لايستطيع مجتمع أن يحوز القوة ، وبالتالي الكرامة، مالم يمتلك المعرفة المفتوحة والمنفتحة والمتفاعلة مع باقي الثقافات الإنسانية.
ثمة حديث نبوي يقول :"كل ابن آدم خطاء وأحب الخطائين عند الله التوابون" .ونلاحظ هنا أن لفظي : "خطاء"وتواب" جاءا على وزن "فعال" وهي صيغة وان كانت للمبالغة فهي تعني أيضا الاستمرارية . والخطاء هو :"متكرر الخطأ " والخطأ هنا مطلق الدلالة ولايقتصر علي معنى الخطيئة التي حرمها الشرع . وانما يشمل أيضا كل تفكير أو سلوك خاطئ. والتوبة عن الخطأ تعني التراجع عنه وعدم الرجوع اليه ، دون أن يمنع ذلك الوقوع في خطأ آخر ليس من جنس الخطأ الأول. واستمرارية الخطأ والرجوع عنه يعني البحث الدائم عن المعرفة الصحيحة التي لايشوبها خطأ. إلا أن تكرار الخطأ واستمرارية تصويبه يعني التعديل المستمر في المعرفة المحصلة وأنها بالتالي لم تكن المعرفة الصحيحة.هذا التعديل الذي قد ينصب علي كيفية المعرفة أو علي كمها بالزيادة في الكم او النقصان فيه .وهومايعني أن أي معرفة يتوصل لها الإنسان اما خاطئة في كيفيتها وماهيتها، أوفي كميتها فيتم التوسع في مقدارها عندما تتضح عدم كفايتها أو نقصانها ،أوعندما يتضح خطأ جزئية منها.وهذا ما يفسره حديثا الرسول:"أطلبوا العلم من المهد الى اللحد"و"أطلبوا العلم ولو في الصين".أي أن طلب العلم (= المعرفة) يجب أن يكون ممتدا علي مدى الزمان وبامتداد المكان ومنفتحا عليهما معا.وإذا كانت المعرفة مثلث له ثلاثة أضلع تتمثل في : الزمان والمكان والإنسان فان انفتاحها علي الزمان والمكان يجعلها حتما منفتحة على الإنسان (= المجتمع الإنساني).
ولقد كان طالب المعرفة زمن ازدهار الحضارة الإسلامية يجوب الأمصار يبحث عن المتخصصين في كل علم يلازمهم ويأخذ منهم ولايفارقهم حتى يجيزونه فيه كتابة .ورأينا كيف انبنت المعرفة فكرا وعلما وفلسفة في الحضارة العربية الاسلامية علي أسس معرفية تعود إلي الفرس والهنود والإغريق والفراعنة . إلا أن انفتاح المعرفة علي الإنسان، لايقف عند حد الأخذ عن معلم أيا كان جنسه ولونه وعقيدته وإنما يعني أن تنفتح المعرفة علي كافة أفراد المجتمع الإنساني بحيث لا يحتكرها نخبة قليلة ويحرم منها غالبية الناس الذين درجت هذه النخبة علي تسميتهم بالعوام تعاليا منها عليهم.
ان العمل علي بناء ثقافة مجتمعية متماسكة وموحدة هو ما كان يلح عليه المفكر الجزائري الراحل مالك بن نبي ويعتبره شرطا للنهضة واستعادة للحضارة العربية الإسلامية وهو أيضا محور فلسفة الألماني هابرماس عن العقل التواصلي الذي يتواصل مع جميع مكونات المجتمع عن طريق الحوار والنقاش محققا توافقا وتفاهما علي معرفة يمكنها أن تسود المجتمع ويتحقق حولها إجماع فيه.
والتواصلية عند هابرماس ليست أحادية الإتجاه ، إذ طالما تقوم علي النقاش والحوار فهي تعطي المجتمع وتأخذ منه أيضا .أي أن المجتمع في حد ذاته مصدرا مفتوحا من مصادر المعرفة.
إن مواصلة بحثي عن المعرفة طيلة الزمان وفي كل مكان وعند كل إتسان يعني أن كل ماأحصله منها يظل ناقصا أبدا مما يضطرني الي استكماله، واذا ترتب علي ماأضفته الي ماكان لدي من معرفة تعديل لها ، فإنه يعني أنها كانت خاطئة.
