نوارس

فكرية، سياسية و دينيةواجتماعية

مالك بن نبي – مفكر شاهد ومشروع متجدد


كتاب :" مالك بن نبي" يجمع أشغال ندوة دولية نظمتها جمعية النبراس الثقافية بمدينة وجدة (شرق المغرب )في منتصف نوفمبر 2005 ، تخليدا لذكرى المفكر الجزائري مالك بن نبي (المتوفي عام 1963). بمناسبة مرور 100 عام علي مولده في عام 1905. وقد حضرت الندوة الدكتورة رحمة مالك بن نبي ابنة المفكر ، حيث أدلت بشهادتها عن فكر والدها . وشارك فيها بشهادات معها كل من : الدكتور حسن الأمراني ، والدكتور عبد السلام الهراس حول معرفتهما الشخصية بالمفكر الجزائري والفترة التي قضياها معه في القاهرة في نهاية خمسينيات القرن الماضي. كما شارك بأبحاث في الندوة كل من الأساتذة : أحمد بوعود ، د. محمد المستيري، د.عبد العزيز برغوت، د. لطيفة الوارثي ، نادية المديوني ، د.مهدية أمنوح ، محمد البنعيادي ومصطفي شعايب .وجميعهم باحثون مغاربة معروفون. كما اختتمت الندوة بقصيدة من الشعر العمودي للشاعر محمد فريد الرياحي في رثاء المفكر الجزائري الراحل. 

                               شهادة الدكتورة رحمة بنت مالك

تقول ابنة مالك : " فمالك بن نبي نتذكره اليوم كماقلت لأسباب تاريخية ، وأسباب أخرى منها: إخفاق البدائل التي طرحت في الساحة الاسلامية .فالاخفاق جعلنا ربما نتذكر مالك بن نبي ونبحث في قراءة جديدة لفكر مالك بن نبي. وكان مالك بن نبي قد أنذر وأعلن إفلاس تلك الأيديولوجيات التي تحمل تناقضا يجعلها غير منسجمة مع الواقع الاجتماعي والثقافي في المجتمع الاسلآمي وفي الساحة الاسلآمية العربية أوغير العربية فكان فشلها حتميا.(...) ربما يتبادر سؤال الي الأذهان عن الخصوصيات التي جعلت مالك بن نبي يتمكن من رصد بعض الأمور ومآلها في المستقبل – في اعتقادي أن مامكنه أوالخصوصيات التي مكنته ، أنه كان مبدعا. بمعنى أنه كان يستطيع أن يرى الأمور العادية برؤية جديدة ، أو الأمور المحيطة التي يراها الناس الآخرون وكان يراها برؤية خاصة به ورؤية جديدة.  في فضاء الحرية المبدعة ، وهي التي لايمتلكها الا من اتصل اتصالا وثيقابالله سبحانه وتعالى . فذلك الاتصال هو الذي يمكن الفرد من التخلص من الخضوع للهوى ومن الفكر النمطي الذي كان في تلك الحقبة.وأنا طفلة ، كان رحمة الله عليه ، من أولئك الذين يقومون الليل صلاة وتضرعا الي الله سبحانه وتعالي ويناجيه، فكان ذا صلة وثيقة بالله سبحانه وتعالي  ،أورثته صفاء روحيا وضبطا للنفس وعقلا مميزا جعله قادرا على ربط الأحداث بالأسباب الحقيقية مهما كانت مستبعدة في الظاهر...وأذكر أنه قال فبيل وفاته إن فكره سوف يعود بعد 30 سنة ، فقد كان يدرك أن فاعلية الأفكار مرتبطة بالمحيط الذي تولد فيه وتنتج فيه.."

إن إهمال كتب مالك بن نبي حوالي ثلاثين عاما فعلا من صدور ترجمتها العربية عن اللغة الفرنسية التي كتب  بها ، لم يكن السبب فيه أن ماورد بها من فكر كان سابق لزمانه ، ولكن الحقيقةأن الاهمال جاء من قبل العلمانيين المتغربين الذين كانت كتاباته عبارة عن نقد علمي لاغترابهم الثقافي ، ولأن كتاباته ذات مرجعية اسلآمية ثاوية فيها وظاهرة  . مثلما جاء من الاسلاميين الذين لايعتبرونه مرجعا دينيا معتمدا لديهم ، وجاء بفكر جديد لم يقل به أوبمثله السلف الصالح . أما من لهم دراية بالعلوم الانسانية الغربية فقد راح يؤسلم معارفه الغربية ملتمسا ما يظنه موافقا لها من الكتاب والسنة على نحو يعد تزييفا وتلفيقا. ولم تصمد محاولاتهم أمام النقد العلمي. وبعد أن أيقن هؤلاء وهؤلاء افلاسهم الفكري في مجال البعث الحضاري ، لم يجدوا مفرا من الرجوع الى فكر مالك بن نبي المهجورمنذ أكثر من ثلآثة عقود . ينقلون منه نقلا حرفيا دون أدنى اضافة من جانبهم .  وأن أضافوا - كانت اضافتهم ليست أكثر من حاشية لشرح المتن ، علي سنة القدماء في زمن أفول شمس الحضارة الاسلامية. لقد اعتبروا ماكتبه مالك بن نبي هو غاية المنتهي للباحث في الموضوع ، وليس مجرد بداية لانطلاق الباحث أو المفكر ليضيف من لدنه ابداعا يستكمل به ماأبدعه مالك. إن ابداع فكر اسلامي هو نعمة من الله علي من يتصل عقله وقلبه بمولاه الذي لايشرك به أحدا ، وهذا المنعم عليه لايحتاج أن يكون فقيها أو واعظا أو أن يثبت صحة ماأنعم الله عليه به بآيات أو احاديث أوأقوال أئمة ،انما يكفي أن يستحضر في قلبه مقاصد الشريعة وأحكامها وألا يخالف ماقضي به الله ورسوله في شئ  ، وأن يستهدف مصالح المسلمين ، ويبرهن بالعقل والمنطق على صحة كلامه الذي لايتعارض مع كتاب الله وسنة رسوله أوقد يدل على حسن فهمه لهما والتزامه بهما.

                             

                                    شهادة الدكتور عبدالسلام الهراس

يذكر الدكتور عبدالسلام الهراس، وهو عالم دين وباحث مغربي كبير، بأن أول علم له بوجود مفكر جزائرى يدعى مالك بن نبي كان عام 1956 بالقاهرة عندما كتب احسان عبد القدوس عنه في مجلة روزاليوسف ، وتحدث عن مقال قدمه اليه مالك يتحدث فيه عن نظريته في "القابلية للاستعمار" والتي يقول فيها : "فبدلا أن أصب جهودي لإزالة الاستعمار ، يجب قبل كل شيء أن أزيل من وجداني ومن نفسي ومن روحي القابلية للاستعمار. وقال بأنه يوجد فرق بين الاستعمار والاحتلال . فاليابان وألمانيا بلدان محتلان ولكنهما مابين 1945 –1950 أي خمس سنوات فقط تمكنتا من بناء مجتمع بكل مرافقه ومصانعه ونظام دولته ولم تبقيا مثلنا تبكيان على الأطلال.وبعد قراءة مقال احسان راح عبدالسلام الهراس ، وكان طالبا يدرس في مصر، يبحث عن ذاك الجزائري حتى التقى به مصادفة في مجلس جمع طلبه مغاربة كان منهم الهاشمي الطود(كولونيل متفاعد حاليا) ومحمد بن عيسى (وزير خارجية المغرب حاليا) وأحمد البقالي..فتعرف عليه وضمه الي السكنى معهم ، وبعد أن اقتنعوا بأفكاره التي كتبها كلها بالفرنسية ، بدأ الشروع في ترجمتها له . فتولي عمر مسقاوي ترجمة كتابه :"شروط النهضة". وعندما تعرف الهراس على عبدالصبور شاهين بعد ذلك سأله أن يترجم لمالك بن نبي كتابه  : "الظاهرة القرآنية "لوجه الله وعندما انتهى منه اقام بمراجعة ترجمة " شروط النهضة " وتقديمهما بعد ذلك الى المطبعة. وتحسنت وضعية مالك بعد ذلك بتعيينه مستشارا لأنور السادات الذي كان وقتها رئبسا لمجلس الشعب والأمين العام للمؤتمر الاسلامي بالقاهرة.واعيد طبع كتبه وترجمت للغات أجنبية.

