ترتب المسبب عليها بغير اختياره (أي أن النتيجة المترتبة على هذه الأسباب من وقوع المحبة غير اختيارية). ولهذا؛ إذا حصل العشق بسبب غير محظور لم يُلَم عليه صاحبه (أي أنه لو كانت الأسباب الأولى للعشق مباحة فإن وقع العشق بعد ذلك لا يُلام عليه صاحبه) كمن كان يعشق امرأته أو جاريته. ويُقاس على نفس الأمر من خطب امرأة أو أراد خطبتها ونظر منها ما يشجعه على خطبتها كما قال الرسول -صلى الله عليه وسلم- ثم فارقها وبقي عشقها غير مفارق له فهذا لا يُلام على ذلك كما في قصة بريرة ومغيث. وكذلك إذا نظر نظرة فاجأته (أي النظرة الأولى) ثم صرف بصره وقد تمكن العشق من قلبه بغير اختياره. ومن الواضح أن عليه مدافعته وصرفه عن قلبه بضده، فإذا جاء أمر يغلبه فهناك لا يلام بعد بذل الجهد في دفعه".

وقصة بريرة كما وردت في كتب الحديث كان مغيث يمضي خلف زوجته بريرة بعد فراقها له، وقد صارت أجنبية عنه، ودموعه تسيل على خديه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "يا ابن عباس ألا تعجب من حب مغيث بريرة، ومن بغض بريرة مغيثًا، ثم قال لها لو راجعته، فقالت: أتأمرني؟ فقال: إنما أنا شافع، قالت: لا حاجة لي فيه" (رواه البخاري). ومما يستفاد من هذا الحديث أنه لايكفي الحب من طرف واحد لإقامة حياة زوجية وإنما يجب أن يكون متبادلا بين الزوجين منذ بداية الزواج. وقد علق ا ابن حجر العسقلاني شارح البخاري تعليقًا على هذا الحديث: "فيه إن فرط الحب يُذهِب الحياء لما ذكر من حال مغيث وغلبة الوجد حتى لم يستطع كتمان حبها، وفي ترك النكير عليه بيان جواز قبول عذر من كان في مثل حاله ممن يقع ما لا يليق بمنصبه إذا وقع بغير اختياره".ولا دواء لعشق الحبيبين عير الزواج . وقد نقل عن عمر بن الخطاب أقوله : "لو أدركت عفراء وعروة لجمعت بينهما" وعروة عاشق عذري وعده عمه بالزواج من ابنته عفراء بعد عودته من سفر للتجارة، ثم زوجها لرجل من الأثرياء.

ويقول ابن القيم في موضع آخر: "العشق لا يُحمد مطلقًا ولا يُذم مطلقًا، وإنما يحمد ويذم باعتبار متعلقه؛ فإن الإرادة تابعة لمرادها، والحب تابع للمحبوب. فمتى كان المحبوب مما يُحبُّ لذاته، أو وسيلة توصله إلى ما يُحبُّ لذاته، لم تذم المبالغة في محبته، بل وتُحمد. وصلاح حال المحب كذلك بحسب قوة محبته.

وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن رجلاً قال: "يا رسول الله في حجري يتيمة قد خطبها رجل موسر ورجل معدم، فنحن نحب الموسر وهي تحب المعدم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لم نر للمتحابين غير النكاح".

عقلنة الحب :؛

وتتفق الثقافتان العربية والغربية في اعتبار الحب أو الغريزة الشبقية ظاهرة نفسية قابلة للتعقيل. وهنا تختلف الثقافتان أيضا فيما يعنيه التعقيل أو العقلنة بالنسبة لكل منهما. الثقافة الغربية تقصد العقلنة الفهم بينما الثقافة الإسلامية تقصد بالعقلنة سيطرة العقل علي الظاهرة النفسية سيطرة تروم توجيهها الوجهة الصحيحة وليس بغرض منعها أو منع تطورها ونموها. عندما كتبت شابة هي بمثابة ابنتي تعرب عن رغبتها لآن تفلت من رقابة العقل لتعيش ولو للحظات ما تريده ودونه أن ينتبه لها العقل فيخنق رغبتها ، قلت لها إن هذا فهم خاطئ لدور العقل . لأن العقل لا يخنق رغباتنا ولا يجب أن يفعل ، وإنما وظيفته الأساسية هي كيف نحققها دون أن نلحق الأذى بأنفسنا. وبالنسبة للحب فهو الذي يملكنا ولسنا نحن الذين نملكه ولذا طلب النبي من الله أن يعذره فيما لا يملك وهو يقصد بذلك الحب لإحدى زوجاته أكثر من حبه للباقيات. والعقل يقتصر دوره علي توجيه مشاعر الحب نحو الإشباع الكامل لها في نطاق الزواج والبعد بها عما حرمه الله وتدينه الأعراف ، فإذا كان الحب بين من لا سبيل إلى زواجهم تم المحافظة عليه بواسطة العقل في حدود مقتضيات العفة والاحتشام.

. فالرجل المحصن والمرأة المحصنة علي كل منهما الا تعدو عيناه زوجه ويعينه علي ذلك غض النظر وان حدث ، كما جاء في حديث لرسول الله صلي الله عليه وسلم ، أن رأى الرجل امرأة أعجبته واشتهاها أن يذهب علي الفور الي زوجته وسيضاجعها ليطفئ الشهوة العارضةالتي ألمت به ولتظل زوجته فقط موضع اشتهائه ، ونفس الشئ يمكن قوله للزوجة إن رأت رجلا غير زوجها فاشتهته عليها أن تعود علي الفور الي بيتها وتطلب من زوجها أن يواقعها.

تآلف الأرواح في الحب:

ويقول الشيخ حامد بن عبد الله العلي : عن معنى حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم : " الأرواح جنود مجندة ، ما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف "، أ أن بينها اتصالا ، فإن وجدت الروح أختها متلائمة معها تآلفت معها ، وإن وجدتها متنافرة اختلفت ، ولهذا يجد الإنسان روحه منجذبة نحو آخر ، ولا يدري ما السبب ، وذلك إنما هو من تعارف روحيهما ، كما يحدث العكس . وأرواح الصالحين تتعارف لما فيها من تجانس الطهارة ، وأرواح الشياطين ، شياطين الانس والجن تتلائم أيضا لما بينها من تجانس النجاسة . ولهذا قال تعالى عن المؤمنين ( وألف بين قلوبهم )، وقال عن شياطيــــــــن الانس والجــــن ( هل أنبئكم على من تنزل الشياطين تنزل على كل أفاك أثيم ) ، وقال ( وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا) . ويشعر المؤمن إن خالط أهل الفجور بنفور ووحشة ، ذلك أن روحه استثقلت أرواحهم الخبيثة.

بالطبع يخرج عن تصـورنا هنا أن تحب مسلمة مؤمنة مشركا أو أن يحب مؤمن مشركة أو أن يحب أي منهما من يعادي الله ورسوله حتى وأن كان محسوبا عل مجتمع المسلم