كما سبق القول : فان الانسان التواب هو الذي يتبين الخطأ في المعرفة (فكرا كانت أم سلوكا)
فيبادر الى تصحيحه، وهو لا يستطيع ذلك إلا بمزيد من المعرفة (وزيادة الإيمان تعد أيضا من قبيل زيادة المعرفة حيث قليل الإيمان ومرتكب المعاصي يعد جاهلا في القرآن الكريم )، ومهما بلغ من المعرفة فهو لن يبلغ الحقيقة فيها . لأن الحقيقة المطلقة لا يملكها سوى الله عز وجل. أما الحقيقة في المعرفة الإنسانية فتظل نسبية وقابلة للجرح والتعديل والنقد والخلاف عليها لأن الإنسان غير منزه أو معصوم من الخطأ إن لم نقل إنه مجبول عليه بنص حديث رسول الله صلي الله عليه وسلم سالف الذكر.بل يكون المطلق لديه هو الخطأ وليس الحق ( يجب الانتباه هنا الى أن الحق من أسماء الله سبحانه). وهذا ماتوصل اليه أيضا الفيلسوف النمساوي الأصل "كارل بوبر"وبني فلسفته عليه.
وأن يبقي الانسان توابا يعني أن يستمر في طلب المعرفة لأنه اذا كان بين الخطأ والحقيقة مسافة علي هيأة خط مستقيم فان المعرفة هي التي تبعد صاحبها باستمرار عن الخطأ ، وتقربه الي الحقيقة . واستمراره في طلب المعرفة، باعتبار أن لا حد لها ، يعني ضمنا استمراره في الشك في صحة ما حصله منها،لأنه لو تيقن من صحة ما لديه لتوقف عن طلب المزيد منها ولنتج عن ذلك تجمد العقل والفكر وتوقف مسيرة تقدم العلم وتطوره . وبالتالى: ترسيخ التخلف . وهذه هي في حقيقة الأمر آفة المجتمعات المتخلفة وسر تخلفها.وهو عندما يتوقف عن طلب المعرفة سيتوقف أن يكون من التوابين الذين يحبهم الله لأنه سيخطئ ويجر غيره الي الخطأ عن غير علم وبينة ونور من الله (نور الله = المعرفة الحقة).وبدون المعرفة الخاطئة والشك في أنها خاطئة لا يمكن للإنسانية التقدم على درب المعرفة الصحيحة .والتطور العلمي ليس أكثر من عملية تصحيح مستمرة للمعارف الخاطئة أو استكمال لمعرفة ناقصة. اذن بدون الشك في صحة المعرفة لا يمكن لها أن تتقدم وتتطور وتصحح نفسها بنفسها.وقد اعتبر "كارل بوبر" أن الإقرار بأن ما لدينا من معرفة صحيحا لا يعني سوى تبني عقيدة دوغمائية مطلقة تحول دون تقدم المعرفة التي من خصائص نموها وتطورها وضرورياته أن تكون مفتوحة علي المستقبل وقابلة دائما للنقد والمراجعة.
وماجاء به الوحي في كتاب الله أو على لسان رسوله الذى لا ينطق عن الهوى وانما هو وحي
يوحى هو المعرفة اليقينية التي لا تقبل نقدا أو شكا أو مراجعة أو تعديلا، الا أن فهم ما جاء به الوحي هو معرفة بشرية قابلة لأن تكون صحيحة أو خاطئة وما قدم من هذه المعرفة احتمال الخطأ فيها أكثر من الصواب لسببين : أولهما أن القرآن يكشف أسراره للناس مع تقدم الزمن وتقدم معارفهم ، وثانيهما أن صلاحية الكتاب لكل زمان ومكان تعني صلاحية مايفهمه الناس منه في كل الآزمنة والآمكنة دون أن يعني ذلك وحدة فهمهم له. ولذا فان مراجعة الفهم باستمرار على ضوء تقدم المعرفة سواء في العلوم الانسانية أوالتطبيقية يظل مطلوبا ومفيدا طالما ظل هذا الفهم في حدود أحكام الشرع ومقاصده ويحقق مصالح مرسلة للمسلمين .ولذا كان الامام أبوحنيفة النعمان يقول أنه يلتمس الرأي (الديني) من الكتاب والسنة فان لم يجد تخير من رأى الصحابة(أى أنه لم يكن يضعهم في منزلة واحدة ، بل عرف عن الامام مالك أيضا أنه كان يمتنع عن أخذ الحديث من كثيرهم مع اقراره بفضلهم) فأخذ منها وترك ، أما التابعون فهو يزاحمهم في الرأي. أي أنهم بشر مثله لاميزة لهم ولافضل يخصهم بحقوق دون غيرهم.
والمزاحمة في الرأى تعني التحرر منه وعدم التحرج من الاتيان بخلافه.ومزاحمة التابعين تجعل مزاحمة تابعي التابعين الي يوم الدين حقا لكل مفكر مسلم يؤمن أن أفق المعرفة مفتوح لايحده حد ولايقيده قيد..
والمعرفة المفتوحة هي بذاتها الحكمة التي يعنيها المولى عزوجل في قوله :" ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا"(البقرة 269) فلاسبيل للإستكثار من الخير دون امتلاك الحكمة. أي المعرفة الصحيحة الواسعة النطاق وغير المحدودة بحد أو مثقلة بقيد.وقال تعالي أيضا : " هو الذي بعث في الأميين رسولا يتلوا عليهم آياته ويعلمهم الكتاب والحكمة "(النور:31) . وتعليم الكتاب والحكمة هنا عام أيضا ، أي واجب على الجميع وحق لهم أيضا وقصره على جزء دون الكل هو انتهاك للحقوق الجماعية لهذا الكل.
والتوبة بمعني الاقلاع عن الخطأ وعدم التمادي فيه واستبداله بالحق، هو فعل ايماني مستمر ومثلما يجب أن يتم على المستوى الفردي ، وجب أن يتم أيضا على المستوى الجماعي عملا بماأمر الله به سبحانه في قوله : " وتوبوا الي الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون " فالفلاح في الدنيا لايتحقق لأمة تتمسك بأخطائها ولاتقلع عنه بعد أن يتبين لها الصواب وفق ميزاني الشرع والعقل .
مظاهرومواصفات المعرفةالمنغلقة
إذا كانت المعرفة المفتوحة ضرورية لتقدم المجتمعات الإنسانية، فمن المنطقي أن يكون نقيضها، أي المعرفة المغلقة، سببا في التخلف وفي عدم إمكانية التخلص منه.
وإذا كان أساس المعرفة المفتوحة هو الشك في صحتها، والنقد المستمر لها ، ابتغاء تصويبها بقدر الإمكان ، فان المعرفة المغلقة يواكبها اعتقاد جازم بصحتها من قبل أصحابها واعتبارهم لها غير قابلة للنقد والمراجعة.
واذا كانت المعرفة المفتوحة تكسب صفتها من عموميتها فان المعرفة المغلقة تتسم بقدر كبير من الاحتكارية من قبل نخبة مستحوذة عليها ، تاركة ماهو بدائي منها أو أقل قيمة مشاعا لدى العموم.
ولما كانت المعرفة المغلقة لدي نخبة الدول المتخلفة لابد أن تكون بدورها متخلفة ، لأنها لولم
تكن كذلك لجعلت الدولة متقدمة ، فانه لا يشفع لمعرفة تلك النخبة أنها منقولة عن دول متقدمة لنفي صفة التخلف عنها . فهي متخلفة عما آلت إليه هذه المعارف في بلدانها الأصلية وعن كيفية الممارسة العملية لقيم تلك المعرفة . وتكفي مراجعة المقررات الجامعية في الدول المتخلفة لكي نجد أن الكثير منها مؤلفات وأطروحات مضى على طبعها أول مرة أكثر من نصف قرن ولم يمسسها تغيير طوال تلك المدة. بينما يتعذر العثور على مثل ذلك لدى المؤسسات الجامعية في الدول المتقدمة.
وإذا كان من الملاحظ أن المعرفة الدينية عموما وعند السلفيين خاصة تعود في اغلبهاإلى عدة قرون خلت دون أن يطرأ عليها أي تغيير أو تطوير يدل على انفتاحها ، وبالتالي أمست في عداد المعرفة المنغلقة ، فانه يمكن وصف المعرفة المغلقة بأنها معرفة ساكنة (استاتيكية) ميتة لا تتحرك . بينما المعرفة المفتوحة تتميز بكونها متحركة (ديناميكية ) حية.
ويمكن ملاحظة أيضا بوضوح أنه الى جانب إنغلاقية المعرفة في المجتمعات المتخلفة فإنها تتخذ طابعا نظريا محضا في الأغلب الأعم ولاتكاد تطبق عمليا في الدولة ،وكما تم استيراد المعرفة النظرية الجديدة المغلقة من الغرب ، دون أية اضافة أو تعديل ، فإنه يتم استيراد تطبيقاتها العملية علي هيئة حزم تقنية مغلقةلاتكشف عن أسرارها ، تتمثل في سلع تامة الصنع تعجز الدول المتخلفة عن انتاج مثيل لها، وحتي إن أقامت مصنعا لانتاج سلع بديلة لما تستورده أضطرت أن تستورد المصنع كاملا بتقنياته ومعداته وأجهزته على أساس التعاقد : تسليم مفتاح . وإن استهلكت معدة تم استيراد بديل لها من نفس المنتج الأصلي والا توقف انتاج المصنع بأكمله وتم اغلاقه. ويمكن في الشأن مقارنة عدد خريجي الكليات النظرية في الدولة الذى قد يصل الى مئات الآلاف مع خريجي كليات العلوم التطبيقية والتكنولوجيا لنجدهم لايتجاوزون في المقابل عدة مئات أن أقل ، ثم نجد بعد ذلك أنه حتى هذا العدد القليل من التقنيين يحتاج الى تكوين أضافي واعادة تأهيل وتدريبات عملية لكي يمكن ادماجة فى أي عملية انتاجية صناعية. وأن ماتعلمه في الكلية أو المعهد التقني كان كله في حقيقة الأمر نظريا بحتا ، بينما يختلف الأمر تماما في الدول الصناعية المتقدمة. وامتلاك المعرفة بشقيها النظري والعملي ، وبكل دقائقها وأسرارها ، هو الذي يمكن العارف بها من تنميتها والاضافة اليها باستمرار فتظل دائما مفتوحة الأفق وقادرة علي تقديم الأسئلة التي يطرحها الواقع المتغير باستمرار. فالمعرفة المفتوحة هي التي تولد المزيد من النظريات والأفكار والتطبيقات. فان لم تفعل وجمدت أو اكتفت بما توصلت اليه توقلفت عن تحقيق المزيد من التقدم للمجتمع ،وتحولت الي معرفة مغلقة مسببة للتخلف واتساع الفجوة المعرفية بينها وبين غيرها من المجتمعات وهذه الفجوة هي معيار التقدم والتخلف. إن توليد المعرفة المفتوحة للمزيد من المعرفة يشبه مايحدث في الطبيعة عندما تقوم الأحماض النووية بانتاج البروتينات وتقوم البروتينات بدورها بانتاج المزيد من الآحماض النوويةفي ذات الوقت . مما يعني وجود حلقة ذاتية الحفز تتكون منهما معا. ولذا كنت أقول دائما إن هيجل لم يخطئ عندما بأسبقية الفكر علي المادة ، وأن ماركس أصاب أيضا عندما قال بالعكس ، أي أن البنية التحتية المادية هي التي تنتج البنية الفوقية أي المعرفة. بمعني أن الفكر والمادة يتفاعلان ضمن حلقة ذاتية الحفز علي نحو متواصل وخلاق، يطور ويجدد كل منهما كما وكيفا. ولكن الفكر وحده لايكفي لخلق الوعي الذي لايمكن له أن يتكون بمعزل عن العمل الذي يشكل الخبرة الذاتية التي هي الوعي.وكما قال هيجل : فإن فعل الإنسان في العالم بقصد تحويله بما يتفق مع رغبات الإنسان الفاعل هو مصدر اكتسابه للحد الأدني به . ولذا فإن الاهتمام بالبنية التحتية الانتاجية المنتجة للخيرات والثروات وبالمعرفة اللازمة والضرورية لبينانها هو شرط ضروري لبناء مجتمع المعرفة المفتوحة .اذ أن البدأ بالبنية التحتية هوبمثابة تمهيد للتربة التي يتم فيها زراعة الوعي الفردى والجماعي ، لكي يثبت فيها ويتجذر فيتعذر اقتلاعه وينبت وينمو ويزهر ويثمر وعيا موضوعيا اندمج فيه الفكر والعمل مع الذات العارفة فصاروا موضوعا واحدا.
وحسب مايقوله" كانت" فإن معرفة العالم الطبيعي والاجتماعي ليست كما تبدو للوهلة الأولى وتدعيه العلوم الطبيعية ويزعمه الماديون استيعابا نظريا وعمليا صحيحا له كموضوع مستقل وقائم بذاته ، بل هي إدراكها له كموضوع منبثق منها ، صنعته الذات أولا وأخيرا، وأن نعرف العالم يعني في التحليل الأخير ، أن نعرف الدات الكلية فينا ، الذات هي العارف والمعروف ، كما أن وحدة الذات والموضوع لاتعني في العمق الا وحدة الذات مع نفسها ( المتمثلة في معرفتها) وتطابق وعيها مع ذاته . وكنتيجة لتطابق الوعي مع الذات فان قوة المجتمع الذي هو مجموع ذوات في التحليل الأخير عند "لوكاش" هي قوة روحية (معرفية) تغير موضوعها (أي المجتمع) في فعل المعرفة الواعية لذاته الجماعية والمغيرة له في الوقت ذاته.
واذا كان التعليم لدينا لم ينجح في تغيير أحوال مجتمعاتنا والنهوض بها ولاتغيير أحوال المتعلمين والمثقفين لدينا فان ذلك يرجع الى أنه لم يتم ممارسةالمعرفة المحصلة به عمليا فلم يتحقق الوعي، وظلت الحقيقة العلمية منفصلة عن الذات الجماعية مستقلة عنها. ولذا يعتبر عدم نشوء الوعي المطابق للذات في المجتمعات المتخلفة هو من أهم أسباب تخلفها وهو في نتس الوقت أحد الفوارق الهامة بينها وبين المجتمعات الصناعية المتقدمة علميا وتقنيا وانتاجيا.
علاقة الدين بانغلاق المعرفة
كثيرا ماتعزى النخبة المثقفة والمتغربة والمستلبة تخلف أوطانها الي تأثير الدين والمتدينين ، متجاهلة في جهلها أن رجال الدين لايحكمون الدولة ، وأن النخبة النافذة في الحكم تكاد أن تكون منبتة الصلة بالدين ، إن لم تكن معادية ومحاصرة له وعاملة علي تشويهه وطمس جوهره ، أو استغلاله دون اعمال قيمه وأحكامه، لتحقيق مكاسب سياسية . باعتباره دين المجتمع، الذى إن تمكنت من استبعاده على مستوى الحكم لايمكنها ، أن تلغيه على مستوى المحكومين.
وأن هذه النخبة المغتربة ونظراؤها هم الذين يسيرون الشأن العام في الدولة منذ حصول دولهم على استقلالها في منتصف القرن الماضي وحتى الآن : يخططون ويضعون السياسات ويقومون بتنفيذها , وطاقم التنفيذ ليس من خريجي المدارس الدينية أو القرآنية حتي نقول إن معرفته الدينية التفليدية تسببت في فشل السياسات وتخلف الدولة. وليس مصادفة أن يستعر الهجوم على الدين والمتدينين مع ظهور جماعات تتخذمن المعرفة الدينية مرجعيةلهاوتشتغل بالسياسة وتمثل مزاحما قويا في الحقل السياسي لتلك النخب.
ولكن هل كان يمكن أن تحقق المجتمعات الاسلامية أوضاعا أفضل وأكثر تقدما لو حكمها رجال الدين ؟ .. الاجابة الصحيحة علي هذا السؤال هي: لا. وسواء كان المقصود برجال الدين الفقهاء الذين تقتصر معارفهم عليه ، أم الذين أخذوا الدين عنهم ، وأحالوا معرفتهم الدينية الى منظومة فكرية مغلقة : اديولوجيا ، وتصوروا أنهم بها قد امتلكوا مفاتيح الدنيا والآخرة، باعتبار أن الاسلآم دين ودنيا . فهؤلاء يكرسون تشظي المعرفة الدينية عوض العمل علي توحيدها الذي لاغني عنه لصلاح الدنيا والمتدينين فيها.
هذه الاجابة النافية تعني أن كل من النخب الثقافية المتغربة أو الموصوفة بالاسلامية أوالدينية يتبنيان معا منظومات معرفية قديمة وغير بريئة من الاعتلال ومغلقة ولاتتيح تقدم المجتمعات الاسلامية وإنما تحافظ علي تخلفها وتكرسه وتجعل من الصعب التخلص من ذاك التخلف . ويرجع ذلك الى أن كل من الفريقين المتناقضين في توجهاتهما يعتبران مانقلاه عن الغرب أو السلف ، الصالح والطالح منه ، هو الحقيقة الكاملة الغير قابلة للنقاش والمراجعة والفرز والتصحيح والتطوير . وكلتا الحالتين تعدان نوعا من السلفية التي تعلي من شأن النقل وتلغي دور العقل في التعامل مع المنقول أو ابداع ماهو أفضل وأنفع منه للمجتمع المسلم. من يسمون أنفسهم بالعلمانيين ، مع سوء فهمهم للعلمانية ، يمتحون من الفكر الغربي في القرون المتأخرة بعد اليقظة الأوربية وعقب القرون الوسطى التي كانت مظلمة بالنسبة لأوروبا ودون الأخذ فى الاعتبار ظروف النشأة وماطرأ علي هذا الفكر من مراجعة ونقد وتصحيح في موطنه الأصلي ، والموصوفون بالاسلآميين ، مع اعتراضنا علي تلك التسمية التي توحي بأن كل مايقولونه أيا كان مقدار صحته هو عين مايقوله الاسلام في كتاب الله المنزل وسنة رسوله المبجل ، هؤلاء يمتحون من فكر موروث عن نفس القرون الأخيرة التي انحسرت فيها الحضارة الأسلامية عقب القرون الوسطي التي كانت عند المسلمين ، علي عكس الحال عند الأوروبيين، قرون علم ومعرفة وحضارة ، وعصور أنوار ، أعقبتها قرون من التخبط في ظلمات الجهالة في أمور الدين والدنيا معا.
وإنه لمن المفارقات أن مايعرف بالصحوة الدينية الحديثة قامت في بدايتها على أكتاف شباب لم يتخرجوا من المدارس الدينية التقليدية أو العصرية وإنما من كليات مثل الطب والهندسة والعلوم البحتة والتطبيقية أو بعض كليات العلوم الإنسانية . وكان هؤلاء ضد السلفية الدينيةوالحضارية ويحاولون الاستفادة من العلوم العقلية التي درسوها لتحقيق طفرة في العقل المسلم وفهما أفضل لحقيقة الدين الاسلامي التوحيدية الاأن الضغوضات السياسية عليهم من أنظمة حكم تخشى على نفسها من اسلآم مستنير مدعوم بقوة المنطق العلمي ورد الفعل النفسي على هذه الضغوطات جعلتهم يعودون الي السلفية يلتمسون فيها الخلاص . بل ويتشددون في سلفيتهم حتى يتم نعتهم بالمتطرفين (حالة الدكتور أيمن الظواهري مثالا) . وهو مايدل على أن السلفية الدينية قد يكون الدافع اليها حالة نفسية أيضا.وكانت فرصة لأن يظهر سلفيون آخرون مكانهم يقدمون أنفسهم بأنهم أكثر اعتدالا وتسامحا وتجاوبا مع العصر وتحدياته وأكراهاته وبالتالي أكثر مرونة واستعداد للتوافق مع الأنظمة السياسية الحاكمة وأجهزتها القمعية وآليات سيطرتها بصرف النظر عن شموليتها ومظالمها واستبدادها وانتهاكها المستمر لحرمة الدين وحقوق الانسان مع تشبثهم في ذات الوقت بالمرجعية الاسلامية. ووجدوا ضالتهم في التراث الاسلامي المتأخر لابن تيمية وخلافه لتبرير مواقفهم.
وبالطبع هذه السلفية الجديدة المعصرنة لايقبل ذووها أي نقد أو مراجعة لمنظومتهم الفكرية المغلقة ، وامتدت الحصانة لتشمل كل مايقوله بعض قيادات التيار ورموزه ومنظريهالمعاصرين الذين جعلوهم أيضا فوق مستوى النقد والمراجعة. ولسد الذرائع أمام ظهور أي اجتهاد أوابداع دينى يقولون أنهم ليسوا ضده ، تمسكوا بشروط الامتناع التي وضعها الأقدمون للإجتهاد والتي تسبب في اختفائه من الحياة الفكرية للمسلمين.بل يقصرون الحق فيه على رموزهم العاجزون أصلا عن الإبداع والذين ينحصر دورهم الفكري على اعادة انتاج الفكر التبريري.
يحدث هذا بينما نجد مصادر الدين الاسلامي الأصلية من قرآن وسنة نبوية تنحاز انحيازا تاما الي المعرفة المفتوحة المتمثلة في التأمل والتفكر والتدبر والتعلم والبحث والتدقيق وتصحيح الأخطاء كلما تكشفت وبانت . أي اعمال العقل في كل شيء توصلا الي الإيمان الصحيح ومعرفة الدين الخاتم والكامل والخالص المبرء من كل عيب معرفة يقينية لايعتريها أدنى شك بعد أن يزيل فهم العقل الحر العالم المستنير كل شك .وأن ازدهار الحضارة الاسلامية فيما يعرف بالعصور الوسطى أو العصر الوسيط يدين أساسا علي انفتاح المسلمين علي المعرفة وطلبها في جميع ميادينها وحيثما وجدت وعدم الاكتفاء بماحصلوه نقلا منها وانما العمل الدؤوب علي الاضافة اليه بما تنتجه عقولهم .
نسمع منذ أعلنت الولايات المتحدة حربها علي العالم الاسلامي تحت مسمى: الحرب علي الارهاب ، أن هذه الدولة أوتلك ، التي تفرق المسلمون عليها وفق ماأراده المستعمرون السابقون لبلادهم أو أراده حكامهم ، قد اتخذت اجراءات لاصلاح الخطاب الديني ، أو أنها جعلت إصلاح ذلك الخطاب في صلب سياستها الدينية أو التعليمية ، والغرض انتاج خطاب ديني ترضى عنه الولايات المتحدة الأمريكية وليس خطابا يستمد شرعيته مباشرة من كتاب الله وسنة رسوله ويحتكم الى أحكامهما . إنه في حقيقة الأمر مسعي لتحويل دين الوحي الى دين وضعي يأخذ من دين الوحي مايوافق اليهود والنصارى ويستبعد منه مايزعجهما. ليس هذا هو الاصلاح الذي أتحدث عنه هنا والذي ينحصر في اصلاح تراث كتبه مسلمون في أزمنة متعاقبة سلفت باعادة اخضاعه للكتاب والسنة وليس تبديلا في كتاب الله وسنة رسوله أو أخذ بعض منها وترك البعض الآخر بينما ديننا كبناء واحد متماسك إن انتزعت لبنة منه فسد لغيابها مجمل البناء.
إن ديننا الخاتم الذى وصفه الله سبحانه وتعالي بأنه الدين الكامل والدين الخالص والدين القيم لا يحتاج الى اصلاح من أحد. ومعاذ الله أن يتجرأ مخلوق فيدعى الحق أوالقدرة علي اصلاح ماأبدعه خالقه ابداعا معجزا. ولكن الذي يحتاج الى اصلاح هو اصلاح تدين من قسموا الدين الواحد الذى جاء به الوحي الى مذاهب وشيع وطرائق وأحزاب وفرق ، وأدخلوا فيه ماليس منه ولايتفق مع جوهره وقيمه ، أو انتزعوا منه مالاينفصل عنه ويعد متمما له . ونسبوا اليه أوصافا توافقهم ولاتتفق معه . فقول البعض مثلا بأن الاسلام هو دين الوسطية، والتوسل بآيات من الذكر الحكيم بعد تأويلها بما يتفق مع قولهم ، فالاسلام – على سبيل المثال - لاينتهي الي الوسطية ليكون دينا معبرا عنها علي نحو مايقول بعضهم ويعتبرون القول بذلك من أدلة اعتدالهم في اعتقادهم الديني، وإنما هو دين أسمي من ذلك إذ يبدأ من الوسطية متدرجا منها الي ماهو أفضل وأسمى منهاوأعزمرتبة ومقاما . والأمة الوسط هي الأمة من المهاجرين والانصار التي صدقت بالرسول واتبعته وتعلمت منه والتزمت بما تعلمته ، أى جيل الصحابة أو جيل التلقي ، فهذا الجيل الذى ائتم بالرسول في حياته وبعد انتقاله الى الرفيق الأعلي هو الأمة الوسط التي تتوسط الأمم السابقة على ظهور الإسلام والأمم التي تأتي من بعدها . أي أن الوسطية هنا تعبير عن موقع جيل من الناس في تيار أو سيرورة زمنية.
كيف التحول الي المعرفة المفتوحة؟
أول مايتبادر الي الذهن في الإجابة عن هذا السؤال : كيف يمكن التحول من المعرفة المغلقة الي المعرفة المفتوحة والمنفتحة لإحراز تقدم حضاري وانساني هو القول بضرورة اصلاح المنظومة والبرامج التعليمية والإعلامية لاقامة مجتمع منتج للمعرفة ومبدع في انتاجه لها .الاأن هذه الاجابة رغم صحتها تظل محض نظرية مالم تقترن ببيان من بامكانه أداء هذه المهمة التاريخية؟. من المفترض أن هذه هي مهمة أي حكومة وطنية والتي يتعين عليها القيام بها لكي يكتسب حكمها مشروعيته . ولكن هل الحكومات الحالية في الدول العربية والاسلامية الفقيرة – إن لم نقل المفلسة ماليا واقتصاديا وسياسيا - قادرة ومؤهلة للقيام بهذه المهمة التاريخية ضمن واجباتها؟. لايتسع المجال هنا لنقد النظم الحاكمة وسياساتها ويغني عن ذلك مايشهد به واقع الخدمات المتردي سنة بعد أخرى وفي مقدمتها خدمات التعليم وكذلك واقع الإعلام الردئ الفاقد للرؤية والهدف، رغم عصرنة وسائله وماتتيحه من امكانات هائلة في مجال الاتصال.
الدولة تتكون من حكومة وأمة . وطالما الحكومة عاجزة عن تحمل مسؤولياتها فلامفر من أن تتولي الأمة حمل هذه الأمانة والمضي بها قدما الى أن تتحقق لها غاياتها.
وحيث لايمكن أن تتحقق المعرفة المفتوحة وتؤتي ثمارها مالم يكن المجتمع مزدهرا اقتصاديا فإن سعي الامة علي درب المعرفة المفتوحةيجب أن يواكبه ويلازمه ويتطور معه سعي مماثل لبناء اقتصاد يؤمن سبل العيش الكريم لكافة أسر المواطنين وعائلاتهم ضمن مخطط وعمل جماعي لتنمية اقتصادية تستهدف في النهاية تنمية انسانية كاملة. امتلاك المعرفة المفتوحة لايكتسب قيمته مالم يتم الافادة منه للنهوض بأوضاع الأمة واعطاء الاقتصاد والمعرفة الأولوية الكاملة. واعتبار كل منهما وسيلة وهدف في آن واحد.
يقول عمانويل كانت في كتابه الأشهر نقد العقل المحض بأن مهام العقل ووظائفه تتحدد في الإجابة علي ثلاث أسئلة هي:
1. ماذا يمكن أن أعلم ؟
2. ماذا علي أن أعمل؟
3. ماذا يمكن لي أن آمل؟
ويضيف كانت بأن السؤال الأول محض نظري والثاني محض عملي أما الثالث فهو نظري وعملي معا.
وأعتبر أن هذه الأسئلة مترادفة مع الإجابة عليها تمثل مثلث أوثلاثية المعرفة. وأن أي مشروع نهضوى يجب أن يتضمن في بنيته ومخططه هذه الثلاثية كاملة ، والتي يمكن التعبير عليها بصيغة أخرى تستحضر ارادة انهاض الأمة وتفعيلها علي النحو الآتي :
1.بناء نظري يتضمن معرفة أولية كافية من حيث الكم والكيف لتكوين الوعي اللازم لدى الجماهير الذي يكفل تعبئتها واعدادها معرفيا لتنفيذ مشروع النهضة.
ويدخل ضمن ذلك معرفة الحاضر ومبلغ انهيار وتدهور الأوضاع فيه ، والمستقبل المظلم الذي يمكن أن يؤدي إليه المزيد من التدهور ، والمعيقات والتحديات الداخلية والخارجية التي تحول دون تغيير الأوضاع وكيفية التعامل معها لتحييدها والحد من تأثيراتها ، وادراك أن الآوضاع الاقتصادية العالمية وماتطورت اليه في العقدين الأخيرين تجعل من الصعب إقامة تنمية اقتصادية أو انسانية في رقعة جغرافية ضيقة مما يتطلب العمل داخل فضاء اقليمي واسع .وأنه طالما أن الحكومات الغارقة في التبعية والتي باعت ممتلكات الأمة للآجانب دون استشارة الشعب وعاجزة حتي عن إقامة علاقات سوية مع جيرانها وفض النزاعات معهم ، فانه لامقر من أن تتحمل الشعوب مسؤولياتها في إقامة تنمية مشتركة جامعة لها بدون انتظار أي مساعدة من حكوماتها ولاتغيير للأنظمة السياسية القادمة الاصطدام بها أوالدخول في صراعات سياسية معها.
2. مخطط عملي مدروس جيدا ومتقن يحدد مايجب تنفيذه والبرامج الزمنية اللازمة للتنفيذ . والتوزيع المكاني للمشروعات الثقافية والاعلآمية والاقتصادية.
ويأخذ فى اعتباره توحيد العمل مع الشعوب المجاورة داخل الاقليم الجغرافي الواحد ، وأن الوحدة ليست هدفا في حد ذاتها، وإنما هي إطار ضروري ، ووسيلة لإقامة نظام انتاجي كبير يكفل تراكم الثروات والخيرات وبناء القوة والمحافظة على الكرامة من أي انتهاكات محلية أو خارجية وتوفير الآمن الغذائي والأمن من الفقر والحاجة والأمن من الظلم والبغي والاستبداد ومفاسد الاحتكارات ، وفي ظل مظلة أخلاقية ودينيية قويمة تضمن العدالة والاستقامة في تدبير المال العام وفي تقديم الخدمات الاجتماعية وتمتين الأواصر العائلية والمجتمعية والقومية.
3.مشروع استراتيجي يوضح العلاقة الجدلية بين النظرية في البند الأول والعمل في البند الثاني ، أي يجمع بين المادة والروح ويدمجهما في نسق واحد ، والفكر والنشاط الإنساني العملي ، وهو يتضمن أيضا الوسائل التي تضمن التغذية والتغذية المرتدةبين ديالكتية الفقر وديناميكية المادة.
ان حصر الأمل في الممكن يتطلب مخططا مستقبليا ينطلق من الممكن حاليا ويجعل من المستحيل اليوم ممكنا غدا . ويجعل كل ماهو حق ومشروع ونأمل فيه ليس فقط ممكن التحقيق وإنما أيضا واجب التحقيق ، إن آمال الانسان يمكن حصرها في عبارة واحدة هي " التمتع بالسعادة"، وهذه السعادة لايمكن أن تتحقق في غير المجتمع الذي سماه الفيلسوف "ليبتز" بملكوت النعمة .ملكوت النعمة هذا هو الذي يجب أن تعمل مجتمعاتنا معا على بلوغه بعد تأهيلها لذلك وتوفير كل الوسائل والآليات اللازمة للتمكن من تحقيقه.
*فوزي منصور
كاتب مصري مقيم بالمغرب
E-mail : fawzy_mansour@hotmail.com









أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية