|
القاعدة الأولى: فقه المصالح والمفاسد ـ القاعدة الثانية: إتباع قاعدة التيسير المنضبط ـ القاعدة الثالثة: التدرج وترتيب الاولويات.
لقب الفقيه عادة يطلق على كل شخص أو هيئة يجتهد في استنباط الأحكام وفق أصول شرعية وضوابط علمية مقررة، وبالتالي، فالفقه، هو ذلك العمل البشري الذي يستعمل العقل والنظر ، ويتخذ من نصوص الشريعة الإسلامية منطلقا وسندا من أجل البحث عن مساحة مشتركة بين النص والواقع.
وتبعا لهذه الوظيفة الكبيرة التي يقوم بها الفقه، لصالح النص والواقع، اعتبرت مساهمته ضابطا أساسيا في ضبط مداخل ومخارج الخطاب الإسلامي، [ذلك أن الأوامر والنواهي في الخطاب الشرعي متجهة إلى اكتساب المصالح المفضية إليها، والى درء المفاسد أو الوسائل المؤدية إلى درءها، والخطاب ينتج باستمرار، ولا يتوقف عن العطاء إلا بإرادة المشرع نفسه، تحقيقا لمبادئ استمرارية الشريعة، وديمومتها، واستجابتها لما جد من حوادث الناس ونوازلهم، مادام الاستـنباط يذكي العقل، ويستخرج أسرار النقل، حيث تناهت النصوص شكلا، وتابعت قضايا الكون والإنسان مضمونا، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها دون كلل ولا ملل.][ 1]
لقد استطاع الفقه الإسلامي عبر عقود من الزمن أن يكتسب المناعة والقدرة على مواجهة تطورات الحياة ومستجداتها، انطلاقا من الأدلة التفصيلية كالقرآن الكريم، والسنة النبوية، والقياس والإجماع، والاستحسان، والاستصحاب، والمصلحة المرسلة، وسد الذرائع، والعرف، وغيرها من الأدلة. واعتبر الفقهاء هذه الأدلة صالحة لانتاج قواعد ذهبية اعتبرت مرجعيات أساسية في ضبط آلية اشتغال الاجتهاد الفردي و الجماعي.
والاجتهاد بصنفيه الفردي والجماعي قائم بصورة أساسية على إدراك مقاصد الشريعة التي هي :[ الغايات المستهدفة والنتائج والفوائد المرجوة من وضع الشريعة جملة ومن وضع أحكامها تفصيلا ، أو هي "الغايات التي وضعت الشريعة لأجل تحقيقها لمصلحة العباد"][ 2].
ومن حيث السبق المعرفي في نظم المقاصد وبيانها وترتيبها وتقعيدها، نستأنس بشهادة محمد رشيد رضا صاحب كتاب الوحي المحمدي، في حق كتاب الموافقات للإمام الشاطبي، حيث قال: [يكاد يتفق جميع الذين تناولوا كتاب الموافقات بالدرس على أن الشاطبي هو مبتدع علم المقاصد كما ابتدع سيبويه علم النحو وابتدع الخليل بن احمد الفراهيدي علم العروض، وعد بذلك مجددا على مستوى الفكر الإسلامي][ 3] فيكون للإمام الشاطبي ذلك الفضل الكبير في ابتداع علم المقاصد، كما ابتدع الإمام الشافعي علم الأصول وهو، أي الشاطبي،[أول من نادى بنظرية قطعية أصول الفقه وأرسى قواعدها وفرع الفروع على أساسها][ ] وجوهر هذه النظرية هو أن كل أصل يجمع عليه الفقه ويرجع إليه في استنباط أحكامه يجب أن يكون قطعيا، وسواء قصد بالأصل الدليل من الكتاب والسنة، أم القاعدة الكلية المستنبطة بالاستقراء من نصوص الشريعة الإسلامية أو الكليات الشرعية المنصوصة.
لحد الساعة يعتبر اجتهاد الإمام الشاطبي في موضوع مقاصد الشريعة الإسلامية اجتهادا رائدا وأصيلا، حيث توسع في بيان مفهوم المصلحة، مقررا أن الغاية من وضع الشرائع هي مراعاة مصالح العباد في العاجل والآجل معًا، يقول الإمام الشاطبي: [ذلك أن القرآن الكريم أتى بالتعريف بمصالح الدارين جلبا لها، والتعريف بمفاسدهما دفعا لها][ 4].
أكيد أن الإمام الشاطبي لم يكن الوحيد الذي تكلم في فقه المقاصد، هذا الأمر قد سبق إليه الإمام أبو حامد الغزالي حينما ذهب إلى اعتبار أن مقصد الشرع هو أن يحفظ للناس عليهم دينهم وأنفسهم ونسلهم وعقولهم وأموالهم، أي الأصول الخمسة، أو الكليات الخمس أو الضروريات الخمس كما اشتهرت بذلك.
ويأتي الإمام القرافي ليضيف إلى هذه الأصول الخمس أصل "العرض" بدليل ما روي [عن عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه ذكر النبي صلى الله عليه وسلم قعد على بعيره وأمسك إنسان بخطامه أو بزمامه قال أي يوم هذا فسكتنا حتى ظننا أنه سيسميه سوى اسمه قال أليس يوم النحر قلنا بلى قال فأي شهر هذا فسكتنا حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه فقال أليس بذي الحجة قلنا بلى قال فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم بينكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا ليبلغ الشاهد الغائب فإن الشاهد عسى أن يبلغ من هو أوعى له منه][ 5].
بعد هذا التراكم المعرفي التأصيلي لعلم المقاصد، والذي حاز فيه الإمام الشاطبي بنصيب أكبر، حصلت [صحوة مقاصدية][ 6] كما يسميها الدكتور أحمد الريسوني، من حيث عقد الندوات والدورات و تخصيص عدد من الجامعات في العالم الإسلامي تدريس هذا النوع من الفقه.
تبعا لهذا الاهتمام المتزايد لفقه المقاصد، بات لزاما على أصحاب الخطاب الديني، منتجين كانوا أم مبلغين، أن يهتموا بهذا النوع من الفقه، وان يجتهدوا اكثر في مقاربة المقصدية من خلال دراسة منضبطة لخطاب الشريعة الإسلامية. وهنا تحضر بقوة مسألة الضوابط التي لا تسمح بأي تجاوز غير مبرر، ولا تساند أي انفلات، أو خروج عما هو مقدر ومعتبر شرعا. [فالتوسع في الاجتهاد المقاصدي دون ضوابط منهجية وثوابت شرعية، يمكن أن يشكل منزلقا خطيرا، ينتهي إلى التحلل من أحكام الشرع أو تعطيلها باسم المصالح والمقاصد، فتحاصر النصوص وتوقف الأحكام باسم تحقيق المقاصد والغايات][ 7].
إن فقهاء الأمة الإسلامية وعلماؤها كانوا جد متشددين في ضرورة توفر شروط قبلية لاكتساب درجة المجتهد، والانتساب إلى دائرة الفقهاء، ومنها:
[العلم بالعربية؛ العلم بالقرآن؛ العلم بالسنة؛ معرفة مواضع الخلاف؛ معرفة القياس؛ معرفة مقاصد الأحكام؛ صحة الفهم وحسن التقدير؛ صحة النية وسلامة الاعتقاد.][ 8]:
وتقاس أهلية المجتهد وكفاءته للاجتهاد، وبالتالي إمكانية الاطمئنان على رشد الخطاب الديني وصوابيته من خلال الفقرات الثلاث التالية، وإن اختلف الزمان والمكان:
القاعدة الأولى: فقه المصالح والمفاسد
درء المفسدة مقدم على جلب المصلحة هكذا قرر علماء أصول الفقه الإسلامي، وذلك من حيث اعتبار أن الضرر الذي تحدثه المفسدة يكون من شأنه تقويض أحد المقاصد /الكليات الخمس التي جاء الإسلام لحراستها وحمايتها وبذلك يكون مقدما على المصلحة باعتبارها إضافة إلى الرأسمال الذي يملكه المسلم. والخطاب الديني الإسلامي مطالب بفقه هذه القاعدة، أي أن يقدر معنى المفسدة والمصلحة ثم يقدم درء الأولى على جلب الثانية.
يعرف الدكتور حسين حامد المصلحة لغة هي: [ المنفعة حقيقة، وتطلق مجازا على الفعل الذي فيه صلاح بمعنى النفع، فيقال أن التجارة مصلحة، وطلب العلم مصلحة فهما سببان للمنافع المادية والمعنوية] ، وينقل عن الإمام الغزالي قوله: [المصلحة المحافظة على مقصود الشرع ، ومقصود الشرع من الخلق وهو أن يحفظ عليهم دينهم ونفسهم وعقلهم ونسلهم ومالهم فكل مما يتضمن حفظ هذه الأصول الخمسة فهو مصلحة، وكل ما يفوت هذه الأصول مفسدة ودفعه مصلحة][9 ]، وقد يسع مفهوم المصلحة إدراج مصالح الآخرة إلى جانب مصالح الدنيا، فلا يمكن تصور تحقيق مصالح الآخرة بدون صلاح الإنسان في الدنيا، يقول الإمام الشاطبي: [إن المقصود الشرعي من الخطاب الوارد على المكلفين تفهيم ما لهم وما عليهم. مما هو مصلحة لهم في دنياهم وأخراهم][ 10].
إذا استعملنا مفهوم المخالفة، يمكن القول ، أن المصلحة التي تخالف مقصود الشرع، ولا تتطابق مع مقاصد الشريعة الإسلامية، لا تعتبر مصلحة على سبيل الحقيقة، حتى وان بدا فيها نفع ظاهر، في المقابل، إذا كان هناك أمر مقصود من الشرع، ولكن ظاهره يبدو فيه ضرر، فهو مصلحة مقدرة من الشريعة الإسلامية. ويضرب الفقهاء هنا أمثلة بالحدود والجهاد لبيان هذا الاختلاف بين ظاهر الشيء وحقيقة مقصديته.
فالمصلحة المرسلة كمنهج من مناهج الاستدلال، يكثر الطلب عليها خصوصا، وبدرجة كبيرة، في تدبير ملف إدارة السياسة الشرعية، و سياسة الرعية، أو ما يسمى بالاجتهاد السياسي، من أجل التوصل إلى صياغة القرارات والقواعد التي لا تخالف مقصود الشريعة الإسلامية.
إن غياب النظر الفقهي مع الخبرة الميدانية يساهم الخطاب الديني في تعطيل كثير من مصالح الناس، فالاقتصار على النصوص لوحدها في سياق معزول عن الواقع ومستجداته لن يكرس إلا مزيدا من التحجر والتخلف، إلى درجة الإيحاء بكون النصوص الشرعية تقف ضد المصالح، فيتم تعطيلها باسم الشريعة، هذا من جهة، ومن جهة أخرى، نجد بعض الخطابات الدينية تكتفي بنسخ ما قيل سلفا في نازلة أو واقعة معينة حققت تطابقا مع نموذج سابق، أما ما استجد في النوازل والوقائع وتحتاج إلى اجتهاد مقاصدي، نجد أن جوابها هو القول بـ : "لا أدري"، وهذه الخطابات الدينية تنتمي في شكلها إلى مدرسة أهل الحديث التي وقفت عند النص دون التعمق الصناعي الفني في دلالته المنطقية والفنية وامكانية خلق مقاربة بينه وبين موضوع النازلة، فـ[كان دأب فقهاء هذه المدرسة إذا استفتوا في مسألة لم يرد بشأنها نص أن يقول أحدهم لا أدري ، وكانوا يعتبرون قول لا أدري نصف العلم ؛حتى سخر منهم أبو حنيفة قائلا: ليقولوا لا أدري مرتين ليستكملوا العلم كله][ 13]
فقه المصالح وتقدير المفاسد في إطار التوازن المقاصدي و التوافق الشرعي يجنب الخطاب الديني التعرض لكثير من الآفات التي قد تنحرف به عن دوره الرسالي والبلاغي، إذا رجعنا إلى تاريخ المسلمين نجد أن حركات التدين أصيبت في عمقها من جراء انحرافات لبست رداء تأويل نصوص الدين، فظهرت الفرق والملل والنحل، من قدرية ومرجئة ومعطلة ومجسمة، وشيعة وخوارج. وكل فرقة عززت خطابها الديني بنصوص نقلية محملة إياها تأويلات تخدم نفس الاتجاه، وتبرر شرعية وجوده.
إذا اعتبرنا الخبرة الميدانية إلى جانب النظر الفقهي شرطا و ضابطا في الخطاب الديني المقدم في عالم اليوم، فانه يمكن المناداة بضرورة التوسعة في مصالح الناس،الأساس الذي يدور حوله الخطاب الديني، فالتطورات التي عرفها العالم خلال القرن الماضي وبداية القرن الحالي، والتحديات التي أصبحت مفروضة على الناس، والتحولات البنيوية التي طرأت على خريطة التفكير الإنساني، أصبح لا مناص من إلزام الخطاب الديني الإسلامي بضرورة تعميق النظر في الضروريات والكليات الخمس التي تم تناولها في السابق، ليس على مستوى الإدراج التقني لبعض المصطلحات والكلمات، كما ذهب إلى ذلك العلامة الطاهر بن عاشور حينما أشار إلى تضمين الحرية والمساواة إلى جانب الدين والنفس والنسل والعقل والمال، بل أن يتسع صدر منتجي الخطاب الديني لكي يستوعب مختلف المستجدات التي تقع بين الحين والآخر، والتي لها انتماء تلقائي إلى أحد الأصول الخمسة المؤطرة لفقه المقاصد، فعلى سبيل المثال، حق الإنسان في الحياة، في المسكن والشغل والمنكح والتعليم والعلاج وحريته في المعتقد، والتعبير، والتظاهر، والانتخاب(...) كل هذه الحقوق والحريات وغيرها، ينبغي ألا تضيع أو تشوه في الخطاب الديني الإسلامي بناء على فهم قاصر لمقاصد الشريعة الإسلامية.
فانطلاقا من جوهر التكريم الذي حظي به الإنسان من عند الله تعالى ، لا يمكن تصور إلا السعة والانفتاح في أن يعيش الإنسان حرا مختارا، سميعا بصيرا، بانيا ومشيدا، ذلك أن الإنسان هو الغاية وهو الهدف من تشريعات الإسلام أولا وأخيرا. بتمكينه من حقوقه وحرياته المكفولة شرعا، تستمر الدنيا، وبحرمانه من حقوقه وحرياته، ربما يتوقف التاريخ، أو يتلكؤ في أداء أدواره ومهامه.
القاعدة الثانية: إتباع قاعدة التيسير المنضبط
وهذا هو الضابط الثاني لتجديد الخطاب الديني، ولبيانه، ننطلق من مسلمة واضحة تذكر أن الخطاب الديني في عمومه يرتكز على آيتين اثنتين: الترغيب والترهيب، وفاء للجزاء الذي أعده الله تعالى يوم القيامة الجنة والنار، الذي لن يكون إلا معبرا عن مدى التزام أحد السبيلين، يقول الله تعالى : • [إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً ][ 14]؛ • [وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَراً حَتَّى إِذَا جَاؤُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاء يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ][ 15]؛ • [وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً حَتَّى إِذَا جَاؤُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ 16].
فالمفروض إذن في الخطاب الديني أن يكون خادما لعمل الإنسان في الدنيا ومصيره يوم القيامة، مبينا مجالات العمل وما قرب إليها من فرص وإمكانيات متاحة أمامه من أجل استثمارها وتوظيفها توظيفا حسنا، وهذا هو ما يعبر عنه بالترغيب، أي حث الناس على المزيد من البذل والعطاء والتضحية، أما آلية الترهيب فيقصد بها التخويف الذي يضع قيودا على كل انفلات قد يقع باسم الدين أو غيره من شأنه مسخ معالم التاريخ الإنساني، واغتيال شخصية الإنسان.
إن إدراك مقصد الشارع من كون أن آيات الترغيب أخذت حجما اكبر من آيات الترهيب، يوفر كثيرا من الجهد لفهم الصورة التي ينبغي للخطاب الديني أن يتمثلها، ويجسدها، فالخطاب الديني الذي يبحث عن طرق التيسير والترغيب والتبشير أكثر من بحثه عن طرق التعسير والترهيب والتنفير دليل على حسن استيعاب المقاصد التشريعية للإسلام. المتأمل في نصوص القرآن الكريم وأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، سيجد أن التيسير وما يعنيه من رفع المشقة والحرج، هو روح وجوهر الشريعة الإسلامية بامتياز كبير.
يقول الله تعالى :
• [يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْر][ ]َ • [مَا يُرِيدُ اللّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَـكِن يُرِيدُ لِيُطَهَّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ][17 ]؛ • [يُرِيدُ اللّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفاً][ 18].
إذن جوهر مراد الله تعالى هو اليسر وليس العسر، التخفيف وليس التشديد، وذلك لتحبيب الدين إلى الناس، وتقوية رغبتهم فيه واقبالهم عليه، من أجل حياة طيبة مطمئنة، وعلى هذا الأساس تقررت مقاصد الشريعة الإسلامية.
لقد استطاع علماؤنا وفقهاؤنا أن يصيغوا بعض القواعد من مقاصد الشريعة الإسلامية، بيانا لروح الإسلام وجوهره و تجسيدا لحقيقة رسالته، كـ"المشقة تجلب التيسير" و"لاضرر ولا ضرار" و"الضرورات تقدر بقدرها".
إن قاعدة التيسير غالبا ما تكون تلك العقبة الكؤود لمنتج الخطاب الديني ومبلغيه، النزول منها يكون أسهل من صعودها ، بخلاف منهج التعسير والتشديد الذي تكون طريقه غير مكلفة ومتعبة لكن نتائجه غالبا ما تأتي بالويلات. وذلك بسبب بسيط مفاده أن الميسر بضوابط يحتاج إلى عملية شاقة في بعض الأحيان كجمع النصوص القرآنية والحديثية إلى بعضها البعض مع الأخذ بعين الاعتبار أسباب النزول والورود مع إعمال القواعد الذهبية في التعامل معها دون إغفال المقاصد والحكم التشريعية والبحث في مدى تطابقها مع النموذج الذي يعيشه المخاطب، سالكا في ذلك سبل التدرج والترتيب. في مقابل أن منهج التشديد لا يخرج إلا من الجعبة الفارغة، تبعا لقلة التكاليف الفقهية، وضعف الزاد المعرفي التي يتطلبها هذا المنهج، ولله در من قال : الفقه الرخصة أما التشدد فيتقنه كل أحد.
القاعدة الثالثة: التدرج وترتيب الأهداف
المتأمل في كيفية نزول القرآن وفي تسلسل أحداث السيرة النبوية يتضح له أن الإسلام كان يعيش زمانه وعصره بحداثة لا نظير لها، وبذلك لم تكن هناك أزمة لا في الخطاب ولا في أساليبه ووسائله، بحيث كان التركيز على الإقناع والمجادلة بالتي هي أحسن مع تقدير ظروف الناس وجدة تعلقهم بمعتقداتهم وعاداتهم، الأخلاق الحسنة التي كانت موجودة كالكرم والوفاء والصدق والشجاعة...زكاها الخطاب الديني ونماها، والمثال واضح في هذا المجال من قوله صلى الله عليه وسلم في التأكيد على أن خيار الجاهلية هم خيار في الإسلام إذا فقهوا، وفي المقابل نجده يتغاضى عن بعض العادات والأخلاق السيئة إذا تبين له أن ذلك سيفرق أكثر مما سيجمع، وسيبعد أكثر مما سيقرب، وسيكون حائلا دون وصول الكلمة الأصل والرسالة الكبيرة ألا وهي ترسيخ الاعتقاد الصحيح باعتباره المحدد في اختيارات الشخص وتصرفاته، لذلك كانت المرحلة المكية خالصة بامتياز لهذا الصنف من الخطـاب الديني دون الخوض في مسائل، واعطاء مواقف، واحتلال مواقع ربما تكون سابقة لأوانها.
ما أحوجنا نحن اليوم إلى إعادة ترتيب أولويات الخطاب وأهدافه مع مراعاة المرحلية والتدرج ليس على أساس استنساخ التجربة النبوية بشكلها التحقيبيي ولكن استنارة بمقاصدها وأحكامها فلكل زمان ومكان خطابه ودعوته. وأذكر ذات يوم أن شخصا جاءني ليأخذ رأيي في أمر وقع له، مفاده انه التقى بشخص لكي يدعوه إلى عبادة الله تعالى، فبادره الشخص المدعو بالحديث عن ضريح فلان بإعجاب منقطع النظير مع ذكر كرامات ذلك الولي وكيف يعرف إقبالا متزايدا وان جميع الحوائج تقضى بسببه، لكن صاحبنا الداعية قاطعه قائلا: كف عن هذه الحماقات، لو كان الأمر بيدي لقمت إلى هدم ذلك الضريح. وإني أبرأ إلى الله منك ومن كل من يحج إلى ذلك الضريح، ألم تعلم أن الله تعالى يغفر الذنوب كلها إلا الشرك به سبحانه وتعالى. وأن المشركين سيحشرون مع قارون وفرعون وأبي لهب وأبي جهل. هنا تسمر الشخص المدعو في مكانه، واخرس عن الكلام، ولم ينطق بأية كلمة، كأنه أصيب بشلل دماغي، وفي نهاية المطاف اعتذر عن المقابلة؛ وفضل الانسحاب، وبذلك توقفت "الدعوة"، وتعطلت آلية الخطاب الديني، وانتهت معه حرارة اللقاء الذي كان في وسع صاحبنا أن يوظف ذلك في خدمة دعوته وخطابه، من خلال تعزيز الثقة بينهما مع ترسيخ معنى العبادة الحقيقية بالطرق التي يفهمها المدعو دون اقتحام غرفة النشوة التي يعيش فيها جراء إعجابه بذلك الضريح وليترك للزمن حصته في معالجة ما يمكن علاجه.
إن التدرج في الخطاب الديني هو السير في مناكب الحقيقة مرحلة مرحلة، لملامسة كنهها بالعقل والإقناع. وكلما ذكر التدرج في الخطاب الديني، إلا وتم استحضار تجربته صلى الله عليه وسلم التي تكشف عن تعامله اللبق مع الناس، فخطابه المكي الذي استغرق ثلاثة عشر سنة كلها من اجل كلمة واحدة، كلمة لا اله الا الله محمد رسول الله ، هذه الكلمة إن رسخت في القلوب ونقشت فيها، كان العجب العجاب في الإيمان والمعاملة، هكذا قررت قواعد القرآن الكريم المتدرجة في أحكامها وحكمها. أما المرحلة المدنية وهي المرحلة الثانية من مسلسل التدرج، فكانت واقعية اكثر من الواقع ذاته، أي أنها عاشت مع الإنسان من حيث هو إنسان، وكيفت ظروفه وخصوصياته، وذلك كله من اجل إيجاد أرضية صلبة ومتينة لتوطيد دعائم الدعوة في القلوب والواقع، لأن القفز على المراحل، تورث ضعف الحركة وزوالها ولو بعد حين. وعلى سبيل المثال، نذكر أنه ذات يوم، [قال عمر بن عبد العزيز لابنه: لا تعجل يا بني إن الله ذم الخمر في القرآن مرتين وحرمها في الثالثة، و إني أخاف أن احمل الناس على الحق جملة فيدعوه جملة][ 19].
إن التدرج مع ترتيب الأهداف وتسطير الأولويات يجعل من الخطاب الاسلامي عنصرا ايجابيا في تناول الموضوع المراد تبليغه مرحلة بعد مرحلة، فكرة بعد فكرة، لبنة بعد لبنة، الثانية تكون تتمة للأولى، وهكذا يكتمل البناء في بسط الحقائق أمام العقل الذي لن يدخر جهدا في الاقتناع بها، والتسليم لسلطتها. وحوار النبي صلى الله عليه وسلم مع قومه، كان مثالا في اعتماد التدرج، الذي كانت بركته تغمر الزمان والمكان، من حيث القابلية والاستجابة التي كانت تحصل من الطرف الآخر ، فرب فكرة ألقيت من سلم التدرج ، توتي أكلها ولو بعد حين، بعد أن تعطى لها الفرصة في الاختمار والنضج، حتى مع الذين طبع الله على قلوبهم، كان تأثير التدرج واضحا، حيث كان الخطاب الديني مطبوعا بنفس إيجابي، يحمل بارقة الأمل، باسطا كفيه بالليل والنهار، يقول الله تعالى على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم : [قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ ، لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ ، وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ ، وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدتُّمْ ، وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ ، لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ][20].
فالحكمة إذن من التدرج هي إعطاء فرصة اكبر للآخر المستقبل للخطاب الديني للتروي والتفكر في كل مرحلة على حدة، من أجل استدراجه إلى عين الحقيقة، حقيقة الدين القائمة على الوسطية والاعتدال والتسامح والانفتاح، والاستدراج يعرفه صاحب الفوائد المشوق إلى علوم القرآن وعلم البيان، بـ[التوصل إلى حصول الغرض من المخاطب والملاطفة له، في بلوغ المعنى المقصود من حيث لا يشعر به ، وفي ذلك من الغرائب والدقائق ما يؤنق السامع ويطربه][ ]. سأل رجل أحد الدعاة المسلمين قائلا: هل يمكنني أن أكون مسلما وشيوعيا في نفس الوقت؟ قال له نعم، قال: كيف؟ قال: إذا قلت " لا اله"، قطعت نصف الطريق، بقي النصف الثاني لتقرر هل تكون معنا أم لا[ 21].
والحمد لله رب العالمين ـــــ [د.عبد السلام الرفعي،فقه المقاصد وأثره في الفكر النوازلي،ص17 و 18 افريقيا الشرق 2004 ] [د. أحمد الريسوني، الفكر المقاصدي قواعده وفوائده ، ص 13 ، منشورات الزمن ، العدد 9] [حمادي العبيدي،الشاطبي ومقاصد الشريعة،ص 131، ط1، 1401-1992، منشورات كلية الدعوة الاسلامية طرابلس] [د.حسين حامد،فقه المصلحة وتطبيقاته المعاصرة،سلسلة محاضرات العلماء البارزين، رقم 3 ، ص27،ط1، 1414،المعهد الإسلامي للبحوث والتدريب] [الشاطبي، الموافقات، ص346 ، الجزء الرابع، ط 1 ، دار ابن عفان للنشر ، 1417-1997] [موسوعة الحديث الشريف: الكتب الستة، صحيح البخاري، ص 8، الطبعة الأولى، 1420-1999، دار السلام للنشر] [د. أحمد الريسوني، الفكر المقاصدي قواعده وفوائده ، ص 7 ، منشورات الزمن ، العدد 9] [دة،رقية طه جابر العلواني،أثر العرف في فهم النصوص (قضايا المرأة نموذجا)ص 274،ط1 ، دار الفكر1424-2003] [محمد الحسني الندوي، أضواء على الفقه الإسلامي ومكانة الاجتهاد منه، ص79، ط1، 1426-2005، دار القلم دمشق] [د.حسين حامد،فقه المصلحة وتطبيقاته المعاصرة،سلسلة محاضرات العلماء البارزين، رقم 3 ، ص11،ط1، 1414،المعهد الإسلامي للبحوث والتدريب] [الشاطبي، الموافقات، ص140 ، الجزء الرابع، ط 1 ، دار ابن عفان للنشر ، 1417-1997] [د.مصطفى السباعي، السنة ومكانتها في التشريع الاسلامي، ص 430، ط4 ، 1405-1985، المكتب الاسلامي] [جريدة التجديد عدد1192 بتاريخ 11 يوليوز 2005، ص2 ] [د.محمد شريف أحمد، تجديد الموقف الإسلامي في الفقه والفكر والسياسة،ص53،ط1،المعهد العالمي للفكر الإسلامي،2004] [سورة الإنسان/ الآية 3] [سورة الزمر / الآية 71] [سورة الزمر / الآية73] [سورة البقرة/الآية 185] [سورة المائدة/الآية 6] [سورة النساء/الآية 28] [الصحوة الإسلامية بين الجحود والتطرف،يوسف القرضاوي،ص108،ط2،1992] [سورة الكافرون ] |
07 مايو, 2007 03:05 ص