كثير من المفكرين الاستراتيجيين يدركون جيدا أن الادارة الأمريكية قد وظفت أحداث 11سبتمبر/أيلول الارهابية ،لا لمحاربة الارهاب كما تدعي، وإنما لتحقيق وتبرير وتغطية أهداف استراتيجيتها الدولية والتمكن من تنفيذ المخططات المتعلقة بها والموضوعة قبل الأحداث بسنوات . هذا إذا لم تكن احداث11سبتمبر/أيلول قد دبرت لهذا الغرض أساسا حيث مازالت تحوم حولها شكوك مبررة وكثيرة وتطرح حولها أسئلة لاإجابة لها تنتهي إلى احتمال أن تكون وراء تلك الأحداث جهة أخرى غير التي نسبيت اليها . وأن احتلالها لأفغانستان ثم العراق ونشرها قواعد عسكرية في باكستان وآسيا الوسطى كامتداد جغرافي على هيئة قوس يبدأ مما أقامته في دول الخليج والمحيط الهندي وينتهي بقاعدة انجيرليك شرق الأناضول في تركيا بغرض تطويق الصين من جهة الغرب له لهدفين استراتيجيين . أولهما : تعويق تنامي القوة الاقتصادية للصين والتي يمكن أن تتحول عندما تبلغ حدا معين إلى قوة ونفوذ سياسي عالمي يهدد المكانة العالمية التي تحظي بها الولايات المتحدة الأمريكيةحاليا ،والتي أكتسبتها مع انتهاء الحرب العالمية الثانية وخرجت منها سليمة لم يصب بنياتها
التحتية أي أذى بينما خرجت الدول العظمى المنافسة لها في أوروبا وآسيا مدمرة ، وتعززت هذه المكانة بتفكك الاتحاد السوفييتي السابق وتدهور الأوضاع الإقتصادية في روسيا الاتحادية علي إثر ذلك. وثانيهما : ماتتطلبه الدواعي الاستراتيجية العسكرية في حالة ماتطور الصراع بين الصين والولايات المتحدة الامريكية ،والذي بات يعتبره الأمريكيون صراعا وجوديا ، الى مواجهة عسكرية بين البلدين قد تدفع الصين الى الانتشار غربا واجتياح وسط آسيا والشرق الأوسط وتهديد المصالح الأمريكية خاصة والحضارة الغربية عامة بالزوال مثلما اجتاحت الجحافل النازية شرق أوروبا والاتحاد السوفيتى من قبل .
وحدة المصالح الأمريكية والإسرائيلية
لايمكن إغفال أن دعم وتعزيز وضع ونفوذ وفرص اسرائيل في المنطقة هو من أهداف الاستراتيجية الأمريكية في المنطقة . ولكنه هدف ثانوي أومتفرع عن الأصل . حيث لولم تكن اسرائيل قائمة في المنطقة لقامت الولايات المتحدة بنفس الشئ . لايمنع ذلك من أن العناصر الصهيونية في أمريكا كان لها دور في صياغة التفكير الاستراتيجي ودفع صناع القرار الأمريكيين إلى هذه التوجهات لتمكين اسرائيل من الإفادة منها بدورها لتحقيق أهدافها الخاصة، مع دمج الأهداف والوسائل المقترحة من قبل اسرائيل والتي تصب في خدمتها بالاستراتيجية الأمريكية. وذلك باعتبار اسرائيل حليف استراتيجي للولايات المتحدة الأمريكية بموجب معاهدة واتفاقات موقعة بين البلدين وأيضا أعمالا لمبدأ كيسنجر القائل بأن كل مافيه صالح اسرائيل هو في صالح الولايات المتحدة أيضا .
حقيقة الحرب على الاسلام
كما أن اتخاذ المخططات الأمريكية شكل :"حرب علي الاسلام " لايجب أن يضللنا علي نحو لانرى في الحماقات الأمريكية سوى ذلك . نعم أمريكا تحارب اليوم الاسلآم وتشن في الشرق الاوسط حربا صليبية . كما أقر الرئيس الأمريكي بذلك واعتبر فلتة أو زلة لسان . وأمريكا تفضل الاسلآم الشيعي عن السني كماصرح بذلك جون بوزيد القائد الأمريكي للمنطقة الوسطي المستقيل. واعتبر أن التطرف السني يعد خطرا دائما، أما الخطر الشيعي فمؤقت، مرتبط بوجود نظام الحكم الإيراني الحالي. هذا الموقف المعادي للآسلآم ليس نتيجة عصبية دينية للمسيحية أو رغبة في نصرة المسيحية كعقيدة دينية ، وإنما هو نتيجة لدراسة التاريخ ومحاولة الاستفادةمن دروسه. فالاستفادة من العصبية الدينية لدى الشعوب المسيحية كمحفز ايديولوجي قوي التأثير يضمن إلى حد كبير اصطفاف العالم المسيحي مساندة المخططات الأمريكية وأن تضمن تنفيذها جرائم ضد الانسانية تصل الى حد الابادة الجماعية لمجتمعات مسلمة. وهو نفس المسلك الذى اتبعته الحروب الصليبية في القرون الوسطي في ذات المنطقة، حيث تم تغطية حروب ذات أسباب ودوافع تجارية صرفه بشعارات دينية . كما أن دراسة حركة التحرر من الاستعمار في العصر الحديث توضح أن الاسلام كان هو المحرك الاساسي لمقاومة الغزو الاستعماري وأن الاحتلال الاجنبي لأرض مملوكة لمسلمين لايمكن له أي يستمر طالما كان الاسلآم حيا لديهم. أما تفضيل المذهب الشيعي علي المذهب السني فليس ناتجا عن مقارنة علمية بينهما ولكنه ادراك خلفيات نشوء المذهب الشيعي السياسية في التاريخ وعودته لبعض المجتمعات المسلمة بعد أن هجرته . واستنتج من ذلك أن السياسة فيه مقدمة عن الدين وبالتالي يمكن عقد صفقة سياسية مع الشيعة ضد باقي المسلمين وهو ما يعد مخالفا للدين الاسلامي بينما لايتسنى عقد مثل هذه الصفقة ضد الشيعة المسلمين مع أهل السنة. في الحقيقة فان هذه الدروس التي استخلصوها من كتابات المستشرقين ليست هي الحقيقة كاملة . اذ أن تاريخ المسلمين القديم والحديث يجمع الكثير من المتناقضات .فكم من حاكم مسلم محسوب ضمن أهل السنة استعان بغير المسلمين لمؤازرته في صراعه ضد حاكم مسلم اخر. واحدى الدول الاستعمارية ما أغراها بالاستيلاء على دولة اسلامية الا ما كتبه جواسيسها من أن أهل ذاك البلد لم تعد تربطه بالاسلام آصرة حيث هجر أهله الصلاة والصيام والزكاة والحج وتهدمت جدران مساجدهم من اهمالها . أغرى ذلك الدولة الاستعمارية بهم وعزمت على تحويلهم الى المسيحية الا أنها ما احتلت أرضهم حتى هبوا لمقاومتها والتمسوا دينهم المهجور فاستعادوه وأحيوا مناسكه من جديد . وهكذا كان فرض الحماية علي ذلك البلد ومحاولة تنصير أهله الفضل كل الفضل في الصحوة الاسلامية التي انتابت السكان . هذا الدرس الأخير ربما لاعلم للمخططين الأمريكيين به لأن الكتب التي اطلعوا عليها لم يرد قيها له ذكر. وتمنعهم عصبيتهم من مطالعة كتابات ادوارد سعيد بلغتهم. وهناك أيضا الخلط بين القيم الاسلامية وبين جرائم أنظمة الحكم العربية في حق شعوبها . اذ يتم القول بأنه لولم يكن هؤلاء الحكام من المسلمين مااقترفوا هذه الجرائم وهو ماجاء على لسان سيدة أمريكية هاجمت الاسلام بشراسة في برنامج "الاتجاه المعاكس" قدمت فيه لائحة كاملة بجرائم ضد الانسانية ارتكبتها الأنظمة في سوريا والعراق وغيرها وأعزت صمت الشعوب العربية المسلمة عليها الى أن العنف أصيل في عقيدتهم الدينية .
أمريكا تخسر والصين تواصل تقدمها
اذا سلمنا أن الحربين في أفغانستان والعراق جزء من مخطط استراتيجي أمريكي موجه أساسا ضد الصين وأن العالم العربي يدفع ثمنا باهظا بسبب موقعه الجغرافي الفاصل بين أوروبا أو الغرب
والصين ، فان ماتخسره أمريكا وهي منهمكة في خلق الظروف التي تكفل لها تحقيق النصر الحاسم عندما يحين وقت المواجهة العسكرية مع الصين ، فانه من المحتمل جدا عندما تحين الساعة أن تكون
الولايات المتحدة قد استنفدت قوتها الاقتصادية والعسكرية في حروبها الخارجية ونفقات قواعدها العسكرية العديدة عبر العالم فلا تنفعها الاوضاع الميدانية التي هيئتها إن لم تعمل ضدها.
.علينا أن نلآحظ أن الحرب الأمريكية في المنطقة قد واكبها ارتفاع كبير في أسعار البترول اذ ارتفع سعر البرميل الواحد من عشرة دولار الى مايقارب السبعين برميلا . وأن هذا الارتفاع الغير خاضع لقانون العرض والطلب الذى يفترض أن يتحكم في السوق لم يكن مبررا وبالتالي لم يكن مجرد مصادفة قط وانما هو جزء من المخطط. كان المفترض أن يؤثر ارتفاع أسعار البترول سلبا على نمو الاقتصاد الصيني الذي يتزايد استهلاكه للطاقة باطراد، باعتبار البترول أحد مدخلات العملية الانتاجية الهامة وتتزايد واردات الصين منه باستمرار. الا أنه على الرغم من زيادة أسعار البترول وزيادة واردات الصين منه حافظت الصين على معدل نمو اقتصادها المرتفع ولم تتأثر أسعار الصادرات الصينية الى الخارج بل اتسع نطاق الأسواق الصينية فى آسيا وأفريقيا ، وشكلت فيها السلع الصينية رخيصة الثمن ومعتدلة لجودة منافسا قويا للسلع المماثلة الأمريكية والأوروبية الغالية الثمن ومرتفعة الجودة فضلا عن المنتجات الصينية الخاصة التي لم تعد الدول الغربية تنتجها.ونجحت الصين بذلك في اختراق أسواق جديدة كانت شبه محتكرة من قبل من الدول الأوروبية منذ الحقبة الاستعمارية. وذلك تحت مظلة منظمة التجارة العالمية. وراح المارد الصيني يزيح منافسيه فيها وينهي احتكارهم التاريخي لها . وفي حين واصل الاقتصاد الصيني يحقق أعلى معدل نمو في العالم سواء على مستوى الانتاج أو الصادرات استمرت الاقتصادات الغربية عامة أسيرة ركود مزمن. وما استفادت منه الحكومة الامريكية من عائدات شركاتها العاملة في انتاج وتسويق البترول فيما وراء البحار استهلكته نفقاتها المتزايدة على قواتها المنتشرة في مختلف القارات وحروبها الخارجية خاصة في العراق . بالمقابل واصلت الصين تنمية قوتها العسكرية وقواتها البرية والبحرية والجوية وتحديثها مع تفادي بلوغ نفقاتها العسكرية حدا يشكل عبئا على اقتصادها مما قد يتسبب في انهياره كماحدث للاتحاد السوفيتي السابق عندما جره سباق التسلح مع الولايات المتحدة في عهد رونالد ريجان الى الهاوية . ومع ذلك كان تفجير الصين لقمر صناعي في الفضاء الخارجي دليلا على أن الصين نجحت في تحديث قدراتها العسكرية وتنمية امكاناتها العلمية الى أعلى مستوى. وهنا يمكن أن نشير الى احتمال أن يكون للتقنيات الأمريكية والمعلومات التي حصلت عليها اسرائيل من تعاونها في مجال البحث العلمي مع أمريكا الفضل في تحقيق الصين لتقدمها العلمي وتطوير تقنياتها الالكترونية في مجال الفضاء الخارجي والتى اضطرت اسرائيل أن تسلمها للصين في محاولة لكسب مودتها وضمان عدم استعمالها حق الفيتو في مجلس الأمن ضد قرارات أمريكية تصب لصالحها . ان هذا يؤكد أن مقولة " كل ماهو في صالح اسرائيل هو في صالح الولايات المتحدة " ليس أكثر من وهم يسيطر علي العقل السياسي الأمريكي . كماأن المأزق الأمريكي في العراق حاليا والذي كان سببا في تدني شعبية الرئيس الأمريكي وفقد حزبه الجمهوري أغلبيته التي كان يتمتع بها في الكونجرس ومجلس الشيوخ يعود في معظمه الي تبني المخططين الاستراتيجيين الأمريكيين للرؤى والتوجهات والأهداف الاسرائيلية في المنطقة العربية . يضاف الي ذلك أيضا أن ارتفاع أسعار البترول والغاز نتج عنه نهوض الاقتصاد الروسي من كبوته مما أسهم في تحقيق استقلالية القرار السياسي الروسي وانتهاء التأثير الأمريكي عليه مع وجود سياسة تقارب وتعاون بين روسيا الاتحادية والصين تزيد من تحقيق وحدة المصالح بين البلدين يمكن أن تترتب عليه تداعيات سياسية تصب في صالح الصين خلال صراعها المكتوم مع الولايات المتحدة.كما أنه يعيد روسيا الاتحادية الي الموقع الذي كان للاتحاد السوفييتي السابق كمنافس قوى لها في الساحة الدوليةيعرقل مخططاتها ويضيف الي القوى الاقتصادية والسياسية الصاعدة غريما جديدا لها. كما أن انشغال ماتسميه أمريكا بالحرب علي الارهاب وان نجحت في جر العديد من الدول اليه ،ومنها دول عربية واسلامية يفترض أن هذه الحرب موجهة في حقيقة الأمر ضدها ، ترتب عليه انحسار نفوذها وتهديد ما تعتبره مصالح حيوية لها في محيطها الجيوسياسي الأقرب لها . وأعني بذلك أمريكا اللآتينة التي كانت تعتبر بموجب مبدأ مونرو حديقة بيتها الخلفية وعمق اقتصادها وأمنها الاستراتيجي .
تقرير لجنة هاميلتون /بيكر
لن أتوقف عند هذا التقرير طويلا فقد سبقني من الكتاب والمحللين من أوضح أن توصيات لجنته التي تجاوزت التسعين ، لم تتوخ مراجعة الاستراتيجية الأمريكية في الشرق الأوسط وانما انحصر جهدها في تقديم نصائح للإدارة الأمريكية تحقق لها النجاح الذي تنشده منها. هذه الاستراتيجية التي يعتبر التقرير قد سلم ضمنا بصحتها وجدواها للولايات المتحدة الأمريكية . وباعتبار أن استراتيجية الولايات المتحدة في العراق هي جزء من استراتيجيتها العالميةللحد من الأخطار المستقبلية التي تهدد مكانتها الدولية . هذه الاستراتيجية التي أتناولها هنا بالنقد . ليس من منطلق أضرارها البالغة علي المنطقة العربية والعالم الاسلامي ، المفعمة بالعداء لهما ولمجمل الثقافة والحضارة العربية الاسلامية
وانما لاثبات أنها في غير صالح الولايات المتحدة ذاتها ولن تحقق أهدافها منها علي المدى البعيد وستعمل ضد مصالحها ولن تتمكن بها من تحقيق حلم الامبراطورية العالمية التي تعيد سيرة الإمبراطورية البريطانية التي لاتغرب عنها الشمس بعد أن اندثرت ومحا التاريخ آثارها. لقد اعتبرت الولايات المتحدة نفسها الوريث الشرعي لتلك الامبراطورية الانجلو سكسونية الدارسة رغم مساهمة الحكومات الأمريكية في تصفية الاستعمار الأوروبي ومساندة حق الشعوب في تقرير مصيرها . ومع ذلك تبنت الولايات المتحدة كافة السياسات التي كانت تطبقها الامبراطورية البريطانية في العالم فحرصت علي التحكم والسيطرة علي الممرات البحرية ونشر أساطيلها في أعالي البحار وتوزيع قواعد عسكرية ثابته في مختلف قارات العالم مهما كانت التكلفة المالية وان اضطرها ذلك الي التورط في حروب . ودخلت بالفعل الحرب في كوريا وفيتنام لهذه الغاية وان بررتها بالتصدي للمد الشيوعي في آسيا كما تبرر حروبها الحالية بالتصدي للإرهاب الاسلامي . هزمت وطردت من فيتنام ولم تنتصر في كوريا ولكنها تمكنت من تحقيق هدنة دائمة مع الكوريين الشماليين سمحت لها بأن تحتفظ لها بتواجد عسكري في كوريا الجنوبية وهو غاية ما تأمل حاليا في الوصول اليه داخل العراق
واذا تأملنا سياستها الحالية في العراق سنجد تماثلا – ان لم نقل تطابقا تاما – مع السياسة الاستعمارية البريطانية في العراق خلال عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي رغم ماانتهت اليه من فشل .
وتحول مبدأ وراثة الامبراطورية البريطانية السابقة الي عقيدة سياسية دوغمائية ثابتة تحدد السياسات الخارجية المتبعة والاسترتيجيات وغاياتها ووسائلها التي تعتمد أساسا على القوة العسكرية لفرض النفوذ والهيمنة علي الشعوب والدول الاخرى . ونشر الحروب واثارة الفتن لتفتيت القوميات الكبيرة لمنعها من اقامات كيانات سياسية قوية أو ماعرف بمبدأ "فرق تسد" . كل ذلك أضحى من أساسيات التفكير الاستراتيجي الأمريكي الغير قابل للمناقشة . ولذا لم يكن بامكان لجنةبيكر/هاميلتون مناقشة مدى صلاحية الاستراتيجية لمواصلة المضي في تحقيقها وانما البحث عن وسائل أوسياسات جديدة تكفل انجاحها بتكلفة أقل. لم يذهب الأمريكيون الي العراق للخروج منه ، ولم يذهبوا أيضا اليه لاقامة نظام حكم ديموقراطي فيه كمايدعون ، وليس من مخططهم ابقاء عشرات الآلاف من جنودهم فيه وانما ينحصر هدفهم النهائي في اقامة قواعد عسكرية ثابتة ، تكمل سلسلة قواعدهم العسكرية في المنطقة والعالم . مع خلق محيط ملائم لايشكل خطرا علي وجودها ، وان تطلب ذلك ابادة السكان المحليين ، سواء باثارة الفتنة بينهم لبقتل بعضهم بعضا أو بواسطة قوات الاحتلال ذاتها . وكلما احتدمت العداوة بين السكان وتأججت نارها وكثر قتلاهم كان ذلك مبررا لسفك المزيد من دمائهم من قبل قوات الاحتلال بدعوى مكافحة الارهاب. ومع وجود مشاركة اسرائيلية في التخطيط والتنفيذ فقد اعتبر ماتطالب به اسرائيل وتعتبره من دواعي المحافظة على أمنها ووجودها يندرج ضمن مايتطلبه وجود القواعد العسكرية من محيط آمن . والمحيط الآمن من وجهة النظر الاسرائيلية هو محيط تنحسر فيه العروبة ودعاوي القومية العربية التي تعتبرها راديكالية ونزعة شوفينية وفاشستية تشكل خطرا عليها خاصة ان امتزجت بقيم الصحوة الاسلامية التي بدأ يعرفها الاسلام السني مؤخرا. ومن الكتابات في الصحف الاسرائيلية سنجد أنه لامانع لدى اسرائيل من أن يقتسم العراق الفرس والأكراد .اذ لم يحرر أجدادهم من الأسر البابلي ويعيدهم الي فلسطين سوى استيلاء امبراطور فارسي (اسويرس)علي العراق بعد أن توسطت لديه خليلته اليهودية"أستير". والاسرائيليون لايعترضون على أى توسع للنفوذ الايراني في المنطقة أو توفر ايران على قوة نووية . وانما يتحفظون أن يتم ذلك في ظل الحكومة الايرانية الحالية التي يعتبرونها مناهضة لاسرائيل . وسنجد ذلك أيضا فيماجاء على لسان جون ابيزيد وهو يقارن ماسماه الارهاب السني الدائم بالارهاب الشيعي ا لمؤقت الذي يرتبط زواله بزوال نظام الحكم الحالي في طهران.
المشكلة الحقيقية للعسكريين الامريكيين في العراق هو احساسهم بأنهم سقطوا في مصيدة ايرانية وباتوا تحت رحمة الجيش والحرس الثورى الايراني بحيث لم يعد بامكانهم ضمان خروج آمن لقواتهم من العراق أو سحبها لقواعد عسكرية أمريكية في الأنبار والاقليم الكردي بعيدا عن الحدود العراقية مع ايران دون تفاهم مسبق مع هذه الاخيرة . وقد عقدت مفاوضات أمريكية/ايرانية في مقر السفارة الأمريكية ببغداد لم يتم الاستمرار فيها بسبب الاصرار الايراني علي الانسحاب الامريكي الكامل من العراق وتقديم ضمانات كافية لعدم شن أمريكا لأى عدوان على ايران مستقبلا. ولجنة بيكر
عندما تطلب اجراء مباحثات مع سوريا وايران تعلم أن سوريا لم تعد تملك ماتقدمه للولايات المتحدة بعد أن قدمت لها كل ماوسعها تقديمه دون مقابل ولكنها تأمل أن تلعب سوريا دور الوسيط في مفاوضات غير مباشرة بين أمريكا وايران تتحول فيما بعد الي مفاوضات مباشرة اذا ماتم احراز تقدم
فيها . وتحركات وزير الخارجية السوري التي قادته الي بغداد وطهران يمكن أن تكون في هذا السياق حتى وان لم تحقق أي نتائج ملموسة.
استراتيجية عسكرتارية بدائية
تركز اهتمام مراكز الدراسات والابحاث الاستراتيجية الامريكية قبل ثلاثة عقود علي الميدان الاقتصادي لضمان المحافظة علي قوة الاقتصاد الأمريكي في مواجهة المشاكل التي بدأ يواجهها وأهمها استهلاك الصناعة الامريكية خلال القرن العشرين الثروات الطبيعية المحلية خاصة المعادن والطاقة والاعتماد المتزايد على استيرادها من جنوب أفريقيا والشرق الاوسط وكذلك فقد الولايات المتحدة مزاياها التنافسية بالنسبة للصناعات الثفيلة لارتفاع تكلفتها الناتج عن بدء فاعلية قانون تناقص القيمة على المصانع القديمة وزيادة تكلفة المواد الأولية المستوردة والأجور المحلية وغيرها. وقد انتهت هذه الدراسات الى التوصية بالتخلى عن الصناعات التقليدية مثل الصلب والنسيج وغيرها وتركيز الجهود علي الصناعات الحديثة الالكترونية والبيولوجية التي تحقق لأمريكا ميزة تنافسية فيها بعدما أحرزت تقدما علميا هائلا في الابحاث الفضائية والنوويةوالاتصالات. كما أوصت أيضا بأن تستغل الولايات المتحدة نفوذها السياسي لفتح فرص أوسع لمؤسساتها الاقتصادية في مجال التجارة والخدمات عبر العالم . وقد اتبعت الولايات المتحدة هذه الوصايا وكان من نتائجها النمو السريع لظاهرة الشركات المتعدية الجنسية الأمريكية الأصل وظاهرة العولمة والاندماجات بين مؤسسات أمريكية وأوروبية كبرى في العقد التاسع من القرن الماضي وظهور مؤسسة التجارة العالمية لفتح الحدود أمام التجارة الدولية والغاْء الحماية الجمركية ، وان انعكس كل ذلك ايجابا علي الاقتصاد الامريكي وحافظ عليه من الانهيار. كما اهتمت أمريكا بمجالها الجيواقتصادي فعقدت اتفاقية "النافتا"مع كندا والمكسيك وزاد اهتمامها باقتصاديات أمريكا اللاتينية والدول الموجودة علي الجانب الآخر من المحيط الهادي وتنامت مبادلتها التجارية مع الصين حتى تجاوزت المائة مليار دولار سنويا. كانت هذه استراتيجية رشيدة وجيدة ومجدية لحاضر ومستقبل الولايات المتحدة الأمريكية لوأنها التزمت باطارها الاقتصادي وكرست جهودها السياسية علي تطويرها .
بعد انهيار الاتحاد السوفييتي في نهاية ثمانينيات القرن الماضي اعتبرت المخابرات الأمريكية بأن الفضل يعود اليها سواء بما أقامته من اذاعات موجهة في أوروبا الغربية أو بما جندته من عرب ومسلمين لمقاومة ودحر التدخل العسكري السوفييتي في أفغانستان واختراقها للمخابرات السوفييتية الكي جي بي ومفاصل الدولة السوفييتي . واعتبرت المخابرات ووزارة الدفاع الأمريكية أن الوضع العالمي الجديد الذى أسفر عن قطب عالمي وحيد بلامنافس يتطلب استغلال هذه الفرصة التاريخية لنشر النفوذ الأمريكي عبر العالم والسيطرة التامة على القرار السياسي الأممي وتحقيق حلم اقامة امبراطورية أمريكية عبر العالم لاتغرب عنها الشمس كما كانت عليه الامبراطورية البريطانية قبل الحرب العالمية الثانية .يمكن القول هنا بأن غرور القوة وجنون العظمة قد أصيب بهما القادة العسكريين الآمريكيين ، وكلاهما يندرجان ضمن الأمراض النفسية والعقلية ولايمكن أن ينتظر المرء من المصابين بها تصرفا حكيما أو أخلاقيا. ممالاشك فيه أن الولايات المتحدة تتوفر علي أفضل الجامعات ومؤسسات التعليم العالي ومعاهد البحث العلمي وأن لهذه المؤسسات تأثير على صناعة القرار الأمريكي وصياغة التوجهات السياسية والفكرية الآمريكية الي جانب مؤثرات أخرى. إلا أن هذه المؤسسات العلمية تفقد قيمتها عندما تفقد استقلاليتها . سيظهر ذلك جليا عندما استعانت وزارة الدفاع الأمريكية بمراكز الأبحاث لوضع استراتيجية مستقبلية تعتمد علي القوة العسكرية الأمريكية وهوماأسفر في النهاية عن ظهور المجموعة التي باتت تعرف بالمحافظين الجدد. الحرب وفق التعريف المشهور لكلاويتفيزر هي تحقيق السياسة بأدوات عسكرية . وجوهر التعريف هو أن الحرب ليست الأداة الوحيدة ولايتم اللجوء اليها اذا ماأمكن تحقيق الأهداف السياسية بوسائل أخرى. الاأن الذى حدث أن العسكريين والمدنيين من مجموعة المحافظين الجدد جعلوا السياسة في خدمة الحرب وليست الحرب في خدمة السياسة . اعتمد التنظير والتخطيط لديهم علي مايوافقهم من الفلسفة الأوروبية وعلى فكر ليو شستراوس المنفلت من القيم الأخلاقية والداعي لعدم التقيد بها أو ازالتها من طريق تحقيق الأهداف الاستراتيجية . كما أعادوا استنساخ السياسة البريطانية القديمة وتطبيقها حرفيا وبسبب علاقتهم باسرائيل ومؤتمرات هرتزليا فيها والتحالف الاستراتيجي القائم معها لعبت نبوءات التوراة (العهد القديم ) دورا واضحا في التنظير . أى أنهم اعتمدوا علي سلفية سياسية أنجلو سكسونيةدون الأخذ في الاعتبار تقلبات الزمن وسلفية دينية قوامها أساطير ليس لها علاقة بعلم السياسة وفلسفة لااخلاقية وهي بهذه الصفة غير دينية وهو مايجعل المنهج الفكرى مضطرب في داخله ومتناقض بالاضافة الى اطار عمل محكوم سلفا بغرور القوة وجنون العظمة . هذا كله لايمكن أن يسفر الا عن استراتيجية بدائية وان كانت منسوبة الي بلد متقدم علميا . وهذا الطابع البدائي هو الذى دفع مثقفين أمريكيين لمناهضة هذه الاستراتيجية ويدعون لالتأمين بقاء القوات الأمريكية في العراق وانما علي سحبها نهائيا منه ، ودفع الرئيس الأمريكي كارتر يصدر كتابا يطالب فيه بعدم رهن المصالح الامريكية للآملاءات الاسرائيلية التي تضر في نهاية الأمر بمصالح أمريكا واسرائيل معا على المستوى الاستراتيجي. وهذه الاستراتيجية الحالية تعمل في الواقع ضد مصالح أمريكا المستقبلية. لست ممن يقولون بأن أمريكا هزمت في العراق أو أنها لم تحقق أهدافها الاستراتيجية من غزوها له ، ولكنني أقول بأنه حتي لوحققت أمريكا النصر الذى مازال رئيسها يحلم به وتحققت أهداف استراتيجيتها التدميرية والعنصرية والشوفينية الحاقدة الحالية فان الأمور ستنتهي بدمار لذاتها ولحلمها الامبراطوري ولن يكون بمقدورها المحافظة علي مكانتها الدولية الحالية علي المدى البعيد ، وان لم يكن بعيدا . ولاتوجد أدنى علاقة بهذه القناعة وكوني عربي مسلم ناقم عليها بسبب ما ألحقته حتي الآن ببلدان عربية مسلمة من دمار وأزهقته من أرواح تعد بمئات الآلاف وهو عدوان غاشم وفاجر مازال متواصلا . ان السياسة عندما يعتلي صهوتها العسكر والأجهزة الآمنية لايمكن أن تقود
الا الي الخراب وهذا مايمكن ملاحظته بوضوح في سياسات الدول المتخلفة التي تحدد الأجهزة الامنيةسياساتها حتي تحولت مؤسساتها وأحزابها السياسية الي امتدادات لتلك الأجهزة وهذا نفسه ماحدث حاليا في الولايات المتحدة الدولة الديموقراطية المتقدمة والتر تتوفر علي أفضل مراكز الابحاث العلمية في العالم. أنها في الواقع مأساة أمريكية تمتد خارج حدودها لتغرق العالم كله – وخاصة العالم العربي والاسلامي الذي اتخذته هدفا مفضلا لها- في بحر متلاطم الأمواج من المآسي.
مخاطر الإستراتيجية الأمريكية عليها
لم يعد مجال النشر يتسع لمزيد من الاستطراد. ولاحاجة لتتبع نتيجة انفاق 250مليون دولار يوميا في العراق من قبل دولة اقتصادها منهك بالفعل . سأكتفي هنا بالمخاطر التي تجاهلتها تلك الاستراتيجية العسكرتارية البدائية وهي تندفع معربدة بأحدث مالديها من أسلحة خارج بلادها . أول هذه المخاطر القاتلة والتي لاينفع في تفاديها أية وسائل عسكرية ، والتي تعد كامنة حاليا ويمكن أن تنفجر في أي وقت تتمثل في آلاف المليارات من الدولارات العائمة في الأسواق الدولية والتي لارصيد أوأى غطاء لها ممايجعل قيمتها الحقيقية لاتساوي قيمةورقها والحبر المطبوعة به . فهذا الدولار لم يعد العملة الدولية الوحيدة التي يتم بها تمويل التجارة الدولية بعد ظهور العملة الاوربية "اليورو" . كما أن العديد من الدول لم تعد تعتمد عليه كغطاء لنقدها العالمي وحده ، بل نجد دولة مثل الصين تنقص بالتدريج اعتمادها عليه في هذا الشأن . لقد برر البعض التعجيل بضرب العراق من قبل الولايات المتحدة وبريطانيا بقرار صدام حسين بيع نفط بلاده وسداد مشترياتها بغير الدولار. وقد أعلنت ايران
مؤخرا نفس الشئ مماجعلهم يتوقعون أن يكون هذا وحده سببا كافيا لأن تكون مرشحة هدفا للحرب الأمريكية التالية. ولكن هذا السلوك الانتقامي أو الارهابي لايمنع عملة مثل "اليوان الصينى" بأن تتحول الى عملة يتم تسوية المبادلات الدولية عندما تزداد التجارة الصينية اتساعا ولوأن حجمها الحالي يسمح بهذا لوأرادت . أن عوامل كثيرة تتجمع حاليا في جنوب شرق آسيا
تسمح بانهيار سريع لقيمة الدولار في أسواقها المالية كما انهارت عملاتها المالية في أواخر التسعينيات ، الا أن انهيار الدولار في هذه الحالة سيمتد الي باقي الأسواق المالية الدولية. اذا ماحدث هذا فلن تنفع أمريكا كل اساطيلها البحرية وقواعدها الجوية وقواتها البرية . بل ستضطر سفنها الحربية أن تدفع ثمن وقودها لكي تتمكن من الحركة بغير الدولار بينما هي لاتتوفر علي عمله غيره . عمليا سوف تقف في موانئها حتي يأكلها الصدأ . ان المغامرات العسكرية وماتحاول أن تبثه من ارهاب ورعب لدى الشعوب وكراهية وحقد على الولايات المتحدة الأمريكية يعجل بالدفع في هذا الطريق. هذا مثال لمخاطر كان يجب عليها ان تكرس كل جهدها في تأمين مستقبل آمن من مواجهة مثله ذه المخاطر القاتلة وبوسائل اقتصادية وسياسية كثيرة ممكنة. فهذا أفضل من اهلاك الوقت والمال في أوهام عسكرية حول حصار الصين أو التحكم في مصادر الطاقة لحساب الشركات الأمريكية وشن حروب أو التمهيد لحروب أكبر وكأن مهمة الدولة هي الافساد في الأرض وسفك
الدماء.
----------------------------------------- * فوزي منصور *
كاتب مصري مقيم في المغرب fawzy_mansour@hotmail.com









أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية