المعارض الجزائري دكتور مراد دهينة يتحدث عن أوضاع بلاده
حاوره عبدالمالك حداد
(عن موقع الشهاب)
قلتم في بيانكم بمناسبة تأسيس الحركة أن الجزائر تمر بأخطرِِ مراحلِ تاريخِها الحديث وأشدِّها تعقيدًا ومأساويةً.. كيف ذلك ؟
إن من أخطر تجليات هذا الأمر، ودون الدخول في التفاصيل التي يعلمها العام والخاص في وطننا كالإستبداد والرشوة والفساد والانحطاط، هو الانزلاق نحو تهديد وحدة البلد واستقلاله ورهنه مستقبلا لفائدة مصالح ليست في فائدة الشعب الجزائري. ضف إلى ذلك إستمرار هيمنة جهاز المخابرات على السلطة الفعلية وتقزيمه للطبقة السياسية وهو يعتمد في ذلك على استحواذه على خيرات البلاد وتوزيعها حسب هواه وفتح المجال أمام النهب المقنّن مما أدى بالجزائريين إلى فقدان الثقة في بلدهم والتفرغ للمصلحة الشخصية وإن تم ذلك بطرق غير شرعية لأن الأسوة السيئة تأتي أصلا من قمة هرم السلطة. وهذا الوضع من انعدام الثقة بين الحاكم والمحكوم خطر في حدّ ذاته ويتنافي مع أي ازدهار علمي أو اقتصادي أو حضاري بل يجعل من البلد عرضة للتمزيق وما مثل العراق عنا ببعيد.
في خضم كل هذا الزخم الذي تعيشه الجزائر.. نرى انشقاقات وتنافر بين مختلف الأقطاب والتيارات في الجزائر بينما تمكنتم من جمع ناشطين إسلاميين وحقوقيين وحتى رجال من السلطة في بوتقة واحدة.. كيف تفسرون هذا التجمع ؟
إن أزمة التسعينات أفرزت حقيقة مهمة وهي أنها فضحت "إسلاميين" و"دمقراطيين" يدعمون الانقلابيين وهذا شكّل نقطة تحول هامة من حيث التصور السياسي حيث أنه أصبح لا يكفي الانتماء للحركة الاسلامية في مدلوله الكلاسيكي هو الوحيد الذي يعرّف طبيعة التكتلات بل أن مسألة النظر لشرعية السلطة والحريات أصبحت مصيرية. ثم أن النظام المخابراتي عمل دوما على الإبقاء على نموذج زائغ للطبقة السياسية، أي تقسيمها إلى إسلاميين ووطنيين ولائكيين، والعمل على توسيع الهوة بينهم بشكل لا يفسره فقط التنوع الاديولوجي. وطبعا ساهمت هذه التجمعات من جهتها – سواءً كانت واعية بذلك أم لا - في هذا التنافر. والسؤال المطروح اليوم هو هل يمكن للجزائري أن يكون مثلا وطنيا، أي يحرص على مصلحة وطنه واستقلاله، وإسلاميا، أي يعتبر الإسلام كمكون أساسي في هوية الجزائريين، وكذلك "دمقراطيا" أي يقبل بالسيادة الشعبية – وهذا دون الخوض في الاختلافات الاديولوجية للدمقراطية - ؟ والجواب الذي نراه أن ذلك ممكن بل ويجب العمل من أجله تحقيقه. ونظرا لأهمية هذه المسألة وحتى نخرج من "حرب الشعارات" إرتأينا في حركة رشاد أن نركز أساسا على المبادئ التي نراها ضرورية للوصول للحكم الراشد وهي التي في نظرنا تضمن لب المطالب الشرعية والمعقولة لأغلبية الشعب الجزائري. إن أزمة التسعينات أفرزت حقيقة مهمة وهي أنها فضحت "إسلاميين" و"دمقراطيين" يدعمون الانقلابيين وهذا شكّل نقطة تحول هامة من حيث التصور السياسي حيث أنه أصبح لا يكفي الانتماء للحركة الاسلامية في مدلوله الكلاسيكي هو الوحيد الذي يعرّف طبيعة التكتلات
إن أزمة التسعينات أفرزت حقيقة مهمة وهي أنها فضحت "إسلاميين" و"دمقراطيين" يدعمون الانقلابيين وهذا شكّل نقطة تحول هامة من حيث التصور السياسي حيث أنه أصبح لا يكفي الانتماء للحركة الاسلامية في مدلوله الكلاسيكي هو الوحيد الذي يعرّف طبيعة التكتلات
اللافت أن معظم مؤسسي الحركة من الذين طلبي اللجو في الخارج.. كيف يمكن لكم العمل في وقت يعجز معظمكم على الدخول للوطن ؟
لقد بين التاريخ أن العديد من الحركات التغييرية بادر بها مغتربون من أوطانهم. وهذا لا عيب فيه أساسا إذا توفر شرطان : الاستقلالية أي عدم الخضوع لقوى خارجية ووضع الأمر أولا وآخر في يد الشعب الذي هو داخل البلاد. ولكن لا بأس أن تكون المبادرة من أي مكان يوفر إمكانية الانطلاق بالفكرة. وفيما يخص رشاد فالأمر ذهب إلى أبعد من ذلك : فهناك العديد من الجزائريين الذين ساهموا من داخل البلاد في صياغة المشروع وسيأتي الوقت، في المستقبل القريب إن شاء الله، لظهور هؤلاء لأننا لا نريد انتهاج السرية بل نريد الجهر بمشروعنا رغم ما نتوقعه من ردود أفعال النظام وقمعه. أمر آخر وهو أن العصر الذي نعيشه بوسائل الاتصال المتوفرة جعل من العالم قرية تتسرب فيها الأخبار بسرعة الضوء.
يرى البعض أن تأسيسكم الحركة في الخارج لاجدوى له.. كونكم ستبقون عملكم خارج الوطن وبالتالي فلا تأثير لكم.. كون سبق وأن كانت هناك حركات وأحزاب في الخارج فشلت في تحقيق أهدافها.. ما هي الخطوات التي ستنتهجون لتحقيق أهدافكم والأهم من كل هذا التواصل مع أبناء الشعب الذي خاطبتموه في بيانكم ؟
نحن لا ننوي أبدا الإكتفاء بالعمل في الخارج بل إن لبّ العمل سيكون في الداخل. ونحن واعون بهذا الأمر ونظرا للتجارب السابقة لقد عملنا على وضع خطة استراتيجية في هذا السياق. ويرتكز عملنا أصلا على انتهاج التغيير اللا-عنيف لطبيعة النظام الحاكم في الجزائر ولنا خطة تفصّل هذا لا من حيث وضع حد للنظام الحالي فحسب بل كذلك لإيجاد بديل واقعي ومسؤول يحقق إن شاء الله التغيير المنشود. وعندما أقول بديل واقعي لا يعني هذا حرصنا كأفراد على استلام السلطة ولكن المساهمة الفعالة لأن تكون السلطة غدا شرعية ومسؤولة وملتزمة بدستور نابع حقيقة عن الإرادة الشعبية. ودعني أؤكد لك أن همّنا الآن ناتج من إدراكنا أن هذا التغيير لا يأتي بمجرد التمني بل يتطلب اعتماد طريقة – وهي بالنسبة لنا محسومة أي لا عنفية – ووضع استراتيجية وتنظيم في مستوى هذا التحدي. والشيء الأول الذي تريد نرسيخه لدى مناضلينا والشعب الجزائري عموما هو أن كل هذا ممكن ولا بد من السعي من أجل تحقيقه، فعندما نقول مثلا تغيير لا عنفي هذا لا يعني المداهنة والرذوخ بل أننا نعد لتصعيد ضد النظام ولكن دون استعمال العنف أو السلاح. وأعلم أن هذا يبدو صعبا تصوره بالنسبة للجزائريين الذين اعتادوا التغيير عن طريق العنف – كالانقلابات مثلا – ولكن سنبرهن إن شاء الله أن ذلك ممكن. ومن ناحية أخرى نريد فرض واقع جديد على السلطة وهو أنه من حق، بل من واجب، الجزائريين الإعلان عن تنظيم لا يعترف للسلطة بحق "الفيطو" أو الوصاية: فتنظيمنا خدمة للجزائر وطنا وشعبا ولكنه تحدّ لسلطة منبوذة!
يرتكز عملنا أصلا على انتهاج التغيير اللا-عنيف لطبيعة النظام الحاكم في الجزائر ولنا خطة تفصّل هذا لا من حيث وضع حد للنظام الحالي فحسب بل كذلك لإيجاد بديل واقعي ومسؤول يحقق إن شاء الله التغيير المنشود.
قلتم في بيانكم التأسيسي أن الحركة ليست حزبًا سياسيًّا.. هل لإدراككم أن تأسيس الأحزاب مجمد في الجزائر فكرتم في سبيل آخر ؟ رشاد ليست حزبا سياسيا لأنها لا تعترف أصلا بفرض النظام ضرورة اعترافه بالاحزاب والجمعيات، فنحن نرى أن الجزائريين من حقهم إنشاء جمعيات وأحزاب دون إذن من السلطة. فالأصل أن مجرد الإعلان كاف للنشاط وهذا للأسف غير متوفر في الجزائر. فرشاد لا تنوي التذلل للنظام وطلب الإعتماد لإنها ترى أصلا أن هذا النظام يفتقد الشرعية ولا يخدم مصلحة البلاد والعباد. ثم أن هناك أمرا آخر وهو أن رشاد في هذه المرحلة لا ترى معنى للمشاركة في انتخابات تنظمها السلطة الحالية. وخلاصة القول أن رشاد حركة سياسية تسعى أولا لتغيير النظام والمساهمة في إيجاد نظام حكم يعيد السلطة الفعلية للشعب ويحقق مفهوم الحكم الراشد الذي يعيد للمواطن حقه في الاختيار والمراقبة ويضع حدا للنهب والظلم وتعريض الدولة الجزائرية للضياع.
صاحب إعلانكم عن الحركة تعتيم إعلامي داخلي على عكس الإعلام الخارجي.. وبالتالي فإن قليل من أبناء الشعب من يعلم بحركتكم. ما هي استراتيجيتكم للتواصل مع الشعب وإيصال كلمتكم ؟
هذأ لا يقلقنا وخطتنا كانت مدروسة ولا أظن أن أحدا ينفي أن الوقع الإعلامي للفضائيات أكبر من الجرائد الجزائرية مجتمعة وخير دليل لذلك هو العدد الهائل للإتصالات - عقب الإعلان عن ميلاد الحركة - من داخل البلاد من رجال ونساء يريدون الانخراط والعمل في إطار رشاد. وطبعا هذا لا يعني أننا نهمل أو نستهزأ بالجرائد الجزائرية بل سنعمل على توثيق الصلة بها لأن فيها شرفاء حرصون على استقلالهم ومهنيّتهم ويعانون من المضايقات ولهم منّا كل التقدير. ضرورة التواصل مع الشعب الجزائري أمر مصيري ويشكل اهتمام دائم بالنسبة لنا. ومن جهة أخرى فرشاد ترى ضرورة التواصل مع كل القوى النزيهة في البلاد لإحداث التغيير، من أحزاب وجمعيات ونقابات وشخصيات وحتى من موظفي الدولة من مدنيين وعسكريين، فنحن ندرك أن التغيير لا بد أن يشارك فيه الجميع لأنه يخص الجميع وستسعى رشاد لتكون محورا فعالا يعمل بجدّ على مد هذه الجسور وتفعيلها بما يعود بالخير على بلدنا وأمتنا من خلال التغيير المنشود.
الجزائر شهدت انتخابات تشريعية في ماي الماضي ومقبلة على انتخابات تعديل الدستور والمحليات موقف الحركة من كل هذه الاستحقاقات.. ؟
هذه الاستحقاقات لا حدث وهي من سبيل الفولكلور الذي يعمل النظام من خلاله على الإيحاء بأن هناك دولة ديمقراطية والكل يعلم أن هذا هراء. السلطة الفعلية التي تتحكم في البلاد ليست منتخبة بل هي تعتبر أن الجزائر وشعبها ملكا لها وهي تمنّ على الشعب بأنها توفر له السكن والأكل إلخ.. كما أنها توضح للـ"منتَخبين" و"الوزراء" و"الرؤساء" أنها ولية نعمتهم ويجب عليهم الطاعة والولاء لهذه السلطة أولا وآخرا وليس للشعب الجزائري. وما كانت "الانتخابات" الأخيرة إلا مثلا حيا لخيبة أمل الشعب في هذه المسرحيات. للأسف كانت هناك فرصة لتجربة دمقراطية حقيقية في سنتي 1990 و1991 ولكن الانقلابيين اختاروا البطش والسطو على السلطة وقهر الشعب.
رشاد ترى ضرورة التواصل مع كل القوى النزيهة في البلاد لإحداث التغيير، من أحزاب وجمعيات ونقابات وشخصيات وحتى من موظفي الدولة من مدنيين وعسكريين، فنحن ندرك أن التغيير لا بد أن يشارك فيه الجميع لأنه يخص الجميع وستسعى رشاد لتكون محورا فعالا يعمل بجدّ على مد هذه الجسور وتفعيلها بما يعود بالخير على بلدنا وأمتنا من خلال التغيير المنشود.
بما أن الجزائر شهدت عدة أحداث ما هو موقفكم من القضايا التالية :
المصالحة الوطنية : ما هي إلا حيلة لتبييض وجوه المجرمين وتمجيد فعلهم الشنيع ولن تأتي بخير للأمة ولا مفر من إلغاء قوانينها ومعالجة الموضوع إنطلاقا من واجب الحقيقة والعدالة والذاكرة وأنا لا أقبل بمفهوم "ننسى الماضي" لأن الأمة التي لا ذاكرة لها لا مستقبل لها.
تغيير الدستور: الدستور في الجزائر ومنذ الاستقلال وسيلة في يد السلطة لترويض الشعب ويُعدّل على مقاس الحاكم وأول من يدوسه هي السلطة في حد ذاتها! لا بد للجزائر من دستور ولا يمكن أن يكون نابعا من السلطة الحالية. بل المفروض تهيئة وضع جديد يسمح للجزائريين بعقد ندوة وطنية جامعة تعد لمشروع جديد، أما ما هو على مقاس فلان وعلان فسيزول مع ذهاب صاحبه وسيعمل فقط على استدامة الأزمة.
"المصالحة الوطنية" حيلة لتبييض وجوه المجرمين وتمجيد فعلهم الشنيع ولن تأتي بخير للأمة ولا مفر من إلغاء قوانينها ومعالجة الموضوع إنطلاقا من واجب الحقيقة والعدالة والذاكرة وأنا لا أقبل بمفهوم "ننسى الماضي" لأن الأمة التي لا ذاكرة لها لا مستقبل لها.
الانتعاش الاقتصادي والتحسن المالي وسط تفشي الفساد: يا ليت الجزائر تعرف انتعاشا! فهذا كله وهم. فالجزائر لا تنتج شيئا ذا بال ولكنها تقوم على مردود النفط وهذا نعمة من الله ولكن للأسف استفاد منها اللصوص وليس الشعب، وأعلم أن هناك من يقول أن الشعب استفاد ولا ينبغي أن ننكر كل الشيء ولكن ما أقوله أن لب الخطر من الناحية الاقتصادية أن الجزائر تقوم على ثروة زائلة وأن الجزائريين ليس لهم الثقة في دولتهم وهذا يجعلهم يزهدون في العمل والاستثمار المفيد والوضع كذلك مهيأ للنهب والسرقة، ثم أن السلطة أساسا تحرص على أن تبقى "ولي النعمة" الذي يُطعم ويوفّر السكن وهي تفضّل هذا الوضع الذي لا يكون فيه المواطن مصدر الثروة وممول خزينة الدولة حتى لا يكون له الحق في مسائلة الدولة ومحاسبتها.
الواقع السياسي والإعلامي: وضع الجزائر أحسن من باقي الدول العربية ومرد ذلك أن الشعب بقيت فيه شعلة الانتفاضة وعدم الرضا بالاستبداد وإن كان ذلك قد يفتُر أحياناً. ولكن للأسف هناك طبقة سياسية وإعلامية تفضل الدوران في فلك السلطة وهي تستفيد من عطائها وتقبل بالتصفيق لها مقابل ذلك. غير أنني أعلم أنه فيه خير ضمن هاتين الطبقتين ولا أشك أنهما ستكونان مستعدتان للمساهمة في أغلبيتها في مشروع تغييري جاد لأنها تدرك – خاصة تلك التي احتكت بالسلطة – أنه لا مفر من تغيير جذري يعيد الأمل للبلاد ويحقق دولة العدل والشرعية.









أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية