رأس السنة الميلادية ... وذيولها
لن أوجه اللوم إلى المحتفلين برأس السنة الميلادية ليس لأنهم لا يستحقون اللوم والتقريع كمستلبين انساقوا نحو تقليد النصارى ، ومن تشبه بقوم صار منهم، وإنهم يفعلون ا في احتفالهم برأس السنة ما يعف عن فعله من يتشبهون بهم من مساوئ وآثام ، تستوجب التعزير أيضا ، ولكن لأنني لو كتبت ذلك ، فلن يجد نفعا معهم ، وقد ينقمون علي ، لذلك سأحاول هنا أن التمس الأعذار لهم لكسب مودتهم ، فما لا يدرك كله لا يترك كله. ولماذا لا أجرب البراجماتيكية في أخر أيام سنة كانت من أكثر السنوات تراجيدية و دراماتيكية ؟.
من هذه الأعذار التي التمسها لهم هو أنهم يتقاضون مرتباتهم التي يتعيشون منها في أول كل شهر ميلادي ، وتواريخ ازديادهم سجلت بالتاريخ الميلادي ، وشهادات وفاتهم – بعد عمر طويل- ستكتب بالتاريخ الميلادي أيضا. وستتم إحالتهم إلي التقاعد وفقا لما ما بلغته أعمارهم من سنوات ميلادية. وبالنسبة لي فإنني لو حسبت عمري بالسنة الهجرية لاضطررت أن أضيف ثلاثة سنوات كاملة إلي عمري حسب التقويم الميلادي . بينما أرغب في تقويم يظهر عمري بأقل من عشرين عاما ، لا الذي يزيده ،حتى أضمن أن تقبل الزواج بي حسناء في حدود الأربعين من عمرها ، فلا أخفي عليكم أنني أحب النساء حبا جما، ولكن أحبهن بما أحله الله و في غير مأثم ، والحمد لله . وهي عموما لو قبلت ، هذه التي لم أتعرف عليها بعد ، سينطبق عليها المثل : "من همها تزوجت قد أمها" أما إذ ما قبلت ، وهي تعرف عمري الفعلي حسب التقويم الميلادي ، فستضطر إلى ابتداع مثل جديد يقول : " من شقوتي تزوجت قد جدتي" ، وهذا المثل الجديد وإن كان بدعة ، فهو مستثني من القول المأثور: " كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار'. فهو بدعة لأن هذه الكلمات لم يقل بها الأولون ولم ترد في أرجوزة الشيخ خليل .أما واجب الاستثناء من حكم البدع فذلك لأن الفعل يعبر عن سلوك إحساني ترحم فيه صبية عجوزا ، تداوي علته ، وتؤنس وحشته، وتبدد وحدته ،وتروي غلته، وإن احترقت بناره: فستحتسب من الصابرات المأجورات، إن شاء الله ، اللائي ما رماهن علي المر إلا ما هو أمر منه. وفي محاولة البحث عن تقويم يعينني على إنقاص عمري لجأت إلى التقويم الصيني حيث يوجد فيه عام القرد وعام الكلب وعام التنين وعام الثور ... أي لكل حيوان عام ، ولا يعود إليه عامه إلا بعد 12عاما ،فإذا بالسنة الصينية تختلف عن الميلادية في بداية ونهاية العام فقط ، ولكنها مثلها منزوع من قلبها الرحمة وتتكون من 356يوما وكسر. ووجدتني ، حسب تقسيمها مولود في عام الثور ،رغم أنني لست بذي القرنين.
ومن مزايا الشهور الميلادية أن كل امرئ يعرف متى تبدأ ومتى تنتهي . بينما بداية ونهاية الشهور الهجرية المسكينة ، فأمر بدايتها ونهايتها موضع خلاف ، ويتفاوت من دولة إلى أخرى لا يفصلهما سوى خط حدود متوهم ولو شاء الله والناس الطيبون أن يزيلوا الخط من أوهامهم وأوراقهم لثبتت بداية الشهر ونهايته عند جميع المقيمين إلي جانبي الخط الوهمي.
يتسبب دائما الهلال ، بطبيعته المراوغة ، في إثارة الخلاف بين الناس ، فهو يظهر أحيانا للبعض
ويحتجب عن الظهرر بالنسبة للبعض الآخر،ولو كانوا يقيمون معهم في نفس المكان ، مثال ذلك
السنيون والشيعة في لبنان والعراق ، فكل منهم يصوم لرؤيته ، كما يزعم أو يفترض، ولكن واقع الحال يوضح أن كل منهما يراه في اليوم الذي لا يراه فيه الآخر ، إذ يصوم هؤلاء في يوم ويصوم الآخرون في يوم بعده أو قبله . واتهام الهلال بأنه هو الذي يتسبب في هذه البلبلة أهون من اتهام أحد الطرفين بأنه يكذب علي الله ، ويتعدي حدوده ، فيتهمونني بإثارة الفتنة الطائفية.
ولكن هناك حالة الهلال معذور فيها ، فهو عادة يأتي من أقصى الشرق على قدميه فيصل تخوم وهران وسيدي بلعباس وهو منهك القوي ، ثم يجد الحدود أمامه مغلقا ولا يسمح له " الجوج بغال " بالعبور ، فيضطر إلى الالتفاف من جهة البحر رغم تعبه ،فلا يصل المسكين المغرب الا بعد يوم أو يومين.
الذي يستفيد من حماقات البشر هم المهربون للبنزين والحشيش ، ففي رمضان يمكنهم الصيام مع المغاربة ، أي بعد الجزائريين بيوم أو يومين ، وفى نهاية الشهر ، ينتقلون إلي الجانب الأخر من الحدود فيعيدون مع الجزائريين ويفطرون معهم. ويوفرون بذلك صيام يومين أو ثلاثة. وهم لا يحتاجون إلى طلب فتوى من عالم دين ، لأنه لو سألوا عالم مغربي لحرم فعلتهم ، ولو سألوا عالم جزائري لأحل له ما فعلوه، قكل عالم لأميره تبع.أما لو سألوا حاخام يهودي فسيهش لم ويفرح بهم ، لأنهم في تحايلهم علي الله،سبحانه وتعالي،قد أثبتوا أنهم من أصول يهودية.
الذين يحتفلون برأس السنة الميلادية ويسهرون فيها للصباح سيكتشفون عندما يستيقظون عشية اليوم التالي أن وطأة ذيول السنة،التي تخلفت عنها بعد انتهائها،سوف تقصم ظهورهم ولن يغنهم الاحتفال برأسها المزعوم شيئا . فمن كان في العام المنتهي مثقلا بالديون، سيظل على نفس المنوال في العام الجديد ، ومن كان عاطلا سيظل عاطلا ، وأن احتفاله برأس السنة لم يكن سوى عملية هروب من واقعه، ولو لليلة واحدة ، بينما لا يريد الواقع أن يهرب منه . كان الله إذن في عون هؤلاء الذين تطاردهم الذيول،ولم تفدهم الرأس بشيء،حتى لو كانت "مشوطة."
فوزي منصور











30 ديسمبر, 2007 12:35 م