الصورة التي نشرتها صحيفة التجديد يوم الاثنين الماضي على صدر صفحتها الأولي للمواطن المغربي حسين مرجاني وأسرته يسيرون في شوارع مدينتهم : "العروي" التابعة لاقليم الناضور وهم يحملون لافتات احتجاج يطالبون فيها بتطبيق حقوق الانسان والمرأة والطفل عليهم هي صورة فاضحة بكل المقاييس لماآلت اليه وضعية حقوق الانسان بالمغرب رغم كل مابذل من جهود في هذا الشأن ، وفاضحة أيضا للسلطات الخمس : الحكومة والبرلمان والقضاء والصحافة ومؤسسات المجتمع المدني ، ودليل علي شكلية هذه السلطات وهشاشة سلطتها.
فاضحة لحقيقة السلطة الحكومية ، لأن تلك الأسرة اقتحم عليها منزلها في منتصف الليل أفراد ينتمون للسلطة الحكومية وألقوا بأفراد هذه الأسرة المكونة من عائلها المواطن المغربي حسسين مرجاني وزوجته الحامل فريدة وأطفالهما الأربعة الى الشارع، وأغلق المقتحمون باب المنزل وحرموا على أصحابه العودة اليه . وهو سلوك لم يعهد الا في تعامل الاحتلال الصهيوني مع الأسر الفلسطينية في إطار تهويد القدس العربية . والواضح أن رجال السلطة يتوقعون أن تعمد الأسرة المغربية التي شردوها خارج نطاق القانون الى ازالة الأختام من على باب المنزل والعودة اليه لكي
يجدون بذلك ذريعة لمحاكمة رب الأسرة وسجنه. حدث هذا في ظل الحكومة القائمة وهو مايعني أنها قابلة على أن يعامل المواطنون المغاربة علي هذا النحو في دولة أراد لها جلآلة الملك أن تكون دولة الحق والقانون وهي بالتالى غير معنية لابالحفاط علي حقوق المواطنين المغاربة وتعتبرهم أغراب في وطنهم أو "غونيم" حسب التعبير الاسرائيلي وغير معنية أيضا بالتوجيهات الملكية . أو أن من يقومون بهذه الانتهاكات لايتبعونها ولاسلطة لها عليهم ولابمقدورها محاسبتهم أو اصلاح ماأفسدوه وهي بالتالي تكون حكومة شكلية
و مجرد موظفين لايملكون من أمرهم شيئا وبالتالي يعتبر وصفها بحكومة مخالف لواقعها الشاذ.
وسنفترض وجود سلطة غير حكومية فوق الحكومة والقانون وأنها فعلت مافعلت لأن رب الأسرة التي نكبتها ينتمي الى جماعة العدل والاحسان التي تعتبرها جمماعة محظورة وأنها أخذت بجريرته زوجته وأطفاله ، رغم عدم جواز ذلك شرعا وقانونا،وبصرف النظر عن طبيعة الخلاف بين تلك السلطة والجماعة وأيهما على حق ، فهل هذا التصرف اللاإنساني واللاقانوني يخدم هذه السلطة في خلافها مع تلك الجماعة؟.. جماعة العدل والاحسان يستنبط الجمهور من إسمها بصرف النظر عن حقيقة أفكارها أنها جماعة تدعو الى العدل والاحسان أي الى العدل والمزيدمن العدالة المعبر عنها بالإحسان ، وهو مايعني ضمنا أنها تعتبر ماتدعو اليه مفقود وغير موجود ، وتقتضي الحصافة والحكمة من مخالفيها في السلطة فوق الحكومية أن يثبتوا العكس لاأن يتصرفوا علي نحو يؤكد ماتدعيه هذه الجماعة ويزيد من التعاطف الشعبي معها باعتبار أن ظلمها دليل على صحة دعواها. ولكن السلطة فوق الحكومية بتصرفها على هذا النحو أثبتت أنها غير ملتزمة بتحقيق العدل وغير مكترثة باشاعة الاحسان أو التوصل اليه ، والاحسان في الدين من التقوى ومكمل للإيمان.
قد يكون من المعتاد الإختلاف علي ماهية العدل ومايندرج ضمن الإحسان أو مايعد خروجا عليه . والاختلاف بالتالي حول مفاهيم مثل العدالة الاجتماعية وعدالة التوزيع. ولكن مالاخلاف عليه هو أن تحقيق العدل في أدني مستوياته يتطلب الالتزام
بالقانون الساري المفعول مهما شابه من عيوب والي أن يتم تغييره ، ويعد أى خروج عليه من الخاضعين اليه ظلما بينا ، وجرما أيضا – جنحة أو جناية حسب القانون- تستوجب ردع المخالفين له لالزامهم باحترامه . وتصرف السلطة في هذه الواقعة لايجعلها خارجه علي القانون المكلفة بحراسته وانما يؤكد ماتدعيه هذه الجماعة من عدم وجود العدل والاحسان وبالتالي لايخدم خلافها معها وانما يخدم الجماعة ، مما يجعله مفتقرا الي حس التدبير والعقلانية.
البرلمان لايملك المنتخبون فيه سوى تقديم أسئلة الي وزراء حكومة لاتشمل ولايتها جميع مرافق الدولة ، أو تشملها نظريا ولاتتحمل مسؤوليتها واقعا، وتقبل إجابة الوزراء أيا كانت . وتأتيها قوانين غير محكمة الصياغة أو لاتراعي حقوق الانسان من الحكومة فيتم التصديق عليها على علاتها ويتم اهمال كل ما اقترح من تعديلات عليها من قبل المعارضة . وبالتالي يتحول البرلمان الي جهاز تابع للحكومة – علي علات الحكومة ذاتها – وغير قادر علي ممارسة مهامه الدستورية سواء في مراقبة الحكومة أوفي الهيمنة على تشريع القوانين ، وهو بالتالي لاينفع في حالة المواطن المغربي حسين مرجاني وأسرته.
السلطة الثالثة وهي القضاء يكفي المطالبة المستمرة منذ سنوات باصلاحه وضمان استقلاليته وماينشر عن تجاوزات لبعض المنتسبين اليه لادراك أزمته المزمنة ، ورغم نشر واقعة الأسرة المشردة خارج نطاق القانون ممايعد ضمنيا وحسب القانون بمثابة بلاغ للجهات المكلفة بحماية القانون فإن النيابة العامة لم تحرك ساكنا ولايتوقع منها أن تفعل شيئا حتى لوتقدم لها أصحاب الحق ببلاغ رسمي.
السلطة الرابعة وهي الاعلام هي الأخرى خارج التغطية . فمعظم الصحف تابعة لأحزاب وقد آثرت الصمت لسببين : أولهما أنها لاتهتم بحقوق غير المنتسبين لأحزابها وثانيهما أنها على أعتاب انتخابات تحتاج فيها الى مساندة السلطة في وقت يتعمق فيه احساسها بعزلتها عن الجمهور وافتقارها الى ثقة المواطنين بها ومساندتهم لها ولم يعد أمامها سوى الجهة التى طالما أدانت تدخلها باعتبار أن الضرورة تحل المحرمات.
يبقى مايسمى بالمجتمع المدني : ويكفي أن أضرب مثالا بماحدث في جنوب أسبانيا قبل عدة سنوات عندما اختفت طفلة أسبانية في طروف غامضة ، أمها فليبينية وأبوها أسباني، فانشغل المجتمع الأسباني كله لعدة أيام : الحكومة والأجهزة الأمنية والبرلمان والصحافة والتلفزة الأسبانية والأحزاب السياسية وجمعيات المجتمع المدني، ولم يهدأ كل هؤلاء الابعد عودة الطفلة الي أحضان أمها . فأين هذا المجتمع المدني بالمغرب وأين فاعليته إذا كان له وجود أصلا.
طالما أن هذه السلطات الخمس في حكم المستقيلة ، فلاأمل يرجي لتغيير هذا المنكر الا بتدخل من جلالة الملك ، حفظه الله ، باعتباره أعلي سلطة في البلاد كاملة الصلاحية ، ويمارس صلاحياتها دائما بحس إنساني رفيع ، وبصرف النظر عن موقف من يتدخل بشأنه ، الفكرى أو انتمائه التنظيمى ، أوحتى اسائته له ، فهكذا يكون حلم الملوك وعدالتهم واحسانهم. ولكن أيضا ليس من المعقول أن يتفرغ جلالته لمعالجة التجاوزات وتصحيح أخطاء أجهزة الدولة ، ووفقا لبعض ماينشر في الصحف : يتولد لدى المرء انطباع بأن التجاوزات والأخطاء الجسيمة التي ترقي الي مستوى مايعتبر فضائحا ، باتت تتكرر كل يوم ، وإن اختلفت أشكالها وأماكنها والقائمين بها من أفراد وأجهزة.
فوزى منصور









أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية