نوارس

فكرية، سياسية و دينيةواجتماعية

الوحدة البنائية للقرآن المجيد

 منهج للتعامل مع القرآن الكريم ينظر اليه في كليته ، يروم اقامة علم أصولي جديد يساعد علي توحيد عقيدة المسلمين ومعرفتهم الدينية ، ووضع حد لفرقتهم وتشتتهم على فرق وشيع ومذاهب ، بينما دينهم ،دين التوحيد، دين واحد لاتجوز تجزئته أوقبول الانقسامية فيه.

 

مبحث الوحدة البنائية للقرآن المجيد هو موضوع أحد كتيبات الدراسات القرآنية للباحث الدكتور طه جابر العلواني ، وهو مكون من 116 صفحة من الحجم الصغير، ومن منشورات : مكتبة الشروق الدولية بالقاهرة.

وتتلخص هذه الدراسة في أن القرآن الكريم ذوبنية معرفية متماسكة ومتحدة غير قابلة للتدجزئة والتعضين ، وعلى هذا الأساس يجب التعامل معه قراءة وفهما واستخلاصا واستنياطا للأحكام وتحصيلا للمعرفة الدينية الصحيحة . وأنه بدون النظرة الكلية للقرآن من لدن المسلمين سيكونون قد حملوه (بتشديد اللام ) ولم يحملوه وتنطبق على حالهم الآية الكريمة : " مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارا ، بئس مثل القوم الذين كذبوا بآيات الله ، والله لايهدي القوم الظالمين " (الجمعة – 5) . ويرى الباحث " أن الأمة الإسلامية بعد الصدر الأول قد سفطت – رغم النذر كلها – فيما سقطت فيه أمم من قبل . فقد حملوا القرآن ولم يحملوه (...) فلم يحسنوا قراءته(...) وتجاهلوا المقاصد القرآنية العليا والمستويات الخاصة من المقاصد (حيث المقاصد العليا هي: التوحيد والتزكية والعمران والمستويات الخاصة منها هي : المقاصد التي تؤدي الى حفظ الضروريات والحاجيات والتحسينيات من عدل وحرية وأداء للأمانات ومساواة ...الخ) ، لتشبث بعضهم بشرائع من قبلنا (وهي قاعدة أصولية مختلف عليها) وتبني كثير منهم مافيها من إصر وأغلال.

الا أن الأخطر من ذلك كله –فيما يراه الباحث- هو تعضينهم للقرآن وعدم مراعاتهم لوحدته البنائية فتضاربت تفسيراتهم لآياته وفهمهم لمراميها ، وكما قسموه انقسموا علي أنفسهم وتفرقوا فرقا وشيعا ومذاهبا وأحزابا ، كل بمالديهم فرحون. كما كان لعلم الكلام (المنطق) الذي استخدم في غير موضعه دورا أيضا في تفكيك الأمة التي بناها ووحدها القرآن الكريم فصارت فرقا وشيعا وأحزابا.

"إن البحث في القرآن ليس بحثا في اللغة وحدها ، إذ هو بحث في اللغةوفي تدافع الحق والباطل عبر تاريخ البشرية كلها منذ خلق الله آدم الي يوم الدين ، وبحث في الإنسان والنفس الانسانية، وبحث في الطبيعة وسننها وقوانينها وجدلها مع الغيب والانسان ، وبحث في عالم الدواعي والدوافع التي تدفع الإنسان نحو الحركة، وبحث في حركة الإنسان وكدحه وطبيعتها، ومن أين وكيف تستمد قيمتها، وكل ذلك تصل اليه بكلمات القرآن  ونجومه وآياته وسوره ،وبه كله."

 

 

 

                                              تعضين القرآن

يرى الباحث في قوله تعالى :" كما أنزلنا علي المقتسمين . الذين جعلوا القرآن عضين . فوربك لنسألنهم أجمعين.عما كانوا يعملون"(الحجر 90 –93 )أن المقتسمين الذين تعددت أقوال المفسرين فيهم ،هم أولئك الذين جعلوا القرآن مقسما . فما وافق مالديهم قالوا بصحته مع دعوى اقتباسهم منه ، وماخالف ماعندهم من تراث قالوا فيه مايشاؤون (أساطير الأولين أو سحر أو كهانة أو شعر ) فقسموه وقالوا : نؤمن ببعض ونكفر ببعض ، ليخدعوا البسطاء بموضوعيتهم أو علمية مقولاتهم المضطربة التي لادليل عليها.وليسهل عليهم الاقتسام جعلوه أعضاءمن التعضية بمعني التقريق والتجزئة. يقال: عضيت الجزور والشاة تعضيةاذا جعلتها أجزاء وقسمتها. فعضدوا القرآن تعضية ، وفرقوه تفريقا ، واتخذوا آياته شواهد لما يذهبون اليه، بدلا من أن ينطلقوا منه كله في كل مايأخذون ويدعون ، ويقرؤونه باعتباره قرآنا لايقبل التعضية والانقسام ولاالتفريق والتجزئة.

روي : "لاتعضية في الميراث"، أي لايفرق ماكان من تفريقه ضرر على الورثة ، كسيف يكسر نصفين أو نحو ذلك . وذلك الذم للتعضية واعتبارها سلوكا لبعض أهل الكتاب والمشركين ، أو منهجا من مناهجهم في التعامل مع القرآن ، كان كافيا في -الدفع الى اكتشاف منهج لقراءته واحدا غير معضى ، واكتشاف أنه يتمتع بوحدة بنائية تشكل منهجا أساسا لقراءته وفهمه ، لكن طريقة المفسرين جعلت أنظار القارئين تتجه الى فهم التعضية بتلك الصورة التي لم تساعد على الكشف عن الوحدة البنائية للقرآن الكريم.

 

نتائج التعضين

يرى الباحث " إن المسلمين حين قرءوا القرآن بطريقة التجزئة متشبهين بأولئك المقتسمين بوجه من الوجوه ، قد فقدوا الكثير من أنوار القرآن وآثار آياته الموحدة التي أحكمت فصارت كالكلمة الواحدة. (...) وقراءة التعضين هي التي أورثتنا كثيرا من المقولات الغثة التي لايتقبلها الاحكام القرآني ، بل يترفع عنها ، مثل القول بالنسخ لبعض الآيات والتعارض مع بعضها والاشتباه في بعض آخر...الخ.

إن تقسيم الآيات الذي يشير اليه الباحث الي نواسخ ومنسوخات ومحكمة ومتشابهات قد أمسى عند الدارسين في المعاهد الدينية علما من علوم القرآن وبنيت عليه فتاوي وأحكام من كثرة اعتماد الفقهاء على مقولاته وتداولهم لما اعتبروه من مسلماته ، ولذا

فإن هدم هذه المقولات الآن يعد تشكيكا في صحة مايحملونه من علم ، ولذا يقاومون من يقول بذلك مهما برهن علي صحة ماذهب اليه ببراهين قوية ناصعة واضحة وحجج دامغة لاتترك ثغرة لمتشكك فيها أو تتيح له فرصة الرد عليها ردا يقبله العقل .ولذا لايجدون في دفعهم لما تمت البرهنة على صحته الا بالدفاع عمن قالوا بذلك من

سالف الفقهاء الذين أدخلوهم في عداد السلف الصالح الذين ألزموا أنفسهم باتباعهم باعتبارهم كانوا ائمة علوم الدين في زمانهم . وهم بذلك عوض أن تأخذهم الغيرة علي القرآن وتنزيهه عن عيوب الخطاب تأخذهم العصبية ويفضلون تنزيه مشايخهم ويدعون لهم العصمة وهم بشر مثلهم لمجرد تحصيلهم للشهرة في زمانهم ولم يجدوا من يصوب لهم الخطأ فاستمروا يتناقلونه جيل من بعد جيل .." أفلا يتدبرون القرآن،أم على قلوبهم أقفالها"؟. ويتضح ذلك جليا من موقف السلفيين من الباحث الدكتور مصطفي بوهندي عندما أصدر كتابه :" نحن والقرآن" يبرهن فيه على عدم وجود ناسخ ومنسوخ في القرآن ، وأن كل آياته محكمة، وأن المقصود فيه بآيات متشابهات أنها متشابهات مع آيات تماثلها في المعني أو تقاربها فيه مماأنزل من قبل في التوراة والإنجيل على أهل الكتاب ، فاعتبره من لايتقبلون مخالفة السلف في شئ خارجا عن الجماعة ، ولعل ذلك كان دافعا نفسيا كامنا في الاوعي  لديه لمزيد من تحديهم : فأصدر كتابه :" أكثر أبوهريرة " يتسائل فيه كيف يرافق صحابى الرسول قبل الهجرة وبعدها ، ثم لايؤثر عنه أكثر من عشرة أحاديث ، بينما لايعايش زمن الرسول الا مدة قصيرة أبو هريرة وينقل عنه قرابة الثلاثة آلاف حديث ، وهو تساؤل مشروع وان كان يفضي الى التشكك في هذا الكم الكبير من الأحاديث المروية عن أبى هريرة، ويقتضي مراجعتها على الكتاب والسنة . وعدم الاكتفاء بالمعايير التي اتبعها جامعوا أحاديث الرسول مثل البخاري وغيره. فكان ماذهب اليه بوهندي من ضرورة اعادة النظر في علوم القرآن والحديث أمرا لايمكن لهم احتماله .

وقد فتح القول بالناسخ والمنسوخ والمحكم والمتشابه الباب علي مصراعيه للمستشرقين وأتباعهم وأذيالهم من الكارهين للاسلام أوالمارقين عنه للطعن في القرآن الكريم ومحاولى نزع القداسة عنه وذلك بادعاءات وتخرصات مثل الادعاء بتاريخانيته ومناسبيته وأنه لايصلح لغير زمانه ، أو القول بأنه نص أدبي قابل للنقد والتفكيك والتحليل لبنيته اللغوية أو أنه كتاب ذو بنية أسطورية يحتاج فهمها وفك ألغازها وطلاسمها لعلم السيمياء لتأويل رمزياتها وباطنه هو الكاشف لظاهره لذا وجب التفسير الباطني له على النحو الذي اتبعه غلاة الصوفية ولذا راحوا يهتمون بتراث هؤلاء الغلاة من المتصوفة ويحاولون تسويقه باعتباره التراث الوحيد المعبر عن حقيقة الاسلام وليس التراث الذي يغيبها ويسقطها في غموض وغيوم كثيفة لايتبين معها شيئ. وهم يريدون بذلك القول بأن القرآن الكريم المحكمة آياته والذى بقي على حاله منذ أنزل ، لم يشبه أي تغيير أو تحريف أو زيادة أونقص ، يشبه كتبهم المقدسة التي أصابها الوضع والتحريف وحفلت بالتناقضات واحتاجت الي تفاسير باطنية لستر عوراتها ونقائضها وتناقضاتها واختلاف أشكالها وصيغها باختلاف مصادرها وكتابتها في أزمنة تاريخية متباعدة وعدم انتماء معظمها الى الوحي الالهي ورغم ذلك رفعوه الي مرتبة الوحي . 

إن اغلاق الباب أمام هؤلاء المفسدين المعادين للآسلام ، وإن ادعوا الدفاع عنه ، يتطلب الاقرار بأن ماتركه السلف في هذا الشأن لم يصبهم التوفيق فيه وأنهم بشر غير معصومين عن الخطأ.

 

الوحدة البنائية للقرآن

بعد أن شرح الباحث معني : "الواحدية"، وانتهى الى أن لفظ :"الواحد"يطلق على من كان واحدا لعدم نظيره ، إما في الخلقة، كأن يقال : الشمس واحدة ، وأما في نسبة الفضائل اليه ، كأن يقال : فلان وحيد عصره ونسيج وحده . ويقال واحد لامتناع تجزئته أوامتناع تعضيته لصغره أو لصلابته ،أو لأنه غير قابل للتجزئة بطبيعة تكوينه. (...) واذا وصف الله – تبارك وتعالى- به أريد أن لايصح عليه التعدد والتجزئة والتكثر ،  فهوو واحد في ذاته وفي صفاته وفي أفعاله وفي ألوهيته وربوبيته . والقرآن واحد في جنسه ونوعه ونظمه وتعديه وفرادته وإعجازه، لايقبل التكثر ولاالتعدد ولا التعضية ولا التجزء . لايشاركه في خصائصه وصفاته ومنهجه كتاب آخر لامنزل ولاموضوع....".

ويستدل الباحث على الوحدة البنائية للقرآن بقوله تعالي : "كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير "(هود: 1) . ويرى أن الإحكام هنا " من إحكام البناء بحيث يمتنع أى اختراق له لمتانته وقوته ، ويدل عليه أو يدل له قوله تعالي : " فينسخ الله مايلقي الشيطان ، ثم يحكم الله آياته" بحيث يمتنع على الشيطان أن يبلغ شيئا منها.فهي لتطمين البشرية أن هذا القرآن محفوظ ومغلق أمام كل محاولات الاختراق (من شياطين الجن والإنس معا – ويلاحظ هنا أن النسخ جاء بمعنى الإزالة ونسخ آية وابدالها بأخرى يعني أن مانسخت أزيلت ولم يبق لها أثر في كتاب الله) ويعضد ذلك قوله تعالى : " منه آيات محكمات" (آل عمران: 4) أى مالايمكن أن تعرض فيه شبهة (...) وعلى هذا يكون المراد بهذا المركب :الوحدة البنائية للقرآن ، أن القرآن المجيد واحد ، لايقبل بناء آياته وإحكام آياته التعدد فيه أو التجزئة في آياته بحيث يقبل بعضه ويرفض بعضه ( مثل الأخذ بما اعتبر ناسخا وترك ماإعتبر منسوخا أو الاعتداد بما اعتبر محكما وإهمال ما إعتبر متشابها غير قابل لتفسير أو تأويل) .كمالايقبل التناقض أو التعارض وغيرهما من عيوب الكلام . ( حيث إعتبروا الناسخ مناقضا للمنسوخ ، واذا كان التناقض في كلام البشر يعد عيبا فيه ، فكيف يقبل أن يكون في كلام الله المحكم – كماوصفه الله – مانعيبه على البشر).

ويرى الباحث: "أن أهم طرائق النظر فيه (أي في القرآن) ووسائله هي تلك التي ترد الجزئي الي الكلي ، وتنظر في الكلي نظرا مفاهيميا وتحليليا لتحقيق الاستفادة القصوى منه، ثم تربط ذلك ببيان السنة وتطبيقاتها ، وبالكون وسننه انطلاقا منمنهاجية الجمع بين القراءتين ( قراءة الوحي وقراءة الكون) ....إن تفعيل هذه الرؤية أساس لايستغنى عنه في فهم القرآن وحسن تفسيره، ودقة تأويله."

وحدة السورة

اذا كان القرآن تجمعه وحدة بنائية فإن لكل سورة منه وحدتها أيضا ، يسترشد الباحث في ذلك بقول ابن عربي:"ارتباط آي القرآن بعضها ببعض حتى تكون كالكلمة الواحدة، متسقة المعاني ، منتظمة المباني ، علم عظيم لم يتعرض له الاعالم واحد عمل سورة البقرة ، ثم فتح الله لنا فيه ، فلما لم نجد له حمله، ورأينا الخلق بأوصاف البطلة ،ختمنا عليه وجعلناه بيننا وبين الله ورددناه اليه." وقول الإمام الرازي : " ...من تأمل في لطائف نظم السور وبديع ترتيبها ، علم أن القرآن كما أنه معجز بحسب فصاحة ألفاظه وشرف معانيه ، فهوأيضا معجز بسبب ترتيبه ونظم آياته (...)..أكثر لطائف القرآن مودعة في الترتيب والروابط."ويقول الدكتور محمد عبدالله دراز:"...لوعمدنا الىسورة من تلك السورالتي تتناول أكثر من معنى واحد – وما أكثرها- وتتبعناها مرحلة مرحلة ،وتدبرناها كيف بدئت وكيف اختتمت،كيف تقابلت أوضاعها وتعادلت،وكيف تلاقت أركانها وتعانقت... لو تدبرنا ذلك لوجدنا ائتلافا وتناسبا بين المعاني والمباني، ولبدت لنا السورة وكأنها نزلت في نجم واحد." ويعزز الدكتور دراز ماقاله بما نقله عن النيسابوري وفخر الدين الرازي وأبي بكر بن العربي وأبي إسحاق الشاطبي وبرهان الدين البقاعي.

ويقول الباحث إن وحدة القرآن البنائية كانت معروفة في القرن الخامس الهجري وادراك أن القرآن كله مثل السورة الواحدة كان معروفا ومتداولا. واستشهد في ذلك بما نقل عن أبي علي الفارسي من أن القرآن كله كالسورة الواحدة ، ولهذا يذكر الشئ في سورة وجوابه في سورة أخرى، نحو : وقالوا ياأيها الذى نزل عليه الذكر إنك لمجنون "(الحجر 6) وجوابه :" ماأنت بنعمة ربك بمجنون"(القلم :2). وأنه كان يفترض أن تقود نظرية النظم التي صيغت للتدليل على اعجاز القرآن ومنهج تفسير القرآن بالقرآن أن يقودا الى التقدم في تطبيق مفهوم الوحدة البنائية للقرآن الا أن هذا لم يحدث.ويعزى ذلك الي أن علوم القرآن مثل غيرها من العلوم ومعارفنا الدينية الاسلامية أصابها التوقف بعد القرن الخامس الهجري، فلم تأخذ مدياتها واستمراريتها التي كان من الممكن أن تمنحها الامتداد والتوسع، واستيعاب العصوراللاحقة كما استوعبت ماسبقها. ومبدأ تفسير القرآن بالقرآن بدأه الرسول صلى الله عليه وسلم علي نحو مانقل عن عبدالله بن مسعود أنه عندما نزلت الآية : " الذين آمنوا ولم يلبسوا ايمانهم بظلم.."(الأنعام:82 )، شق ذلك على أصحاب رسول الله وقالوا: أينا لم يلبس ايمانه بظلم فقال رسول الله : ليس بذاك، ألا تسمع الى قول لقمان لابنه :"إن الشرك لظلم عظيم" ( لقمان:13). وأخرج البخارى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فسر مفاتح الغيب في قوله تعالى : "وعنده مفاتيح الغيب لايعلمها الا هو.."(الأنعام:59) بأن مفاتيح الغيب خمس : "إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم مافي الأرحام وماتدري نفس ماذا تكسب غداوماتدري نفس بأي أرض تموت"(لقمان 34) . ويقول الباحث: لوأن هذا المنهج النبوي ساد وانتشر ،وتبناه جيل الرواية وجيل الفقه،لبرزت الوحدة البنائية وحظيت بالاهتمام اللآزم منذتلك العصور.        

ويقول الباحث: "إن جمهرة المعنيين بالدراسات القرآنية سلموا بالوحدة البنائية على مستوى السورة، فالسورة وحدة ، لها عمود يقوم بناؤها عليه، وذلك العمود هو موضوعها الأساس والموضوعات الأخرى موضوعات معضدة ساندة تدورحول ذلك العمود ، وكأنها أوتاد معضدة ومعززة للعمود الأساس.والقرآن بجملته يقوم على أعمدة ثلاثة :  أولها: التوحيد، وثانيها: التزكية ، وثالثها : العمران. فالتوحيد شكل العمود الأساس لمعظم سور القرآن المجيد وتدور حوله أوتادا أخرى تتناول التزكية والعمران. وقد يكون عمود السورة التزكيةوتربط بالتوحيد والعمران.وقد يكون عمودها العمران ويربط بالتزكيةوالتوحيد..."

وقد قدم نموذجان لبيان ذلك من سورتي الفاتحة والبقرة وكلاهما عمودهما الأساس هو التوحيد. واستغرق تفصيل ذلك بالنسبة لسورة البقرة12 صفحة.

 

خلاصة

يرى الباحث أنه عندما يجرى توظيف الوحدة البنائية بشكل منهجي سوف تقدم للمنشغلين بالعلوم والمعارف الدينية وسيلة من أكثر الوسائل فاعلية في مراجعة ونقد التراث الاسلامي كله ، وفي مقدمتها مايعرف بعلوم المقاصد : التوحيد ، التفسير ، أصول الفقه ، الحديث والفقه . ثم يفصل كيف يمكن أن تؤثر علي كل علم من هذه العلوم . وفي استعراضه لعلم الكلام الذي كان أحد أسباب الفرقة بين المسلمين وتحولهم الي فرق وشيع ومذاهب ، تعتبر كل فرقة أنها المهتدية الناجية وباقي الفرق في ضلال وغواية ، يرى الباحث أن كل قضايا الكلام والملل والنحل يقتطع المتناحرون فيها آيات من كتاب الله من سياقها ويبترونها من نظمها ووحدتها ونسقها ليجعلوا منها موضع شاهد فقط لما يذهبون اليه ، ولايعدم كل فريق وسيلة لحملها على مايريد ، وتفسيرها بمايجعلها شاهدا ملآئما لمذهبه ، مؤيدا لوجهة نظره . وماأنزل القرآن العظيم ليتخذ شواهد لمقولات القائلين . ولذا شاعت تلك المقولة الخطيرة ورددها المرددون "أن القرآن حمال أوجه " ونسبوا ذلك الى الإمام علي كرم الله وجهه ورضي عنه ، وما كان لمثله أن يقول ذلك . ( في الواقع لم تقتصر هذه الفرق على استغلال آيات منزوعة من سياقها أو بالتلاعب في تفسيرها بما أسموه بالتفسير الباطني وانما كانوا إن أعوزهم الاستعانة بالقرآن لجئوا الي أحاديث أغلب الظن أنها موضوعة ومختلقة ، واشاعتهم القول بأن القرآن حمال أوجه كان الهدف منه عدم الاحتجاج به على باطلهم الذى دعتهم اليه دواعي سياسية أو نعرة عصبية جاهلية). ولايستقيم مع القول بالوحدة البنائية – يضيف الباحث – التسليم بأى نوع من أنواع النسخ المدعاة ، ولايقبل القول بوجود أو جوازوقوع تعارض عقلي أو واقعي بين نصوص الوحي، بحيث تستدعي استخدام أسلحة الترجيح. ولو أخذت الوحدة البنائية للقرآن الكريم مأخذ جد ، لما كانت علوم التفسير واتجاهاته أخذت الأشكال التي ورثناها على مافيها. ولما أصاب العقل المسلم الكسل عن التدبر والتعقل والتفكروالترتيل والتلاوة حق التلاوة...

ويرى الباحث أننا اذا ماأردنا التخلص من بعض هدا التراث المصاب وتنقية مايبقي منه ، وتطهيره مما علق به ،وتخليص العقل المسلم والوجدان المسلم من تلك الآثار الخطيرة فلامفر من عرضه كاملا علي القرآن في وحدته البنائية ، ومراجعته ونقده والتصديق عليه في نور القرآن المجيد وهدايته. واعادة بناء التوحيد والإيما ن علي القرآن ، وتأسيس العقيدة على هديه ، ويومئذ يفرح المؤمنون بالخروج من حالة التمزق والاحتراب الى حالة الألفة التي كان القرآن قد أوصلهم اليها : " واعتصموا بحبل الله جميعا ولاتفرقوا ، واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم ، فأصبحتم بنعمته إخوانا." (آل عمران :103).لقد تفرقت الأمة من بعد ماجاءتها البينات ، وسقطت في أمراض الأمم السابقة، وماكان ذلك ليحدث وبايمانها نوران : ذكر وسنة.

يطالب الباحث اذن بعلم أصولي جديد يحل محل المتداول حاليا ، وهي مهمة شاقة لايمكن أن يقوم بها فرد حتى لوكرس عمره كله ،ان طال عمره ، لذلك . لذا يقول الباحث :"هذا الذي أجملناه هنا يمكن لأساتذة علوم العقيدة وطلبتها وأقسامها أن يفصلوه في بحوث ودراسات تكشف عن تلك الإصابات الخطيرةالتي تجعل الباحث يعجب كيف استطاعت هذه الأمة أن تعيش كل هذا الزمن الطويل رغم اصابتها بكل تلك الأمراض الخطيرة . أنه لايغني أن ينشغل أساتذة هذه الأقسام وطلابها بتحقيق المخطوطات ، وتوكيد تلك المقولات وبعثها وإحيائها وهم يعلمون أنها لو كان فيها خير لنهضت الأمة من قبل، ولما كان حال الأمةهذا الذى هي عليه اليوم " . بالتأكيد ليس المطلوب من هؤلاء المزيد من التنظيروتشخيص الداء وانما وصف الدواء . أى بناء علوم ومعارف دينية على أسس جديدة تحقق وحدة الدين والمتدينين به. ومع الاقرار بجسامة هذه المهمة وصعوبتها وحاجتها لأولي العزم من العلماء والباحثين الذين يرجون من انجازها فضل الله ورضوانه ، فان الشروع فيها لن  يبدأ من فراغ، إذ لدينا ماكتبته الدكتورة عائشة عبدالرحمن رحمها الله عن التفسير البياني للقرآن ، ولدينا أيضا تفسير الشيخ متولي الشعراوي الذي طبق التفسير البياني بالبحث عن المعاني المتعددة للفظ الواحد كما وردت في مواضع مختلفة من القرآن الكريم والى حدما سعى الى تفسير القرآن بالقرآن ،ولن يعدم الباحث أن يجد في بعض التراث ماينفعه.   وكل من التفسير البياني وتفسير القرآن بالقرآن يعدان فرعان لمنهج التفسير على قاعدة الوحدة البنائية للقرآن.  ولربما كان لهذا المبحث أن يكتمل لوأن الباحث قدم، ولو على سبيل المثال ، بضعة تطبيقات عملية للمنهج الذى دعا اليه تعالج قضايا خلافية . وتوضح كيف يمكن القضاء علي الخلاف فيها بأخذ الوحدة البنائية للقرآن في الإعتبار، ولكنه لم يفعل. وياحبذا لو كان قد اجتهد في ذلك . وأخال أنه يمكن للباحثين إذا مااهتموا بمعرفة الغة الآرامية أن يتوصلوا الي معرفة أفضل بلغة القرآن العربية ، إذ استنتجت من معرفة أن سيدنا موسى كان آراميا يتكلم بالارامية وجاء بالتوراة باللغة الآرامية وأن سيدنا عيسى كان يتكلم الآرامية ، وأن في تلمود اليهود فقرات تركت مكتوبة بالآرامية لينفرد الحاخامات بمعرفة مراد لاالتوراة منها ولايشاركهم في هذه المعرفة عموم اليهود.   أنه من المحتمل أن تكون اللغة ألارامية هي لغة الوحي ، واللغة العربية هي فرع من فروع الآرامية. وقد ذكر الباحث (د. طه العلواني) أن القرآن جاء ليشحن اللغة العربية المتداولة "بمعان لم تكن معهودة   من قبل، ولاتندرج تلك المعاني تحت الفكرالانساني وقدراته. فكل الكلمات الشرعية مثل : الايمان والصلاة والصيام والزكاةوالحج والكفر والشرك والنفاق.....وماإليها، كانت لها معان بسيطة في الاستعمال العربي الجاهلي، فقام القرآن بتنقيتها وشحنها بالمعاني التي أراد لها أن تحملهاوتشتمل عليها، فتطويع تلك الكلمات لكل تلك المعاني بعض أوجه إعجاز القرآن الكريم . وتفسير د. بوهندي لايات متشابهات بأنها تتشابه مع بعض مالدى أهل الكتاب مما قد يكون لم يتم تحريفه،

ومطالبتنا بالايمان بالكتب السابقة ، يقتضي البحث في التوراة والانجيل عن تلك الايات التي يوجد شبه بينها وبين آيات القرآن لمزيد من المعرفة القرآنية ونبذ ماعدا ذلك . وهذا يعني أن السلف قد أهملوا أو أغفلوا أمورا كثيرة آن الأوان لكي يتم استدراكها للحصول علي معرفة أفضل وواحدة وموحدة بفضل اكتمالها وشموليتها وعدم وجود ثغرات فيها تفتح مجالا للجدل في مضمونها والاختلاف عليه.

                                                      

                                                           فوزي منصور

                                              كاتب مصري مقيم في المغرب

                                                                                            Fawzy_mansour@hotmail.com

                                        

 



أضف تعليقا