وتحدث االدكتور الهراس مطولا عن القضايا التي حازت علي الجزء الأكبر من اهتمامات مالك بن نبي أثناء مقامه في القاهرة والتي كان في طليعتها الدعوة الي اقامة وحدة أفريقية آسيوية . وكان قد وضع كتابا عن الأفروآسيوية كان يود أن يقدمه الى موتمر باندونج الذي  انعقد عام 1955الاأنه لم يتمكن من ذلك وقد أمر عبذالناصر بطبع الكتاب بعد ذلك فطبع.وكان شديد الاهتمام بوحدة المغرب العربي أيضا. ويذكر الدكتور الهراس أنهم حاولوا نشر أفكار مالك بن نبي بين الطلاب الوافدين من مختلف دول العالم الاسلامي ،الاأن بعضهم، الذى كان يحمل الهم من منطلق اسلامي، لم يرق لهم الامر. لأن منطلق مالك كان منطلقا روحيا فكريا ( أي كان خطابه مختلفا عن الخطابات الاسلامية التفليدية المعتادة). لقد عبر الدكتور عن هذا المعني بدبلوماسية ذات حساسية مفرطة .ونفس الشيء، عندما تفادي القول صراحة بأن فكر مالك لم يجد من يحمله في مصر، رغم قوله أن الأرض كانت مهيأة لوجود علماء أجلاء ودعاة مثل الاخوان المسلمين والجمعية الشرعية والجمعيات السلفية.(ومع ذلك لم يهتم كل هؤلاء بكتب مالك بن نبيذات المرجعية الاسلامية الواضحة)، الاأن من حمل روح دعوة بن مالك كان المغاربة والجزائريون واخوان لهم في سوريا ولبنان والسودان والسعوديةوبعض الاخوان في أندونيسيا.

 

 

 

                                 معادلات مالك بن نبي

تحت عنوان :"مالك بن نبي في دراسة الغرب " شرحت الدكتورة مهدية العياشي أمنوح منهج مالك بن نبي في النظر الي الغرب فهو اذ يوصي بدراسته بتمعن يطالب بنقد فكره وتصحيح أفكارنا عنه مستعينه بمؤلفات مالك بن نبي مثل : تأملات – مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي – شروط النهضة – في مهب الريح – وجهةالعالم الاسلامي. وكيف نظرالي الغرب من زوايا متعددة : بصفته مستعمرا وبصفته مستشرقا وبصفته متحضرا ولم يعتبره كلا واحدا . ثم كيف حلل مالك الأفكار المركبة الي عناصر جزئية علي هيئة معادلات رياضيةمثل :

§       الحضارة = الانسان +التراب +الوقت ......الفكرة الدينية.

§       توجيه الثقافة = المبدأ الأخلاقي + الذوق الجمالي +المنطق العملي + الصناعة.

§       المجتمع = عالم الأفكار + عالم الأشخاص + عالم الأشياء

§       فاعلية الطاقات الاجتماعية = اليد + القلب + العقل.

حل مشكلة = توجيه الثقافة + توجيه العمل + توجيه رأس المال .

وجاء في مداخلة الاستاذ عبدالعزيز برغوت أن الاستاذ بن نبي ، بصرف النظر عن خطئه أو صوابه ، حاول بذكاء القيام بعملية التوظيف من أجل التحليل العلمي المتكامل لطاهرة التجديد والتغيير في العالم الاسلامي. وقد قادت جهوده الي التأكيد علي أن المشكلة تكمن في المنهج والفكر والانسان والثقافة والحضارة.وهذا في حد ذاته انجاز مهم جدا على مستوى تطويو نظريات ومناهج اسلامية لدراسة التغيير والتجديد .وينقل عن الدكتور محمد أحمد كنعان في كتابه : أزمتنا الحضارية في ضوء سنة الله في الخلق ..قوله : " قد أبدع مالك بن نبي رحمه الله في تحليل أسباب أزمتنا الحضارية ، ومن خلال رؤية متميزة للسنن التي تحكمها ، فساهم بذلك في تصحيح النظرة الى الأزمة، حيث قدمها للناس بصيغة قوانين قابلة للفهم."

 

                                  الأمية الحضارية

في كتابه مذكرات شاهد للقرن يرى مالك أن أمية المتعلمين أخطر من أمية الجاهلين بالقراءة والكتابة ، ففي هذا النوع من الأمية يتم اختزال وظيفة العلم في تحقق المكاسب الذاتية ، بدل الاسهام في بناء المجتمع . وهذا مايطلق عليه اسم :"الأمية الحضارية".

يرى مالك بن نبي أن الأمي الحضاري هو : " الصبي المزمن الذي يظل قاصرا عن المساهمة في بناء شبكة العلاقات الاجتماعية". ويقصد به المثقف الذي انعزل عن المجتمع وعزل في خطابه رجل الشارع  ، فأسهم في زيادة هبوط مستوى رجل الشارع فكريا وثقافيا في بلآد المسلمين كافة .ويتحدث مالك عن هذه الفئة في مذكراته فيقول : إنها عاجزة عن ادراك لغة الشعب. وربما يعجب هنا أولئك المثقفون الذين أصبحوا لايدركون لغة الشعب الجزائرى المسلم ، أنني لاأكتب هذه المذكرات من أجلهم ، ولكن للشعب،عندما يستطيع أن يقرأ تاريخه الصحيح. أي عندما تنقضي تلك الخرافات التي تعرض أحيانا أفلاما كاذبة ،و التي سيكون مصيرها الى صندوق المهملات مع مخلفات العهد الاستعمارى. ويرجع مالك سبب انعزال تلك الطبقة من المتعلمين وانفصالها عن الشبكة الاجتماعية وانفطاع اتصالها بالشعب الى "أن البعض – من المتعلمين والنخبة – من أبناء الأمة ينظر الي رجل الشارع على أنه قاصر ينبغي ألايخاطب خطابا فكريا أوثقافيا ، لأنه دون مستوى ذلك – في نظرهم- وأنه لايتقن الاأنواعا محددة من الخطاب لايتفنها المفكرون والمثقفون، وبعض الفئات اختزلت واقتصرت في خطابها علي الشعارات فقط ،أومايشبه الشعارات ، ممازاد في هبوط مستوى رجل الشارع فكريا وثقافيا في بلاد المسلمين كافة.  الا أنه اعتبر رجل الشارع أيضا مقصرا لأنه لايطالب بحقه في الخطاب الذي يلآئمه . بل يفرط أيضا في هذا الحق وينظر الي الفكر والثقافة بازدراء ." فقد شاع لدى العامة وأنصاف المتعلمين ازدراء الفكر والهزء بالثقافة والتقليل من شأنها ،والنظر الي الفكر والثقافة على أنها نوع من الترف من حق الأغنياء المترفين أن يمارسوه.."  اذ يرى مالك أنه لايمكن نهوض الامة مع اقصاء أو تهميش أي مكون لها.  والقضاء على ظاهرة الأمية الحضارية " لايتم بزيادة المدارس ، وإنما بتحويل التعليم والثقافة من عمليات معرفة ذات أهداف تكديسية أو مكسبية الى عمليات تصنع المتعلم الفعال  ،الذي يشكل الطليعة الحية في إحداث التغيير." ومالك يرى أن الفكر والعمل منظومة متكاملة لايجوز تجزئتها حيث يفقد الفكر قيمته العملية مالم يكن قابلا للعمل به . وتستطرد الاستاذة نادية المديوني في مداخلتهاقائلة: إن مشكلة مجتمعاتنا الاسلامية ، والتي تعد سببا من أسباب الفوضي في مختلف المجالات، تكمن في كون الفرد المسلم أصبح عاجزا عن الجمع بين العمل والتفكير في الوقت ذاته ، أو أن يربط بين جهده الفكري وجهده العملي (...) وهذا العجز عن الجمع بين التفكير والعمل ، الناتج عن الخلط بين جواهر الظواهر وأشكالها ، والذي طبع الحركة الفكرية نشأ عن سبب عضوي تذكيه دائما ضروب من الشلل أصاب النواحي الخلقية والاجتماعية والعقلية جميعا ، وأخطر هذه النواحي هو الشلل الآخلاقي ، اذ هو يستلزم أحيانا النوعين الآخرين ، ومصدر هذا البلاء معروف ، فمن المسلم به الذي لايتنازع فيه اثنان أن الاسلام دين كامل ، بيد أن القضية قد أدت في ضمير مابعد الموحدين الي قضية أخرى: هي : "نحن مسلمون ..اذن نحن كاملون" . والشلل الخلقي يعد السبب الرئيسي في تأخر المجتمع وتخلفه . إذ يعجز الشلل الخلقي المجتمع فيجعله غير قادر علي زيادة جهده الضروري بنهوضة.(نقلا عن كتاب بن نبي : وجهة العالم الاسلامي"). ويرى مالك أن وجود العلم بالدين وبالاخلاق وبمختلف تفرعاته دون عمل  المتلقي أوحامل العلم بعمله يحيل وجود العلم الي عدم ويستشهد في ذلك بحديث للرسول صلي الله عليه وسلم أخرجه الامام أحمد جاء فيه : "قال زياد بن لبيد: ذكر الرسول صلي الله عليه وسلم شيئا فقال : وذاك عند ذهاب العلم ، فقلنا : يارسول الله وكيف يذهب العلم ونحن نقرأ القرآن ونقرئه أبناءنا وأبناؤنا يقرئونه أبنائهم ؟ ، فقال ثكلتك أمك باابن لبيد ، إن كنت لاأراك من أفقه رجل بالمدينة ، أو ليس هذه اليهود والنصارى يقرؤون التوراة والإنجيل ولاينتفعون مما فيهما بشئ."

 

 

                                    شمولية التغيير وضرورته

تقول نادية المديوني إن لإشكالية تخلف التغيير في الأمة الاسلآمية محوران :

§       المحور الأول : اشكالية النهوض والتغيير ، يتمثل في غياب مناهج وبرامج التجديد والتغيير والنهوض ، التي تدرك سنة الله في الأنفس والآفاق أوقصور تلك المناهج.

§       المحور الثاني: يتمثل فيما يمكن أن نطلق عليه فقه التنزيل ، أي غياب فقه تنزيل النص علي الواقع ، من خلآل ظروف وملابسات هذا الواقع واستطاعته ، لاالقبول به وايجاد مسوغات له ، وانما لتغييره والنهوض به والارتقاء به وتطوير استطاعاته من الحال التي هو فيها، وهذا لايتحقق لا بفهم الحاضر وامتلاك القدرة على وضعه في الموقع المناسب من مسيرة السيرة النبوية ، والاعتبار بالمسيرة التاريخية للأمة المسلمة حيث تمنحها الرؤية القرآنية ، وبيانها النبوي، وتنزيلها على الواقع في مرحلة السيرة، الحلول المتعددة  للحالات المتعددة.  وحتى تكون عملية التغيير شاملة – كما يقول مالك بن نبى في وصيته – لايكفي أن يدرك أصحاب الفكرة ، فكرة الثقافة التي لابد أن تسود، الوضع الفكري والثقافي الحالي ، بل لابد أن تدرك باقي الفئات الأخرى بطريقة أو بأخرى فكرة الاصلاح أو التغيير . وتدرك أنه لابد من تغييرات ثورية : فاما أن نقوم نحن المسلمين بالتغيير في مجتمعاتنا . واما طبيعة العصر تفرض علينا تغييرات من الخارج .. لأن هذه هي روح العصر ، فالذي يجب أن نؤكد عليه أولا ، وأن تتذكروه دائما: أننا إذا لم نقم نحن بثورتنا، فإن التغيير سوف يأتي من الخارج ويفرض علينا فرضا .( وصية مالك بن نبي :"إما أن نغير وإما أن نغير "، مجلة العالم ، العدد244/1988 ص50 – وقد اعتبر المقال بمثابة وصيته الأخيرة وأثبتت الأيام صدقيتها وبعد نظره وقوة بصيرته ووعيه بحقائق الزمن الذي يعيشه ومسار تطورها المستقبلي).

                                          

                                

 

                                    التعامل مع الفرآن الكريم

عرض الأستاذ أحمد بوعود  كيفية تعامل مالك بن نبي مع القرآن الكريم خاصة في كتابه :" الظاهرة القرآنية " والذى قارن فيه بين مارواه القرآن الكريم من أحداث والرواية المقابلة في التوراة. وأورد الاستاذ بوعود شهادة الطبيب الفرنسي الذى كان كتاب الظاهرة القرآنية السبب في اعتناقه الاسلام اذ اقتنع بعد قراءته لكتاب مالك بن نبي بأن القرآن كتاب وحي منزل من عند الله .ولقد اهتم بن مالك بعرض القضايا اللآتية :

§       جمع القرآن الكريم.

§       الاعجازفي القرآن الكريم

§       اللغة والمجاز في القرآن الكريم .

§       مكانة القرآن بالنسبة للكتاب المقدس.

وقد عرض الدكتور بوعود لكبفية تعامل بن نبي مع هذه القضايا.وفي ختام مداخلته أشار الى أن وعي مالك بن نبي رحمه الله بتلازم العلاقة بين القرآن والحضارة، جعله يربط دائما بين قضايا القرآن الكريم ومحاوره بالتغيير الحضاري والثقافي الذي ينشده.وعن هذا الوعي صدرت جل كتاباته التي ضمنها زفراته وقلقه، وعالج كل الاشكالات في اطارها.

 

                                      الحضارة والفكرة الدينية

وهو مالاحظته الاستاذه نادية المديوني في مداخلتها . اذ قالت :" لفد ركز مالك علي الفكرة الدينية وربط بينها وبين جميع أوجه النشاط الحضاري ، وبذلك أحال النزعة الدينية من مجرد كمون داخلي عندالانسان الي حركة حية في العالم المنظور.حيث ترتبط بها وتنطلق منها كل دروب النشاط الحضاري ، وبذلك يجسد لنا مالك بن نبي حقيقة العلاقة بين الدين والنشاط الحضاري.."ثم تضيف نادية: أن العمل الثقافي أو الاجتماعي على سبيل المثال اذا تم ، سيعكس لامحالة تصورا دينيا بعينه ، لهذا لابد أن نستحضر – نحن المسلمن – الفكرة الاسلامية أثناء قيامنا بعملية التغيير ، ذلك لأن : " الفكرة الدينية تحدث تغييرها حتى في سمت الفرد ومظاهره حين تغير من نفسه ، وبذلك يكون لمنهج التربية الاجتماعيةأثره في تجميل ملامح الفرد ، أي أن مجموعة من الانعكاسات تؤدي الى خلق صورة جديدة ، كأنها تتمثل في وجه جديد " (ميلاد مجتمع).واقتران الحياة الاجتماعة بالفكرة الدينية كبير لدرجة أنه اذا تم التخلي عن هذه الفكرة ، وعن القيم الأخلاقية التي تحملها ، أصيبت الأمة بالدمار ، والسبب في هذا راجع للآشخاص ، لأنه لايعقل أن يلحق الخراب بأمة وأهلها متشبثون بهذه الفكرة" وماكان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون "(هود117)، وماكان الله سبحانه وتعالى ليظلم عباده " فكلا أخذنا بذنبه فمنهم من أرسلنا عليه حاصبا ومنهم من أخذته الصيحة ومنهم من خسفنا به الأرض ومنهم من أغرقنا وماكان الله ظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون"(العنكبوت 39) ...لاينبغي أن نفهم أن التغيير مقتصر علي الفرد فقط بل هو تغير القوم – أي المجتمع – لما بهم ،حتى يتحقق تغيير الله لأحوالهم ...

في حديث لرسول الله صلى الله عله وسلم تنبيه الي تحول المجتمع الي حالة من العجز والوهن والكلل بحيث لايعود يستفيد من الوسائل التي بين يديه في تحصيل نتائج أحسن في مجال الاصلاح ....هذا النوع من الأفراد " أينما وجهته لايأتي بخير" لا لأن الخير غير موجود ، ولكن لأن وضعه لايسمح أو يعجزه أن يأتي بأي خير. فأزمة الأمة الإسلامية ليست أزمة زاد أو أجهزة أو...وانما هي أزمة بشرية، لالقلة البشر، بل هم كثيرون ، ولكنهم "غثاء كغثاء السيل" لايقدمون ولايؤخرون ، فقدوا الفاعلية وقوة الدفع . وذلك عندما أزاحوا عن طريقهم ماأسماه مالك بن نبي بالفكرة الدينية ، أوجعلوها مجرد كمون داخلي عندهم ، بمعنى أنهم أحدثوا الفصل بي الفكرة الدينية وبين مسيرتهم الحضارية.

وفي شهادة الدكتور الهراس وهو ينقل فكر مالك المبكر ، يقول: "فبامتزاج الدين والروح الدينية والوحي بالنفس ، وامتزاج بين الوقت والأرض والتراب والانسان .تبدأ الحضارة بالانطلاق، بمعنى إعطاء القيمة للوقت أي لزمن الانتاج والتراب مادة الانتاج وللانسان الذي هو صانع الانتاج ، هو سر الحضارة.

 

                     

                            الاسلام والديموقراطية

كانت علاقة الاسلام بالديموقراطية كنموذج لقضايا الاستغراب التي تعرض لها مالك بن نبي هي موضوع مداخلة الأستاذ محمد البنعيادي في الندوة .ويقول بن عيادى أن مالك رأى المشكل أساسا في الربط بين مصطلحي "الاسلام" و"الديموقراطية .وكخطوة منهجية أولىلتفكيك وتحليل هذه العلاقة، كان من اللازم تعريف كل من الللازم تعريف كلا المصطلحين. فماهو الاسلام اذن ، وماهي الديموقراظية؟.

يرى ابن نبي أن الاسلام مجموعة من المعتقدات والأفكار والأحكام  والتشريعات المترابطة والمرتبطة بالوحي في مجالات الكون والانسان والحياة تتوخي هداية الانسان  إنه توجه وتوجيه قيمي يرسم المسيرة الصحيحة لحياة الانسان وخلافقته في الأرض. انه فكر منظم لرؤية فلسفية تتميز بالتكامل والشمول والتوازن عبر شريعة تنشد ارتقاء الانسان في الدنيا والآخرة . ولعل أهم مجالات التشريع هو الحياة الاجتماعية التي تتصل اتصالا وثيقا بالسياسة والحكم . اذن الاسلام لابد أن يهتم بالساسة ، والسياسة لابد أن تتحرك في نطاق الدين.ويظهر ذلك بيسر لكل منأمل في محتى وطبيعة القضايا الدينية والسياسية  فالمشترك بين الدين والسياسة يرتبط بالهدف والقضايا الاجتماعية المراد معالجتها ، بل ل، نكون مغامرين اذا قلنا بأن الدين يغطي باستمرار كل مجالات السياسة....     .

والديموقراطية في أبسط معانيها تعني سلطة الشعب أو الجماهير. وهي مجموعة ممارسات ووسائل لصناعة القرار السياسي عن طريق مشاركة الغالبية من أفراد الأمة باعتبارها حجر الزاوية الأساس للنظام والفكر الديموقراطيين. انها تقوم على مبدأين أساسيين : حرية الانسان والاعتراف بالآخر....   .أذن ماهو وجه المقارنة بين مفهوم سياسي يفيد "سلطة الانسان" في نظام اجتماعي معين وبين مفهوم ديني يفيد " خضوع الانسان" الى سلطة الله في النظام نفسه.؟...هل إقامة حكم الشعب (الديموقراطية ) مشروطة بالغاء الحاكمية الالهية؟ . وهل تقف الحاكمية الالهية ضد حاكمية الأمة والشعب؟. لتحرير القول في ذلك لابد من مراعاة حقيقتين مهمتين:

1.    الحقيقة الدينية: حيث لايختلف انسان مسلم كيفما كان مذهبه على أن الحاكمية الأولى هي الحاكمية اللالهية والاسقط المعنى الأول والاساسي للدين الذي يختزن مجموعة من الحقائق الدينية (الحياة، الموت، البعث...).

2.    الحقيقة الاجتماعية /السياسية : حيث من المسلم به أن الاسلام يستهدف تحويلف نصوصه وتعاليمه الى قيم وأخلاق وأحكام وبالتالي الى ثقافة تؤطر الانسان المسلم بقوتها ونفاذهاونفوذها . وذلك لايتحقق الا بتفاعل الديني مع الاجتماعي/الثقافي/السياسي.حيث علي السياسي مثلا تسخير الديني المقدس في بناء الثقافة الاجتماعية للمسلم.

  هذا المبحث في الاسلام والديموقراطية عند مالك بن نبي احتل32 صفحة من الكتاب. وهو بحث فلسفي غير مسبوق. ولم يلحق به ماهو أفضل منه. وأكتفي هنا بما انتهي اليه مالك بن نبي بعد أن أوضح أن الديموقراطية لدى المسلمين يجب أن تكون أكثر عدالة ورشدا وحكمةوحفاظا علي حقوق الانسان وكرامته وحريته وأن الاسلام يدين كل الطفيليات ، وكل الطواغيت بمافيها الطاغوت السياسي والاقتصادي والديني

(على شاكلة نظام الإكليروس) ، يدين كل ذلك باعتباره يقضي علي الجانب الاجتماعي في الديموقراطية الإسلامية ، حتى لايقع المسلم في وضع العبد الذي تستعبده الأوضاع الاقتصادية ، أو أن يصبح مستبدا وبيده صولجان الذهب والمال.انتهي مالك الى القول :" اذا كان المراد بالديموقراطية نظام الحكم المضاد للديكتاتورية فمن الممكن أن ينسجم الاسلام مع الديموقراطية ، لأنه ليس فيه موقع لحكومة تدار وفق هوى فرد أو جماعة من الأفراد . فأساس القرار في الحكومة الاسلامية وأعمالها ينبغي أن يكون الشريعة لا الهوى  أوالهوس الشخصي...(وذلك) شرط مسبق للديموقراطية، إنه الشرط الفكري والثقافي الذي تعبر عنه الأحكام والتشريعات الإسلامية المستنبطة من القرآن والسنة والمشروطة بالاستعانة بآليات الشورى والاجماع.

والخلاصة أنه لاتعارض بين الاسلام والديموقراطية باعتبارأن الديموقراطية حركة موضوعها يقع في منطقة الفراغ التشريعي من جهة ، ومن جهة ثانية لكون أسسها وانطلقاتها النظرية – مثل حق الاختلاف- تتوافق مع المفاهيم القرآنية التي اعتبرت الخلاف سمة ملازمة للاجتماع الانساني.           

 

يقع الكتاب في 174صفحة من الحجم المتوسط،. وهو جدير بالقراءة .حيث اجتهد الباحثون فيه أن يقدموا فكر مالك بن نبي من واقع مجموعة كتبه التي ألفها، في العديد من القضايا الفكرية التي مازالت تحتفظ براهنيتها. وقد عرضت منها بعض ما اعتبرته أكثر أهمية بايجاز بقدر الامكان. وقد كانت راهنية فكر مالك ين نبي موضوع مداخلة الاستاذ مصطفي شعايب الذي أوضح فيها أن حديثه عنها ليس عملية اسقاط تعسفي هدفها الحاق هذا المفهوم بذاك الفكر. بل إن المشروع الحضاري لمالك يحمل كل جينات وخصائص هذه الراهنية وهو كل ماسوف يتوضح لاحقا.

                                    

 

                                                   عرض وتقديم : فوزي منصور

 

                                                كاتب مصري مقيم بالمغرب

    Fawzy_mansour@hotmail.com                                                        

 

 



أضف تعليقا