أحداث طارئة في المغرب .. لها مابعدها
اعفاء ملك المغرب لوزيره في الداخلية لم يكن نتيجة غضبة عابرة عليه ، أو شك في اخلاصه وولائه له، أو مناورة سياسية , وانما جاء نتيجة تراكم أخطاء محسوبة عليه لم يكن بامكان النظام تحمل نتائجها وتبعاتها. ورغبة من الملك أيضا في اعادة تأهيله ، خلال فترة زمنية مقبلة ، يمكن بعدها اسناد مهام أكبر اليه.
فوجئ الرأي العام المغربي مؤخرا باعفاء الملك محمد السادس للسيد/فؤاد علي الهمة من منصبه كوزير مفوض في وزارة الداخلية وكان يعتبر الرجل الثاني في المملكة بعد الملك مباشرة من حيث القوة والنفوذ والصلاحيات ، والذراع الايمن للملك في تدبير الشأن المحلي والسياسة الداخلية .
تم تفسير الاعفاء رسميا بأنه بناء على رغبة الهمة لكي يتسنى له المشاركة في الانتخابات البرلمانية القادمة التى ستتم في السابع من شهر سبتمبر/ايلول القادم.وفسر العديد من الصحافيين والسياسيين الحدث المفاجئ الذي لم يكن متوقعا من أحد على الاطلاق بأنه تمهيد لاسناد حقيبة الوزير الأول اليه بعد الاعلان عن نتائج الانتخابات في منتصف سبتمبر/أيلول القادم والتى سيتم تشكيلها واختيار وزيرها الاول وفقا لنتائجها.
أما الرجل المقال أو المستقيل فقد صرح ، وأخاله صادقا، بأنه لاينوى أن يشغل خلال السنوات الخمس المقبلة أي منصب رسمي وسيكرس وقته للانتهاء من اعداد أطروحة الدكتوراه في العلوم القانونية والسياسية وتقديمها الي كلية الحقوق بالاضافة الى خدمة أبناء دائرته الانتخابية التي سيرشح نفسه فيها.وأكدهذا ايضا لمن التقي به .
تصريح الرجل بأنه لن يشغل أي منصب رسمي خلال السنوات الخمس المقبلة ، أي خلال الدورة البرلمانية المقبلة، والذي لم يأخذه أحد علي محمل الجدأو يتم تصديقه، قد يكون هو المفتاح الحقيقي لفهم ابعاد الحدث .فهويوحي بوجود خلاف داخل دائرة صنع القرار حول مدى صلاحية الرجل في الاستمرار في شغل وظيفته حاليا انتهي الي القول بضرورة اتاحة الفرصة له لاستكمال دراسته وتعزيز معارفه من التاحيتين النظرية والعملية في الشئون السياسية والاستراتيجية علي حد سواء.ويعني أيضا أن ماأبداه الرجل من وجهة نظر حول سبل تدبير المرحلة المقبلة سياسيا كانت تواجهها وجهة نظر أخرى اعتبرت الاكثر نضجاوحكمة وفاعلية
ويمكن التكهن في هذا الصدد بأن وجهة نظر الرجل كانت تعتمد على مقولة:ليس في الممكن أفضل مما هو كائن وأن وجهة النظر الاخرى التي ساندها الملك كانت تروم احداث تغيير ، ولو شكلي ، في المشهد السياسى يوحي بأنه يتحرك وليس راكدا لايفرز جديدا. وعلي نحو يضمن استقرار أفضل ويوسع دائرة المناورة السياسية في الداخل والخارج بما يتيح فرصا أفضل للحركة من المتاحة حاليا.
يستطيع الباحث أن يتوصل الي ذلك باستحضار واقعتين إحداهما سابقة علي الاقالة والثانية تعود الى بداية العام الحالي 2007.
القريبة منهما بدأت باعلان وزارة الداخلية درجة الاستعداد القصوى لمواجهة أحداث ارهابية محتملة. تبع ذلك قيام صحيفة اسبوعية بنشر وثيقتين سريتين بأن هذا القرار المعلن عنه ترتب علي اخطار وارد من أجهزة أمنية أجنبيةوالايحاء بالتالي أن هدف قرار الداخلية سياسي وليس أمني .بتفتيش منزل الصحافي الذى نشر الوثيقين والتحقيق معه اتضح أنه تم تسريب كم من الوثائق اليه بواسطة عناصر من الجهاز الامنى. وفد وجهت للصحافي تهمة حيارة وثائق مسروقة وقدم للمحاكمة بناء علي ذلك.تسريب هذه الوثائق من داخل الأجهزة الامنية وبواسطة عناصر فيها لايدل فقط علي التسيب وعدم الانضباط والاهمال في حفظ الوثائق السرية وانما يدل ايضا علي استياء لدى تلك العناصر من سياسة الوزير التى تتسم بالخلط بين ماهو سياسى وماهو أمنى وفي حالة اذا ماأثار تصرفها تعزيز شكوك أثارتها بعض وسائل الاعلام عن احتمال تورط بعض الاجهزة الأمنية في تدبير أعمال وصفت بالارهابية لتحقيق أغراض سياسية، فان هذه الشكوك لو انتابت الملكـ، حتى ولو لم يملك ادلة لاثبات صحتها، فانه لن يبقي وزيره في الداخلية ساعة واحدة.اذا في جميع الحالات.كان من شأن هذا الحدث أن يضع الوزير فى موقف حرج شديد.
كان يمكن لهذه الحادثة أن تمر ويتم تطويقها لولم تحاول الاحزاب المشاركة في الحكومة أن تستغلها لصالحها بسذاجة وانتهازية عمياء مفرطة لاظهار تضامنها مع الوزير في المشكلة التي يواجهها وكسب تضامنه معها في الانتخابات التي أمست علي الابواب وتخشي هذه الأحزاب من نتائجها التي قد تأتي علي خلاف ماتشتهيه خاصة وأن جميع استطلاعات الرأى التى أجرتها مؤسسات أجنبية ومحلية تشى بأن النتائج لن تكون في صالحها. وأن قوى سياسية أخرى بديلة مرشحة لكي تحل محلها في المقاعد الوزارية.
لذا من المحتمل جدا أن تدخل الاحزاب المشاركة في الحكومة في أمر هو بين الملك ووزيره كان سببا في التعجيل باعفاء الوزير. ونقول التعجيل لانه من الواضح الان أن هذا القراركان قد اتخذ منذ أكثر من ثمانية أشهر ومتوقف على تحديد وقت تنفيذه، حيث لم يعين الملك خلفا للوزير المقال وانما انتقلت جميع صلاحياته لوزير الداخلية الحالى السيد/ شكيب بنموسى ، والذى اعتاد رؤساء الاحزاب المشاركة في الحكومة الايقيمون له وزنا من قبل، ولاتوجد لهم علاقة به، ولم يلتزم لهم بشىء ، كان يحضر لقاءاتهم مع الوزير المقال ويظل خلالها صامتا وقد علت وجههه ابتسامة يمكن تفسيرها اليوم بأنها كانت ساخرة. حتى ظنوا أنه لايحسن الكلام. لقد شهد لوزير الداخلية الحالي بنموسي كل من محمد الساسي ومحمد حفيظ القياديين بالحزب الاشتراكي الموحد المعارض عندما التقي بهما في حضور الوزير المقال، وتحدث معهما لعدة ساعات أبان فيها عن ثقافة واسعة وتفكير علمي مرتب ووعي بالواقع المحلي والخارجي . وتكرر نفس الشىء في اللقاء الثاني الذى رافقهما فيه قياديين اخرين من الحزب.لذا يمكن القول بأن تعيين شكيب بن موسى كان يستهدف احلاله في الوقت المناسب محل فؤادعلي الهمه.
أحزاب مكافحة الارهاب :
أجتمعت الأحزاب المشكلة للحكومة الحاليةيوم 6 غشت/آب ، قبل صدور قرار الاقالة بيومين، وأعلنت أنها شكلت فيما بينها لجنةعليا حزبية لمكافحة الارها ب والتطرف. لم توضح بالطبع كيف ستكافحه وماوسائلها وألياتها في تلك المكافحة . أضاف قادة تلك الاحزاب أيضافيما أسموه بالبيان التأسيس للجنة العليا ، أنهم قرروا الي جانب مكافحة الارهاب مواجهة القوى الظلامية والعدمية ،السيد/محمد اليازغي الكاتب الاول للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية قال : ان تأسيس لجنة عليا لمناهضة الارهاب والتطرف أملته ضرورة حماية الوطن من الأفكارالعدمية و الظلامية خاصة وأن المغرب اليوم يعيش حالة استنفار قصوى بعد الكشف عن وجود مخطط تخريبي يهدف الي زعزعة استقراره. ونقل عن أمين عام حزب التقدم والاشتراكيةالمشارك بوزير واحد في الحكومةأن المقصود بالقوى الظلامية هو حزب العدالة والتنمية المغربي المنافس لهم في الانتخابات وذو التوجهات الدينية المعتدلة وأن المقصود بالقوى العدمية هم الذين يشككون فيما أنجزته الحكومة الحالية. ولاتعنى هذه التصريحات الغريبة ، ان أخذت على محمل الجد، الاأن هذه الاحزاب تعتبر نفسها امتداد للاجزة الامنية وأنها ستمارس أنشطة ذات طابع عنفي وفاشي بواسطة تلك الآجهزة. ويزيد من خطورة ذلك أن توقيته يأتي قبل بدء الحملة الانتخابية بأقل من ثلاثة أسابيع ومن أحزاب مشاركة في حكومة أوشكت أن تنتهي ولايتها ، ورغم ذلك تعلن أنها جزء من الدولة وأنها باقية في الحكم بانتخابات أو بدون انتخابات، أوهكذا مايمكن فهمه مماأعلنته.
مايمكن أن يثير حفيظة الملك في هذا التصرف من تلك الاحزاب مايلي:
أن هذه الاحزاب ماكانت تجرؤ علي مثل هذا التصرف مالم تكن قد اتفقت عليه مع الوزير المفوض في الداخلية وبتنسيق مسبق معه.وأن الوزير يحاول بذلك أن يعزز موقفه أمام الملك بشأن موضوع تسريب الوثائق وتفديراته بوجود ارهاب يتهدد المغرب فعلا أو يشكل خطرا عليه. باظهار مساندةأحزاب الحكومة له.والملك هو الذى عينه وليس تلك الاحزاب التي لاتغني عنه شيئا.
ان زعماء الاحزاب المشاركة في الحكومة بما أعلنوه انما أعلنوا بأن الحكومة المكونة من أحزابهم ليست مؤتمنه على الانتخابات أو لن يكون بامكان الملك استبدالها بحكومة غير حزبية مؤقته تتولي الاشراف علي الانتخابات .اذ أن ماتبقي من وقت لايتبح للملك اتخاذ مثل هذا القرار. الأمر اذن فيه احراج وتحد للملك وكأنهم يقولون له سنفعل ما بامكاننا لكي نحافظ علي مواقعنا ولن يكون بامكانك منعنا.
ما أعلنته الاحزاب ويوحي بأنها باتت جزء من الأجهزة الامنية يشكل ضغطا معنويا علي الناخبين والذى قد يترتب عليه عزوف جماعي منهم عن المشاركة في الانتخابات
ولكي يتم التزوير لحسابها بواسطة وزارة الداخلية. وهو مامن شأنه أن يعرض البلاد الي فضيحة سياسية يصعب لملمتها.
يمكن أن يفهم من اعلانها بأنه محاولة للاستعانة بدعم القوى العالمية التى تشن حربها العالمية علي الارهاب بايهامها أنهم يقفون معها في خندق واحد. واذا كانوا لايتورعون من الاستنجاد بالقوى الاجنبية ضد ارادة الشعب المغربيأو في مواجهة منافسة الاحزاب السياسية لهم في الانتخابات، فقد يلجئون لها مستقبلا للاستقواء بهاعلي الملك وتغليب ارادتهم علي ارادته.
تزامن مع ذلك بمحض الصدفة أن خضع الصحافي رضا بن شمسى مدير تحرير مجلتي تيل كيل ونيشان للتحقيق في الشرطة القضائية والنيابة العامة بعد أن وجهت اليه تهمة الاخلال بالاحترام الواجب للملك بعد أن نشر مقالا افتتاحيا في مجلته نيشان تضمن عبارات مقصود بها الملك مثل فين غادي بينا ياخويا ، وهي عبارة مأخوذة عن أغنية شعبية وسبق لنفس المجلة أن جعلتها من قبل عنوانا لمقال للباحثة الاكاديمية هند عروب لم يكن يحتمله وكان المقصودبه الملك أيضا بشكل غير مباشر وتركت الباحثة من بعده المجلة.المثير هنا هو أن المجلتين محسوبتين علي الداخلية بالحق أو بالباطل ، فهذا علي الاقل مارسخ في ذهن الكثيرين خاصةبعد أن اشترى رضا بن شمسى اسبوعية الجريدة الاخرى والتي كانت على مستوى عال من المهنية والمصداقية والثقافة السياسية، لكي يقتلها ويخرجها من السوق. وهو سلوك لايلجأ اليه صحافي أو مستثمر. وانما تلجأ اليه الاجهزة الامنية للتخلص من صحيفة تعتبرها مزعجة لها. اذن صحف يتبناها الوزير المفوض في الداخليةن رباها وسمنها لكي ينتهى أمرها بالتطاول علي الملك ، هذا علي الاقل ماقد ينتهي اليه أحد المستشارين للملك.
هذا اذن هو الحدث القريب المركب الذى من شأنه أن يزعج الملك ومستشاريه والذى يتحمل مسؤوليته الوزير المقال بدءا بتسرب الوثائق وانتهاء بلجنة الاحزاب لمكافحة الارهاب ومرورا بصحيفة أو صحافي محسوب على الداخلية ومتهم بالتطاول علي الملك.
أحزاب المخبرين:
الواقعة أو الحدث الاقدم الذى يعود الي بداية العام هو نشر قائمة تحتوى علي تفاصيل عمل مجموعة كبيرة من القيادات الحزبية كمخبرين لدى الآجهزة الامنية الداخلية بعقود وبمرتبات مدى الحياة وذلك علي هيئة جلقات يومية في جريدة النهار المغربية منسوبة لموظف سابق في الخابرات لم تكن وظيفته الصغيرة كموظف تليفونات تمكنه من الحصول عليها.قدماء المخبرين من القيادات الحزبية عملوا مع الداخلية منذ استقلال البلاد أي خلال قرابة نصف قرن وزامنوا عهود وزيرى الداخلية السابقين أوفقير والبصرى وكذلك الوزير المقالفؤاد علي الهمة . وتم التركيز فيها علي حزبي الحركة الشعبية وحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية المشاركين في الحكومة الحالية. وقال من نشرت اللوائح منسوبة اليه بأن قيادى الحزب الاول تم استقطابهم للعمل مخبرين بنسبة100 في المائة والثاني بنسبة70بالمائة.لم تنشر الأسماء وانما تم نشر التاريخ الشخصى لكل شخصية وأسماء ضباط الاتصال الذين تعاملوا معه بالتعاقب حتى عام2000ولم يكن من الصعب علي القارئ التعرف علي معظم تلك الشخصيات من أول وهلة.كان نشر هذ ه المعلومات التي تعد افشاء لاسرار مهنية متعلقة بأمن الدولة دون محاسبة الناشرين دليلا علي أنه مقصودا من الجهة المالكة للمعلومات ووجود رغبه لديها لتشويه سمعة قيادات هذي الحزبين واخراجهما من الحياة السياسية وهو مالم يتحقق ويرجع الفضل في عدم تحققه الي حد كبير للسيد/ فؤاد علي الهمة . تبين هذه الواقعة التى باتت منسية رغم أنه لم يمر عليها أكثر من ستة أشهر وجود فريقين في الاجهزة الامنية أحدهما كان تحت امرة الوزير المقال وللفريقين وجهتي نظر مختلفة بشأن تدبير الحقل السياسى المغربي.وربما كان نشر هذه الوثائق انذاك ردا علي اعادة تجميع أحزاب الحركة الشعبية في حزب واحد، ومحاولة احياء حزب جديد للاتحاد الاشتراكي من الغاضبين منه بقيادة عبدالكريم بنعتيق. ولم تكن العمليتان اللتان تمتامعزولتين عن الداخلية.
خيار الاتحاد الوطني للقوات الشعبية:
يقدر أيضا أن الفريق المعارض لفؤاد علي الهمة كان يعلق أهمية علي إحياء حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية بعد وفاة زعيمه الاستاذ عبدالله ابراهيم رحمه الله والذى جمد نشاط الحزب لعدة عقود رفض خلالها المشاركة في الحياة السياسية.وكان في احياء الحزب واستيمار السمعة الطيبة التى لزعيمه الراحل ومكانته في الذاكرة التاريخية لمعظم المواطنين، وكونه حزب تاريخي سلم تاريخه من الشبهات والشوائب والباقون من أعضائه من المشهود لهم بالعفة والتدين والوطنية...كل هذه الصفات التي يتمتع بها كان بامكانه أن يسد الطريق علي المتطرفين من اليسار الذى يسمى نفسه بالقاعدي أو الجذرى والمتطرفين من المتدينين والعلمانيين علي حد سواء والاهم هو أنه سيدفع المواطنين المقاطعين للانتخابات الي المشاركة بكثافة فيها بعد أن يجدوا في ساحتها حزبا تاريخيا نظيفا يعيد لهم الثقة في العمل السياسى. وان الساحة لم تعد حكرا علي أحزاب جربوها وكرهوا السياسة بسببها أو أحزاب صغيرة لايعرفونها وغير قادرة علي اثبات ذاتها أو بيان مايميزها عن غيرها وكثيرها منشق عن اولاهاويعتبره الجمهور من سلالاتها
وأنه لايوجد في القنافذ من هو أملس.
كان هناك أيضا من يرى بأنه اذا كان العهد الجديد قد اضطر للاستمرار في تنفيذ سياسات قديمة فليميزه علي الاقل الاعتماد علي سياسيين جدد لايشكلون امتدادا للعهد الماضى في نظر المواطنين.لم يكن هذا التوجه خافيا علي كثير من السياسيين واذكر أننى سمعت أحدهم يقول : انهم يحسدوننا لانهم لايملكون تاريخا مثلنا ، وقلت في نفسى إنها نعمة الايملكون تاريخكم.
افترض هنا أنه كان مطلوبا من الهمة أن يوعز الي أصحاب الأحزاب الصغيرة الانضمام الي الاتحاد الوطني ولو علي هيئة تيارات بداخلة مشاركة في ادارته واسم الحزب ونشأته أول مرة تعني تجميع فوى متعددة فيه وكذلك دعم الحزب ماديا حتي يقف علي قدميه ومنع تجاوزات النقابة المحسوبة عليه والتى استولت علي مقار له بدون وجه حق وكأنه ميراث لها. ويمكن القول أيضا بأن وجهة نظر الهمة هو أنه ليس علي استعداد أن يطلق ماردا محبوسا في الفمفم لكي يتمدد خارجه علي نحو يفقد فيه السيطرة عليه. وممازاد مخاوفه مما اعتبره مغامرة غير محسوبة كراهيته المتأصلة لحزب العدالةوالتنمية المغربي وخشيته أن يتحالف مع الاتحاد الوطنى للقوات الشعبية وقد يفتح ذلك المجال لتحالف غير متوقع مع حركة العدل والاحسان .فطالما أن أعضاء الاتحاد الوطني وأولادهم الذين يحيون الحزب الان من المتمسكين بالقيم الدينة والاخلاقية فكل الاحتمالات حاضرة. موقف بن همه هذا يمكن أن يفسره خصومه بأنه دليل علي عدم الثقة في النفس وضعف الحيلة الناتجان عن محدودية المعرفة والذكاء.
.
الجمع بين الفط والفأر:
كانت وجهة نظر الوزير المقال بأنه اذا باءت جهوده بالفشل في منع حزب العدالة والتنمية من العمل السياسى أو من حرمانه من الحصول علي نتائج جيده في الانتخابات فيجب أن يشاركه في الحكومة حزب كاره له مثل الاتحاد الاشتراكي. لذا سنلاحظ أنه عندما لم تنجح محاولاته في اختراق الحزب الا في استفطاب عدد محدود لايتجاوز عدد أصابع اليدين ، وهو مازاد من حنقه علي الحزب،جعل من مهمة هؤلاء ، والتى نجحوا فيها، هو نشر قناعة داخل الحزب بأنه من المحتم علي الحزب ان اراد المشاركة في الحكومة التحالف مع الاتحاد الاشتراكى ويجب النظر اليه من الان كشريك مستقبلي لنا بحيث يتم تفادى أي مشاكل معه. هذا بينما كان الحزب الاخر قد جند اربعة أو خمسة كتبة خصصهم لهجاء العدالة والتنمية كل صباح علي صفحات منابرمعينة. وفي بعض الامسيات يستضيفهم التليفزيون المغربي بصفتهم خبراء في الارهاب أو في الجماعات والاحزاب الاسلامية لقراءة ماكتبوه من قصائد هجاء جديدة مدفوعة الثمن مقدما.
ليس من الصعب ألتكهن أيضا بأن الملك لم يكن من الناحية النفسية يرحب بأن يرى زعماء هذه الاحزاب في أية مجالس وزارية مقبلة وقد أبان عن امتعاضه من بعضهم في مناسبات من قبل وأن ذلك يرجع لسبب نفسى مؤداه معرفته بعلاقتهم الوثيقة السابقة بادريس البصرى وايضا بوجود شبها تحيط ببعضهم بأنه كان متواطئا مع الجنرال أوفقير في انقلاباته العسكرية أو علي الاقل كان علي علم مسبق بها. ولم يفعل الوزيرالمقال الذى كان يحاول امساك العصا من الوسط
أكثر من أن طلب من رؤساء الأحزاب عدم ترشيح نفسهم في الانتخابات المقبلة.وانصاعوا له فعلا.علي أن يطلب من باقي الاحزاب الأخرى ذلك وفي الحد الادني لايرشحون أنفسهم في الدوائر الى تعتبر مسفط رأسهم ومضمونة لهم بحكم العصبية ومايفدمونه من خدمات لاهاليهم وقد فعل ذلك. وربما كان امتناع الدكتور سعدالدين العثماني عن ترشيح نفسه في أكادير وترشيحه لنفسه في الدار البيضاء، والذى فسره بعامل القرب ، كان نتيجه لذلك.
سوء التقدير والتصرف:
هناك أسباب أيضا تتعلق بتقدير مصادر وحجم المخاطر والتي يمكن أن تكون قد اختلفت فيها وجهات النظر أيضا، ومنها علي سبيل المثال فشله في التعامل مع حركة العدل والاحسان عندما راح يلاحق ماتسميه الجماعة بمجالس النصيحة واعتقال المشاركين فيها والحصول على بياناتهم ثم اطلاق سراحهم واعتبر انذاك أن حصوله علي تلك المعلومات والبيانات مكسبا استخاراتيا هاما.وكانت الجماعة كلما عقدت اجتماعا في مدينة وتصرفت أجهزة الامن معها علي هذا النحو عادت وعقدت اجتماعا اخر مماثلا في مدينة أخرى وتعرض لنفس الاحراءات وهكذا بدون انقطاع حتى تعجب الناس مما اعتبرونه دليل غباء من الجماعة التي تتيح لقوات الامن معرقة كل المنتسبين اليها.اتضح عكس ذلك وأن الجماعة تعمدت ذلك عن ذكاء وبصيرة فمن اعتقلوا وهم يعقدون مجالس النصيحة كلهم معروف سلفا من أجهزة الامن وقد تم شغل تلك الاجهزة بألف أو الفين من االمعروفين لكي يتحرك ألاف أخر من غير المعروفين بحرية وأمان. اتضح هذا عندما اعيد تحريك الدعوى ضد السيدة ندية ياسين فتوجه الي قاعة المحكمة حوالي 300محام شاب غير معروفين بصلتهم بالجماعة لامن الامن ولا من سواه.كما اتضح أيضا، ولعل جهاز الامن الخارجي يكون قد اكتشفه، من أن لجماعة العدل والاحسان لها حضور عريض في وسط الجاليات المغربية فى أوروبا وكندا. ولعل ذلك كان سببا في التراجع عن قرار تمثيلهم في البرلمان وأشراكهم في الانتخابات القادمة بتنظيم لجان انتخابية في الدول التي يتواجدون فيها خوفا من تصويتهم لحساب العدالة والتنمية كما حدث عام2002 رغم أن مياه كثيرة جرت تحت الجسر منذ ذلك الوقت وانما الارجح هو دخول معظم المرشحين مستقلين وهم أعضاء في الجماعة .
لم يكن هذا الاكتشاف المتأخر في صالح الوزير المقال وكان مبررا للفريق المنتقد لنهجه والذى يرى مساندة حزب العدالة والتنميةوتعزيز وجوده المحلي.عوض محاربته له وتعامله مع قياداته بقدر من الصلف والازدراء وعدم الاحترام هو ماكان يجب عليه عمله . وذلك لخلق توازن بينه وبين العدل والاحسان ،التى أعلنت أبنة مرشدها تحبيذها للنظام الجمهوري، أو الاخلال بالتوازن لصالحه إن أمكن. باعتباره حزبا معتدلا يعتبر موالاة النظام والمحافظة عليه من ثوابته.بل يمكن القول هنا بأن ملاحقة السلفيين لم تكن بسبب اشادتهم باسامة بن لادن مما اعتبره الوزير مساندة للارهاب وانما حقيقة الامر أن هؤلاء السلفيين ررغم عدم اهتمامهم التقليدى بالسياسة والانتخابات قد شوهدوا يصوتون لحساب العدالة والتنمية في انتخابات 2002 السابقة. وشاء الوزيرأن يعمل علي حرمان الحزب من أصواتهم والايقاع بينهم وبينه وهو مانجح فيه بالفعل.ونجح أيضا في الايقاع بينهم وبين العدل والاحسان التى تقاطع الانتخابات لكن منتسبيها صوتوا أيضا لحساب العدالة والتنمية في عدد من المدن عام2002.
تجاوز الاختصاصات والتفويض:
هناك أيضا خروج الوزير المقال عن حدود التفويض الممنوح له وذلك بمحاولاته مد نفوذه الي المجال الاقتصادى الذى لاشأن له به والتي توجد فيه شركة أونا الشبه مملوكه للآسرة المالكة وتراقب نسبة كبيرة من الاقتصاد الوطني ويوجد فيه أيضا مقاولون مرتبطون بأونا علي نحو أو اخروهو مايعد خروجا على التفويض وتجاوزا لاختصاصاته.كان من شأن ذلك أن يتصادم مع أونا ومن معها وأن يخشى هؤلاء من تحوله الي نسخة جديدة من ادريس البصرى.وكان الشائع فعلا بأن قؤاد علي الهمة أثبت أن مدرسة البصرى باقية كماهي بدون تغيير فيماعدا تغيير اسم الناظر فقط من البصرى الي الهمة ومن رجل كان مشكوكا في ولائة للملك الى رجل من المقربين للملك . فيما عدا ذلك ظل كل شيء علي حاله. ولم يكن الملك راضيا علي ذلك ايضا.
مساوئ التحالف بين الامن والقضاء:
هناك أيضا التحالف القائم بين وزارتي الداخلية والعدل والذى يؤكد أيضا استمرارية مدرسة البصرى وأن عهده باق وان زال هو عنه. وجهاز القضاء يوجد علي رأسه وزيرا تابعا لحزب الاتحاد الاشتراكي . وقد ترتب علي هذا التحالف، الذى اتخذ شكلا متطرفا ولايتواءم مع التحولات التي شهدها المغرب ولا التي شهدها العالم، ترتب عليه أن زادت سمعة القضاء المغربي سوءا وزاد الحديث عن فساده وعدم استقلايته وتوجيه انتقادات علنية له في الصحف المحلية ومن قبل المنظمات الحقوقية والسياسية الدولية. وهو الامر الذى يعد زاد عن حده وبات لايسىء لسمعة المغرب فقط وانما يزعج أيضا المستثمرين العرب الذين يبذل الملك كل ماأمكنه من جهد لاحتذاب رؤوس أموالهم واقناعهم باستثمارها في المجالين العقارى والسياحى علي أمل أن تحل المشروعات السياحية معضلة البطالة التي استفحلت. وسيلاحظ أن القضاء لم يسلم من انتقادات الملك في خطاب العرش الأخير.
ولايتوقع من الملك أن يبادر الي فض ارتباط تقليدى وقديم بين جهازي الأمن والقضاء يعود في بديته الي بعيد الاستقلال وتأسيس الجهازين ، وانما يتوقع منه أن يحاول ترشيد العلاقة بين الجهازين واخضاعها الي ضوابط يتم بها المحافظة على سمعة الجهازين معا وعندما يتأكد له بعد عام أو عامين أو أكثر أو أقل أنه لامقر من فصل صارم بينهماوأن اخر العلاج هو الكي سيفعل ذلك بنفسه دون أية ضغوط عليه سوى ضغط رغبته في الايتم هدم مابناه واهدار مايبذه من جهود التي يهددها بقاء فساد الجهازين الناتج عن استمرار علاقة بينهما غير قابلة للاصلاح بل تعد هي سبب فسادهما المقيم معا.
الحاجة الي سياسة مرنة:
هناك أيضا مايتوقع أن تكون عليه وجهة نظر جهاز المخابرات الخارجيةمعارضة لسياسة الوزير المقال ليس فقط بسبب الصراع بين الاجهزة للحصول علي مزيد من النقوذ ، فهذا يمكن أن يحدث ضمن أحهزة متعدده تحت ادارة واحدة مثل أجهزة الداخلية ولكن لامجال لمثل هذا التنافس بينها وبين المخابرات الخارجية ومجال عمل واشتغل كل منهما مختلف.فالجهاز الذى يراقب التطورات السياسية الدولية ومايطرأ عليها من تغييرات تزيد من غموضا احيانا وعدم توقع مسبق لما قد تنتهى اليه مع قناعة بأنها ستؤثر بشكل ما علي الاوضاع الداخلية في المغرب.
يتوقع من هذا الجهاز أن يحبذ أن يكون للمغرب سياسة داخلية مرنة ذات خيارات متعددة حاهزة وقدرة علي التحول من خيار الي اخر بسهولة ويسر.بينما يتضح من سياسة الوزير المقال في الاخلية بأنها سياسة دوعمائية جامدة ليس لها سوى اتجاه واحد وخيار وحيد ان فشل فشل معه كل شىء وتمسك الوزير بذلك النهج التقليدى الموروث أغلبه عن سلفه ادريس البصرى والذى ان كان قد صلح من قبل فلم يعد يصلح لمواجهة المستجات الدوليةويعنى أن ثفاقة وخبرة الوزير السياسة التى لاتتجاوز أسوار مدرسة البصرىلاتمكنه من القدرة علي ابداع وسائل جديدة وسياسة مرنه جديدة ذات خيارات متعددة مدروسة. هنا لايعد المشكل مرتبط بالولاء والاخلاص وانما بكفاءة خاصة يفرضها الزمن. من هنا تأتي فكرة حاجة الوزير المقال الي استكمال دراسته العليا.
لانه بتمسكه بمواقفه لايدل الا عن حاجته الي المزيد من الثقافة والمعرفة السياسية المعمقة والاحتكاك مع السياسين من خارج السلطة لاكتساب خبرة عملية من خلال البرلمان بعد أن يكتسب المعرفة والخبرة المطلوبتين يمكن اسناد مهام اليه قد تكون وزارة الداخلية مرة أخرى أو ماهو أكبر منها.
وماذا بعد؟
ان تغيير الوزير الهمة سيساهم في استعادة الثقة في الانتخابات الي حد ما ،ولكن مجيئه المتأخر جدا لن يترك أثرا مهما علي الخريطة السياسية الحالية لاعتبارات شتى. ولن يكون بامكان الوزير بنموسى تحقيق الكثيرخلال أسبوعين هما ماتبقيا فبل أن تبدأ الحملة الانتخابية. لعل هذا ماأدركه الملك وهو يلقي خطاب العرش الاخيرقبل اسبوعين . وظهر أثرة في عبارات غاضبة استعملها الملك واعتبرها البعض دليلا علي اصرار الملك علي حكم يتسم بالاستبداد وفرض المزيد من القيود علي حرية الرأى ، وهذا مايوحي به ظاهر هذه العبارات فعلا ولكن لوأخذ في الاعتبار أنها جاءت في ظل احساس الملك بالاستياء البالغ مما وصلت اليه الأمور بسبب سياسة وزيره في الداخلية المقرب منه والمحسوب عليه ، أمكن عدم المضي بعيدا في تأويلها على النحو السابق. خاصة وأن الملك لم يتخذ أي اجراءات ضد من انتقد هذه العبارات واحتج عليها وأدانهاوأعطاها تلك الدلالات. يمكن اذن اعتبارها ناتجة عن حالة نفسية عارضة ولاتمثل ارادة مختلفة او نهجا سياسيا مغاير لماسبق أن تعهد به من قبل.
على اثر اقالة الوزير السابق مباشرة طلب من وزير العدل أن يبلغ الاحزاب ، وخاصة الاحزاب المشاركة في الحكومة ، بعدم تنظيم حملات وتجمعات انتخابية سابقة لاوانها ومخالفة للقانون .وأن أي مخالفة من هذا النوع سيتم التصدى لها. بدأ بالفعل تنفيذ ذلك حيث تم التصدى لتجمعات محدودة لحزب الحركة الشعبية في اليوم التالي.هذا الحزب، الذى يعتبرنفسه حزب المخزن ومكون من أبناء المخزن من مقدمين وفواد وبشوات وعمال وعسكريين وأمنيين سابقين، لم يستوعب أو يقبل أن يكون عرضة لتطبيق القانون عليه مثل غيره من الاحزاب، أوأن ثمة تغيير حدث. فعقد اجتماعا في اليوم التالي حضره رئيس الحزب المحجوبى احرضان وامينه العام محند العنصر وعدد من مرشحي الحزب. ويبدو أن وزير العدل عاود الاتصال به لتنبيهه أن مايمارسه مخالف للقانون. وأنه ربما لم يتم اتخاذ اجراء ضده هذه المرة باعتباره وزير في الحكومة وله احترامه وحصانته. فما كان من السيد محند العنصر الا أن ثار وندد أمام الحضور باستفزازات حزبه من قبل وزير العدل، وهو الامر الذى يليق مع حزب مشارك معه في الحكومة. وأنه ان استمرهذا الامر سيضطر الي أن يعلن انسحاب حزبه من الانتخابات. في اليوم الموالي قام عمدة مدينة الرباط بعقد اجتماع في منزله مع 80 فردا نقلهم اليه بسيارات تابعة للمقاطعة الحضرية، ففوجئ المجتمعون معه بقوات الشرطة تحاصر القيلا وتلقي القبض علي الجميع وتنقلهم في نفس السيارات التى أتوا بها من قبل الي مقرات الشرطة للتحقيق معهم .ومن ضمنهم العمدة عمر البحراوى رغم تمتعه بالحصانة البرلمانيةوأقر أحد موذفي الجماعة الحضرية الذين حضروا الاجتماع عند التحقيق معه بأن العمدة قد طلب منه أن يدفع 150 درهما لكل ناخب يبدى استعداده لمنحه صوته في الانتخابات..وهذا موجز مانشرته يومية الصباح المغربية الصادرة صباح السبت11 غشت/اب الجارى.لم يقرر السيد/ محند العنصر الانسحاب من الانتخابات ولو فعل فلن يجد من يهتم بمطالبته بالتراجع عن قراره.
ويعد اعلان اعفاء الوزير الهمة وربط القرار برغبته في ترشيح نفسه في الانتخابات البرلمانية رسالة موجهة لجميع وزراء الحكومة الحالية الذين رشحوا أنفسهم مثله وقبله في نفس الانتخابات أن يطلبوا اعفائهم أيضا، وهم مالم يحدث حتي الان. لذا فانه من غير المستبعد أن تكون المفاجأة الجديدة هى اقالة الحكومة ولو قبل اجراء الانتخابات بيوم أو بيومين وهو الامر أيضا الذى يعتبره الوزراء مستحيلا بسبب ضيق الوقت دون ان يمنع امكانية حدوثه.
ومن المتوقع أيضا أن يتم اعفاء عدد من كبار المسؤولين الامنيين والسياسيين وان علي التراخى كان الوزير الهمة متمسكا بهم مما عطل الاستغناء عن خدماتهم من قبل.
اذن اقالة الوزير لن تكون اخر اجراء توجد النية لاتخاذ وانما بداية الطريق لاتخاذ المزيد من الاجراءات والتى وان بدت من الامور العادية أو المنطقية الاأنها بالتأكيد سيكون لها تداعيات جيدة.
فوزى منصور
e-mail : fawzym2@gmail.com









أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية