تداعيات
عبد الودود في ضيافتي
أعلنت الولايات المتحدة مؤخرا عزمها على إقامة قيادة عسكرية في شمال أفريقيا في إطار حربها العالمية ضد الارهاب وبعد أن تمكنت القاعدة – على حد قولها – من التواجد في المنطقة. وأكدت الجزائر أنها غير معنية بالأمر ولن تسمح بإقامة قواعد علي أرضها رغم أن القرار الأمريكي يتكئ على مايتردد من أن الجماعة السلفية للدعوة والقتال الجزائرية التي يقودها عبدالمالك دروكال المعروف بعبد الودود قد أعلنت انضمامها لتنظيم القاعدة. ووفقا لما صرحت به السلطات الجزائرية فإن تلك الجماعة تضم بضعة عشرات من المارقين الرابضين في الغابات وشعب الجبال ، ومع ذلك يصر الذين ينتفعون من فزاعة الارهاب أن تلك الجماعة مدت نفوذها وتنظيمها الي المغرب وموريتانيا ومالي والنيجر وتشاد وباتت تشكل خطرا داهما على أمن المنطقة حول الصحراء الكبرى واستقرار دولها فضلا عن المصالح الامريكية بها.
قبل شهور قليلة اهتم مراسلوا الصحف ووكالات الأنباء بزيارة أسرة عبدالمالك دروكال ونقلت وسائل الإعلام ما عاد به المراسلون من معلومات عن عبد المالك أو عبدالودود استقوها من والده ووالدته وماتيسر لهم مقابلتهم من إخوته وأخواته البالغ عددهم أحد عشرة – أي بعدد إخوة يوسف عليه السلام – وبعض سكان القرية.
تقول المعلومات المنشورة إن عائلة دروكدال تعيش في قرية زيان من نواحي بلدة مفتاح وهي منطقة زمراعية تقع تحت أقدام سلسلة جبال الشريعة جنوب مدينة الجزائر بحوالي ثلاثين كيلومترا. ويوجد منزل العائلة في طريق موحشى صعبة المسالك .
قبل المضي في استعراض المعلومات الواردة في القصاصات التي جمعتها ، رحت أفكر في الإسم الذي أطلقه عبدالمالك علي نفسه أوأطلقه عليه رفاقه وهو :"عبدالودود" . فهو اسم شاعري لايليق بإرهابي. لماذا لم يسموه مثلا بعبد الجبار أو عبدالمنتقم أو عبدالأعلي أو عبدالكبير..؟ . أو أي اسم من أسماء الله الحسني . وماهي الدلالة الرمزية لذلك؟ .ثم دلالات أسماء الأماكن مثل زيان ومفتاح والشريعة السائدة في البيئة التي نشأ فيها عبدالمالك ، فضلا عن خصائص البيئة التي تجمع بين السهل والجبل والشجر والحجر وتأثير ذلك المحتمل علي السكان ومنهم الشاب اليافع عبدالمالك أو "مليك " كما كان يدعوه أفراد أسرته وخاصة والديه؟.
يقول أفراد أسرته عنه أنه كان شابا خجولا منطويا علي نفسه ، هادئ الطبع ، متفوقا في دراسته العملية ، شغوفا بقراءة كتب الكيمياء ، بارا بوالديه مطيعا لهما، يصيخ السمع لوالده المسن عندما يحدثه، لايقاطعه ولايراجعه، ولايظهر مللا أونفورا أو تبرما ، ولأنه – علي مايبدو – الوحيد بين إخوته وأخواته الذي تميز بذلك ، كان أحب الأبناء الى والده ، ولايأمل الأب البالغ حاليا من العمر سبعين عاما ، وصحته معتلة ، ولعل فراق ابنه الأحب الي قلبه من أسباب علته ، سوى أن يرى ولده قبل أن توافيه منيته ، ويقول: "أتمنى أن يرفع نعشي بيديه ، وأن يضعني تحت التراب مع إخوته ".
لم يعرف عن عبدالمالك أي تزمت أو تشدد في الدين. كان يواظب على الصلاة في غرفته التي اعتاد أن يخلوا فيها بنفسه ، لم يكن يختلط بأحد، لم ينضم الى أي حزب سياسي أو جماعة دينية بمافي ذلك الجبهة الإسلامية للإنقاذ ، أو يظهر تعاطفا مع أي منها ، بعد أن بدأت تتعدد عام 1989 في ظل حكم الشاذلي بن جديد.
لم يحدث أن طلب من أخواته لبس الحجاب ، ولاأن أبدى تبرما لاستماع أي من إخوته للموسيقي والأغاني.
لم يكن الكمبيوتر الشخصي قد عرفته منازل الجزائريين بعد ، ولاالإنترنيت قد ظهر وانتشر، ولايوجد دليل على توفر الشاب الصغير على كتب أو أشرطة دينية عندما قرر أن يصعد الى الجبل وهو لم يكمل بعد ثلاثة وعشرين عاما (عمره الآن 35عاما)، أي أنه لم يتعرض لأي تأثيرات فكرية أو أديولوجية أو سياسية أو دينية حرضته على حمل السلاح والانضمام الى الجماعة الاسلآمية المسلحة في صيف عام 1993 ، بعد ايقاف العسكر للمسلسل الإنتخابي الذي أعطى الفوز للجبهة الإسلامية للآنقاذ ، وبدأت فور توقيفها الاختطافات والاعتقالات والإغتيالات والمذابح . وكانت أبشع المذابح تتم خلال شهر رمضان من كل عام وتستهدف أناسا أبرياء لاتوجد أدني علاقة بالصراع المسلح بين السلطة وجبهة الانقاذ على نحو ماتعرضت له عائلات بأكملها من الفلاحين والرعاة في الغرب الجزائري تمت ابادتها رجالا ونساء وأطفالا والتمثيل بالجثث بمافيه بقر بطون النساء الحبالي ، وتعرض أيضا تلاميذ مدرسة ثانوية الي الذبح ليلا في أسرتهم وهم نيام في الداخلية. ربما كانت هذه الفظائع التي استهدفت ارهاب الشعب الجزائري واثارة الرعب والفزغ والخوف لديه هي مادفعت الشاب المنطوي الخجول المسالم الى الصعود الى الجبل ، ثم النزول منه عام 1999 بعد صدور قانون الوئام المدني وعقد الهدنه بين الجيش ومسلحي الجبهة والعودة اليه مرة أخرى بعد أن تواصلت المذابح والاغتيالات ولم تتوقف.
من الصفات الشخصية أيضا لعبد المالك ، كمايصفه شقيقه ،أنه كان أكثرإخوته وسامة وجمالا ورصانة ولباقة . أي أنه لم يكن يعاني من أي عيب خلقي يدفعه الي الانطواء والعزلة ، وانما كانت عزلته من قبيل الاعتداد بالنفس وتنزيهها من ناحيه ، ولكي يتفرغ لمراجعة دروسه والمحافظة على تفوقه في دراسته بكلية الكيمياء بجامعة الصومعة قرب البليدة.
أحد الأسئلة التي بحثت لها عن إجابة دون جدوى: لماذا عبد المالك دون إخوته الذكور التسعة هو الذي انضم الي العمل المسلح؟ وماعلاقة ذلك بصفاته سالفة الذكر؟بل أي علاقة بين هذه الجماعات المسلحة وبين الكيمياء والرياضيات والهندسة والطب حتي نجد الكثير من أفرادها ينتمون الي هذه التخصصات؟ وينبق ذلك علي الشباب الجامعي الذي ينتمي الي الجماعة السلفية المقاتلة. ولم اختارت هذه الجماعة عبد المالك دون سواه ليكون قائدها خلفا لقائدها السابق نبيل الصحراوي بعد مقتله في "بيجاية" شرق الجزائر قبل أقل من عامين؟.
كصحافي ، ومتابع لأوضاع الجزائر منذ سنوات بعيدة، ومهتم بتفسير الأحداث والمواقف والسياسات وفق علم النفس ، كنت أتمني لوأن الصحيفة التي أعمل بها أرسلتني ، لالمقابلة أسرة عبدالمالك ، وإنما لمقابلته شخصيا في الجبال التي يتحصن فيها هو ومن يتزعمهم ، وأ رى بنفسي أي تحولات طرأت عليه ، وكيف يبرر استمرار جماعته في عملياتها الإرهابية ؟ ، وأي عمليات نفذتها بالفعل جماعته وأي عمليات نسبت اليها وهي منها براء ؟، ومانوعية المقاتلين معه من حيث ثقافتهم ومعارفهم ومناهج تفكيرهم؟ . كان هذا ماتمنيته ، ومازلت أتمناه. وأعرف أنه لن يتحقق أبدا لأسباب عديدة : منها ادعاء الخوف علي حياتي والحرص عليها أو الخوف علي فقد حريتي بالشبهة ، فإذا لم أقتل قبل وصولي إليه ، أو يعتقلني الأمن الجزائري ويسلمني للأمن المغربي لكي أحاكم بشبهة النية في ممارسة الإرهاب وليس ممارسته بالفعل. فاذا كان الله لايعاقب الا علي الفعل الذي انعقدت فيه النية علي إتيانه واقترنت به ، فإن الذين يعتبرون أنفسهم أكثر عدالة من الله ، يعاقبون علي مجرد نية عابرة، حتى ولو تم العدول عنها ، أو كان من المستحيل تنفيذها، أو تم عدول صاحبها عنها بارادته الحرة، أو كانت مجرد فكرة طرأت على عقل صاحبها في لحظة قنوط أو يأس ثم تبخرت.
كنت ساهرا مع قلمي وأوراقي في هدأت الليل ، وبعد أن خلدت زوجتي وأولادي وسكان الحي الي نوم عميق ، فيما عدا بعض الكلاب الضالة والسكارى الذين يلوثون سكون الليل من حين لآخر، عندما سمعت دقات خفيفة علي الباب. نهضت لأرى أي زائر هذا الذي أتى في هذا الوقت المتأخر من الليل. وجدت أمامي شابا جميل المحيا ، رقيق العود ، ممشوق القوام، عيونه لامعة زرقتها ، يعتمر بعمامة سوداء، ويرتدى جلبابا أسودا ، حياني بتحية الاسلام وأتبعها مباشرة بالقول: "أنا أبومصعب عبدالودود الجزائري". أربكتني المفاجأة ثم تمالكت نفسي وأشرت له بيدي ليدخل الي البيت ومنه الى غرفتي دون أن أنبس بكلمة. جلس علي أول مقعد عثر عليه في الغرفة. استأذنت منه لكي أعد لنا كأسين من الشاي فأومأ برأسه موافقا، فتراجعت الي الخلف واتجهت الي المطبخ وقد ازدادت دقات قلبي وبدأت جبهتي تكتسي بحبات العرق التي تبزغ علي سطحها . عدت بعد قليل بالشاي ، وضعت الصينية علي منضدة صغيرة أمامه، التقط كأسه وراح يرشف الشاي ببطئ وسكون. سألته عن أحواله وصحته وعما اذا كان قد زار أسرته . أجاب باقتضاب. سألته عن سبب إعلانه انضمام جماعته الي تنظيم القاعدة فابتسم وسألني : وهل صدقت ذلك؟ ألست ممن ينفون وجود تنظيم بهذا الإسم حاليا؟ . ثم هذا الإعلان : كيف اعلناه وبأى وسيلة ولمن أرسلناه ونحن نتنقل مابين الجبل والغابة وليس فيهما كهرباء ولاأجهزة اتصال ولانستعمل أجهزة الهاتف المحمولة لدواعي أمننا ، هذا اذا افترضنا العثور علي واحد منها.
كان صوته منخفضا وأقرب الي الهمس ، لم تفارق شفتيه الابتسامة وهو يجيب علي أسئلتي ، بدأت أألفه ولاأشعر بالرهبة من وجودي معه، لكنني كنت مع ذلك أشعر أن حضوره أقوى من حضوري ،أشعلت لفافة تبغ تلو الأخرى ربما لأخفي توترى أو لأركز اهتمامي وأحسن اختيار ألفاظي بالقدر الذي لايزعجه .وكنت قد عرضت عليه لفافة تبغ في أول الأمر فاعتذر بأدب بأنه لايدخن . سألته : هل تظنه حراما مثلما يقول بعضهم؟ .. أجاب لم أهتم بحلته أو تحريمه ، كل مافي الأمر أنني لم أشعر بأدنى حاجة اليه من قبل ، ورفاقي لايدخنون ولاأريد أن أكون مختلفا عنهم في شئ. تذكرت لحظتها ماقاله أحد إخوته :"في وضعية الزعامة ، التي هو فيها، لاأعتقد أنه سيترك التنظيم ، حتى لوكان مفتنعا بأنه لاجدوى من الطريق الذي اختاره" . قول جعلني أفكر مجددا في أمر زعيم تفرض عليه عقيدته ألا يكون مستبدا ، أو يفرض رأيه علي من يتزعمهم أويقبل أن يكون متميزا عنهم في شئ ، كيف يستطيع السيطرة عليهم؟.
سألته عن المصالحة الوطنية وموقفه الرافض لها ، أجابني : معاذ الله أن أرفض الصلح والسلم ، كل مافي الأمر أنني أريدها مصالحة مقترنة بتحقيق العدالة. لم أسأله عمايعنيه بذلك . أغمضت عيني هنيهة وسألت نفسي : العدالة لديهم هي محاكمته والحكم بإعدامه أو قتله دون حاجة الي محاكمة ، فترى ماذا تعني العدالة لديه؟. قتحت عيني لكي أسأله عن تلك العدالة الملتبسة والتي تسمح بالقتل وإراقة الدماء بدعوي طلبها أو تحقيقها.. لم أجده في مكانه .تعجبت وقتشت عنه في باقي غرف المنزل لم أعثر له على أثر. صينية الشاى لم تعد فوق المنضدة. مالذي يعنيه كل ذلك؟
هل كان حلما؟ ..ربما ، ومن يدرى.
فوزي منصور









أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية