نوارس

فكرية، سياسية و دينيةواجتماعية

وضعية :" الفأر تحت تأثير القط "

 

  ترتبط الفئران ،مهما اختلفت أنواعها وألوانها ، بعلاقة معقدة مع القطط الآكلة لها ، تجعل الفأر ، رغم مايتمتع به من ذكاء وسرعة حركة ، إذا ماواجه القط يتسمر في مكانه، وكأن أرجله الأربع قد أصابها شلل مفاجئ أعجزها عن الحركة ، ففقد القدرة علي الهرب. فاذا لم يكن القط يتضور جوعا ، وجد متسعا من الوقت لكي يتلهي بالفأر المستسلم لمصيره بين قدميه قبل أن يبدأ في التهامه علي مهل وببرود شديد. لايحدث مثل هذا الشئ للفأر عندما يحاصره أو يطارده الإنسان ، وغالبا مايتمكن الفأر من الهرب والإفلات منه بعد أن يدوخه .

 

بالنسبة لي لايوجد حيوان صغير تزعجني رؤيته في بيتي أكثر من الفأر. وإن حدث وتمكن من دخول بيتي التمست من يبحث عنه ويطرده أو يقتله ، حيث لايمكنني البقاء معه تحت سقف واحد. واذا مارأيت فأرا ميتا في الطريق كرهت الاقتراب منه أو النظر اليه وازوررت عن مكانه مبتعدا عنه.

 

لاأعرف الحكمة من اختيار الأطباء والبيولوجيين والصيادلة لنوع معين من الفئران لإجراء تجاربهم عليه ولم يعتبرون النتائج التي يتوصلون اليها عبر النتائج الفأرانية صالحة للتطبيق علي البشر . لو كانوا قد أستعملوا القردة لهذه التجارب لكان الأمر مفهوما . فكما يقال : تحمل القردة جينات تشبه مالدي الإنسان بنسبة تزيد عن 95% .

وفئران التجارب نوع خاص أبيض اللون يشبه الأرانب الصغيرة إلا أن لديه ذيل فأر.

وقد رأيت نوعا شبيها بها أبيض اللون وبه نقط برتقاليه يربيه فلاحون فقراء شمال دلتا النيل في مصر ويسمونه:" الأرنب الرومي"، ويأكلونه مطبوخا مع الأرز ، ويقولون إنه يتميز عن الأرانب البلدية(الحقيقية) بكثرة الدسم في لحمه ، وأنه أشهي منها طعما ، وكثير التناسل . كما سمعت من فرق القوات الخاصة في الجيش المصري أنهم كانوا يأكلون اليرابيع ، وهي فأران صحراوية كبيرة الحجم ، وكذلك الثعابين ، ويعتبرون سعيد الحظ هو الذي يعثر عليها ويضمن بها لنفسه وجبة شهية يضمن بها الايقتله الجوع في الصحراء.

 

إذن هناك علاقة ودية  بين بعض أنواع الفئران والبشر، مستثني منها الفئران المنزلية ،   ولكن هناك أيضا علاقة تشابه في السلوكيات بين الفئران المنزلية العدوةوبين البشر.وأركز هنا علي ظاهرة عدم قدرة الفأر علي الحركةأو الهرب إذا ماالتقي بقط. وهي ظاهرة تبدو لي غريبة وغير مفهومة وغير متكررة مع أعداء الفأر الأكبر حجما . في حالة الفأر والأفعي يقال إن الأفعي ترش الفأر برذاذ سام يشل أعصابه فيتوقف عن الحركة فتزحف نحوه الأفعي وتبدأ في ابتلاعه حيث يتحلل ببطء داخل جوفها . أما في حالة القط فيكفي أن يراه الفأرأو يسمع صوته فيفقد القدرة علي الحركة. وهذا الشيء يمكن أن يحدث مايشبهه مع الإنسان وهو نائم تحت وطأة حلم مزعج (كابوس) ،وهي خبرة ذاتية شائعة يجد الانسان خلالها يواجه خطرا قاتلا فيحاول مقاومته والنجاة منه بالجري – مثلا- بعيدا عن مصدر الخطر أوأي تحرك يتيح له الافلات منه ، فتخونه أطرافه ولاتستجيب لإرادته ، وحاول أن يصرخ أو يستغيث فاذا بالكلمات تتوقف في حلقه ولايظهر لها صوت. إنها نفس حالة الفأر في مواجهة القط.ولايبدأ الإنسان القدرة علي الحركة والنطق الا اذا فاق من نومه وتأكد من أنه كان تحت سيطرة كابوس ولايوجد خطر حقيقي يستهدفه ، فيهدأ روعه.

في حالة الكابوس تلك لايفقد الانسان لاالرغبة ولاالإرادة . فهو يدرك أنه في خطر ويفكر في كيفية التخلص من الخطر ثم يشرع في ذلك ،  وهنا فقط بعد أن استعمل عقله واستجمع ارادته ، يجد نفسه عاجزا عن الفعل بعد أن تخلي عنه فجأة جهازه العصبي المركزي وهو في أشد الحاجة اليه. وتبرهن هذه الحالة علي أن الجهاز العصبي المركزي هو الذي يتحكم في الإنسان وليس الإنسان هو الذي يتحكم فيه. وثمة شواهد من خبرات أخرى تؤكد ذلك.

مثال لذلك ماأخبرني به بعض من شاهدوا حالات إعدام علنية في السعودية بضرب العنق بالسيف ، من أن من كانوا يأتون به لفصل رأسه عن جسده ، كانوا يجلسونه القرفصاء وقد أحنى رأسه بين ركبتيه منتظرا أن يهوى الجلاد بسيفه علي رقبته دون أن يبدى أي حركه للمقاومة ، ودون أن يكون مكبلا بأغلال تجبره على ذلك .لايمكن تفسير ذلك إلا بأن المحكوم عليه بالاعدام لحظة التنفيذ تحول الي مايشبه حالة الفأر وقد استسلم للقط كي يلتهمه. بعد أن أبى جهازه العصبي الإستجابة لإرادة الحياة لديه.

ويظهر دور الجهاز المركزي العصبي المحبط في حالات تعرض لها معظم الرجال ولو مرة واحدة أثناء مضاجعتهم زوجاتهم حيث يجد نفسه وقد هيئ نفسه لليلة غرام ساخنة وبلغت رغبته في الوصال ذروتها قد أصابه عجز مفاجئ ، ليس له سبب مفهوم، يفسد كل شيء علي نحو مفاجئ ويجد الزوج نفسه في وضعية أشبه بوضعية : "الفأر تحت تأثير القط" ولكنه عجز مؤقت لايدوم أو يتكرر. الا أنه يمكن أن يحدث عجز دائم مالم تتم معالجته طبيا بسبب تليف احدى فقرات العمود الفقري المحتضن للجهاز العصبي المركزي فيتوقف عن ارسال الإشارات اللازمة للمخ والتي يتوقف عليها نجاح الاتصال الشبقي. في هذه الحالة يقوم الطبيب بإمرار جهاز خاص علي فقرات العمود الفقري للتأكد من وجود فقرة تليفت أعصابها قبل أن يصف الدواء للمريض. وعادة يكون السبب في هذا التليف وقطع الاتصالات راجع للافراط في تدخين الحشيش.

 

بعض الكتاب السياسيين يرجعون بقاء الأوضاع المزرية علي حالها في العالم العربي والاسلامي دون تغيير الى أن من بيدهم السلطة فقدوا عقولهم أو لاتتوفر لديهم إرادة التغيير لعدم وعيهم بمسيس الحاجة اليه أو لأنه لايصب في تحقيق مصالحهم الشخصية. وقد يكون هذا التحليل صحيحا في معظم الحالات التي نلاحظ فيها حاكما عسكريا محدود الثقافة أو يتحكم فيه عسكريون محدودوا الثقافة ويفتقرون للحس الوطني ولاتهمهم سوى مصالحهم أو نلحظ علي الحاكم إصابته بجنون العظمة الذي يجعله بالفعل فاقد العقل. الا أن بعض الحالات يمكن ارجاعها الي تحول بعض من بيدهم السلطة الي فئران، حتى وإن استأسدوا على شعوبهم، أي أنهم لايعدمون العقل أو ارادة التغيير ولكنهم عاجزون بسبب عدم تجاوب مايماثل الجهاز العصبي المركزي مع رغباتهم. أي أنهم طول الوقت في وضعية : "الفأر تحت تأثير القط"وخاصة القط العالمي.

في جميع حالات العجز السياسي يتعين علينا البحث عن الجهاز المركزى العصبي في المجتمع وعلاج الحلقة المتليفة فيه من تأثير المخدرات المغيبة للعقل والمعوقة لارادة التغيير.واعادة الحيوية والفاعلية لتلك الحلقة المؤثرة في السياسة الداخلية والخارجية للدولة.

ونحن في حاجة الى مثل الجهاز سالف الذكر، لتمريره علي فقرات العمود الفقرى للمجتمع ، ومعرفة موطن الخلل. هذا الجهاز المطلوب : لن تورده لنا دول القطط .لأنه سيعيننا على مواجهتها ، واحباط خطط هيمنتها ، ويعيد لنا الثقة في نفوسنا وقدراتنا ، ويخرجنا الي الأبد من وضعية : "الفأر تحت تأثير القط". لذا يجب علينا أن نبدعه ونصنعه ونجربه الي أن ننجح في جعل رغبتنا في التغيير تتوافق مع القدرة عليه والتخلص من تلك الوضعية المشينة.

                                                          

                                                  فوزي منصور

                                        كاتب مصري مقيم في المغرب

                     Fawzy_mansour@hotmail.com

                                    

                                          

                                         



أضف تعليقا