هل الإصلاح السياسي شرط للتقدم الاقتصادي؟
يشهد التاريخ الحديث بأن أمما حققت ازدهارا اقتصاديا دون أن يكون نظام الحكم فيها ديموقراطيا ، أو يطرأ على تركيبة النظام السياسي فيها تغيير جذري. من ذلك حالة اليابان في ظل أسرة الميجي في نهاية القرن التاسع عشر ، أو حالة الاتحاد السوفييتي تحت حكم ستالين وخلفائه بصرف النظر عما انتهي اليه أمره ، أو حالة بدء الإصلاح الاقتصادي في كوريا الجنوبية الذي قاده حكام عسكريون ، بل وحالة الصين الشعبية أيضا التي تحولت فجأة خلال الثلاثة عقود الأخيرة الي تحقيق أكبر معدل تنمية سنوي في العالم وعلى نحو مستمر بعد أن تعثرت طويلا وفشلت فيها القفزة الكبرى التي قادها ماو تسي تونج والثورة الثقافية التي تعهد على أدولف هتلر والنازية العنصرية التي بشر بها والحرب التي شنها ودمر بها بلاده وأوروبا معها ،
فلا يمكن للمرء إلا أن يندهش لما حققته ألمانيا في عهده من تقدم اقتصادي مذهل خلال سنوات معدودة وهي خارجة لتوها من الحرب العالمية الأولي محطمة جريحة.
ويشهد أيضا التاريخ بأن أمما لم تتمكن من أن تحقق الازدهار الاقتصادي إلا بعد أن استبدلت النظام السياسي الأوتوقراطي الحاكم بنظام ديموقراطي . وأبرز مثال لذلك أسبانيا المجاورة وكذلك البرازيل والأرجنتين وغيرهما من دول أمريكا اللآتينية و كذا دول شرق أوروبا.
ويشهد أيضا أن دولة ديموقراطية مثل الهند منذ اليوم الأول من استقلالها أخفقت الي حد ما خطط التنمية بها في مواكبة الزيادة السكانية، ثم انتعشت التنمية بها مؤخرا ، وباتت تحقق معدل نمو اقتصادي سنوي يزيد عن 5 في المائة سنويا ، وعلى نحو متكرر، وسواء كانت محكومة بحزب الشعب الهندوسي أم حزب المؤتمر، ولو أن الفقر مازال منتشرا في ربوعها إلا أن الأمل ازداد في التخلص منه ، وتكفي الإشارة بأن عدد سكانها يتجه حاليا نحو بلوغ رقم المليار نسمة.
هل هذه الشواهد ، التي تبدو متناقضة ، تدعو إلى الحيرة ، أم تحفز على تجاوز الحيرة للتأمل في كل منها واستخلاص العبرة وسر التقدم الكامن فيها ؟ .وأيضا لاكتشاف مواطن الخلل وكيف أمكن لكل دولة منها معالجته .
ولكي يكون التأمل شاملا وكاشفا للحقيقة الثاوية في موضوع التأمل والخيط الناظم بين كل هذه التجارب الإنسانية التي نجحت في تحقيق التقدم الاقتصادي رغم اختلاف أو ثبات أنظمتها السياسية ، أضيف أيضا الملاحظات التالية :
1- الإصلاح الاقتصادي في كوريا الجنوبية كان العامل الأساس في تغيير النظام السياسي الذى تم في ظله الإقلاع الاقتصادي من نظام حكم فردي أوتوقراطي إلى نظام حكم ديموقراطي منتخب. والنظام الديموقراطي الجديد هو الذي حقق الازدهار الاقتصادي في كوريا ومكن الاقتصاد الكوري من احتلال المكانة الحالة ضمن أكبر اقتصاديات شرق لآسيا والعالم رغم صغر مساحة البلاد ومحدودية عدد السكان نسبيا.
2- سواء في الدول التي حكمت بنظام أوتوقراطي أو بنظام ديموقراطي فعلي أو شكلي وانتهجت سياسات اقتصادية غير اجتماعية أو سيئة انتهي أمر اقتصادها إلي السقوط في هاوية تتخبط حاليا في محاولة الخروج منها دون جدوى. كما سقطت هذه الدول أيضا في شباك المديونية الخارجية والتبعية وفقدت جريتها واستقلاليتها وكرامتها وأمنها القومي وصارت لفمة سائغة لغول العولمة والنيوليبرالية والصهيونية العالمية.
3- إن الدول ذات الديموقراطية الشكلية التي يراقبها ويتحكم فيها العسكر مثل تركيا خلال القرن العشرين وأوصلت اقتصاد بلادها إلي الحضيض وشفي هاوية الإفلاس لم يتسن انقاذها الا بتحرير ديموقراطيتها من قبضة العسكر ، ولم يتم ذلك بسبب اقتناع العسكر بفشلهم وإنما بسبب نزعتهم القوية لرؤية بلادهم ضمن دول الاتحاد الأوروبي مهما كان الثمن واضطرارهم فبول الشروط الأوروبية ، وهي فرصة تاريخية أتيحت لحزب العدالة والتنمية التركي اقتنصها ومكنته من إنقاذ الاقتصاد التركي. في دولة مماثلة مثل الجزائر يحكمها العسكر وإن من خلف الستار أو بلباس مدني داخل الحكومة (حالة وزير الداخلية يزيد الزرهوني وغيره علي سبيل المثال) فإن الحكومة المدنية الصورية تبدو عاجزة عن إنقاذ اقتصاد الجزائر وبدء عملية إقلاع جديد له رغم توفر الأموال.
4- إن ما يمكن اعتباره قاسما مشتركا بين جميع النماذج الناجحة التي ذكرت وحققت ازدهارا اقتصاديا ملفتا للنظر هو وجود قيادة سياسية وطنية ونظيفة اليد ومستنيرة ، وضعت نصب أعينها هدف النهوض باقتصاد الدولة وتحقيق الرفاهية للشعب ، بصرف النظر عما إذا كانت هذه القيادة تنفرد بإدارة السلطة أو منتخبة ديموقراطيا ، اٍلا أنها نجحت في جميع الحالات في كسب ثقة الشعب وتعبئة كل الموارد الطبيعية والبشرية لخدمة الاقتصاد. ووقف الشعب بأكمله خلفها وانخرط بحماس وقناعة في مخطط التنمية الاقتصادية إيمانا منه من حتمية استفادته من عائدها. ولم تكن ثمة معارضة تذكر لها من النخب السياسية والاقتصادية والثقافية في البلاد بعد أن طغت الحمية الوطنية على النزعة الفردية لدي الجميع.
تميزت تلك القيادات الوطنية المستنيرة بعدم سعيها إلي تكوين ثروات خاصة لها ، أن أنها كانت مبرأة من داء الجشع ، وكانت أجهزة الدولة كلها والمكرسة كل جهودها من أحل تحقيق التنمية الاقتصادية على مثالها في الأمانة والعفة والنزاهة وتقدير المسؤولية.
5- إن القائد الوطني مهما كان مخلصا ونزيها وحريصا على تحقيق التقدم الاقتصادي لبلاده
لا يمكنه بلوغ هذا الهدف ما لم يكن مستنيرا أو يعتمد على أجهزة مستنيرة على صعيد امتلاك المعارف الكافية والتي تتطلبها السياسات الاقتصادية /الاجتماعية على مستوى التخطيط أو التنفيذ. تؤكد هذه الحقيقة حالات مثل : جمال عبد الناصر وعبد الكريم قاسم وهواري بومدين والجنرال فرانكو....الخ. فكل من هؤلاء كان مخلصا ونزيها وحسن النية ولكنه أيضا كان عسكريا يفتقر إلي الثقافة السياسية والاقتصادية ولا يلتمسها لدي أولي العلم المخلصين ومستبد برأيه طالما يظن أو يتوهم صوابه.0
6- إن الاستنارة لا تقتصر علي حيازة العلم الاقتصادي والذي لا يجب فصله عما يعرف حاليا بالاقتصاد السياسي وعن علوم إنسانية أخرى عديدة تسانده ، وإنما قد تدفع الاستنارة إلى تجاوز العلم الاقتصادي الكائن إلى ما هو أنسب لحالة الأزمة أو لظرفية خاصة لم يعد يصلح لها. يظهر ذلك حالة مهاتير محمد في ماليزيا الذي اعتمد علي علم أنور إبراهيم في عملية الإقلاع الاقتصادي والتي قادها أنور بنجاح تام ، وعندما حدثت الأزمة المالية الأسيوية ووجد أنور إبراهيم متمسكا بنظرياته الاقتصادية التي طبقها من قبل ، بينما الأزمة تحتاج إلى إبداع وسائل جديدة لإنقاذ ماليزيا من الاحتراق بها، أودع أنور ابراهيم المتخصص في الاقتصاد السجن ليتخلص من معارضته ، ومضى مهاتير في جهوده لانقاد بلاده ، وهو طبيب وليس برجل اقتصاد ، وتكللت جهوده بالنجاح التام. مثال مشابه لذلك ، وان في المجال العسكري ، قدمه ونستن تشرشل إبان دخول بريطانيا الحرب العالمية الثانية عندما اجتمع بالقادة العسكريين ليستشيرهم واستمع إليهم لعدة ساعات وهو صامت قبل أن يفض الاجتماع في النهاية قائلا لهم :" أيها السادة أنتم تريدون دخول الحرب العالمية الثانية بأساليب الحرب الأولي وهذا مستحيل". وانصرف إلي تحديد نوعية الخطط العسكرية المطلوبة التي مكنت بريطانيا من الصمود طوال سنوات الحرب ومواجهة الطيران الألماني إلى أن تحقق في النهاية النصر. ولم يكن للسياسي ونستون تشرشل خيرة عسكرية سوي مشاركته وهو شاب مجند في حرب البوير بجنوب أفريقيا.
الاستنارة إذن تشمل القدرة على الإبداع والاعتماد على الحدس السليم أو استشعار أن كل حدث جديد في حاجة إلى علم وتخطيط مغاير لما هو متوفر تحت اليد.
7- إن وفرة الموارد المالية المحلية ليس كافيا وحده للنهوض بالاقتصاد وتحقيق التقدم الاقتصادي والاجتماعي والحالة الجزائرية شاهدة على ذلك.
8- إن نظام الحكم الفاسد لا يمكنه تحقيق أي إ صلاح اقتصادي ما لم يصلح حاله أولا . ولكن ثمة فرضية،وإن لم يتوفر ما يبرهن على صحتها من التاريخ و تجارب الدول والشعوب ، بأنه بالإمكان في ظل نظام سياسي فاسد أن يتم الإصلاح الاقتصادي من خارج النظام ـ إذا ما التزم النظام السياسي الفاسد الحياد فلم يتدخل لإعاقة انطلاقة جديدة للاقتصاد.
هذه الأمثلة والملاحظات أطرحها للتأمل فيها بحثا عن نور نهتدي به بعيدا عن صخب الخطابات السياسية التي يغلب على معظمها البلاغة الإنشائية والتي تزيد من سعة المتاهة التي نعيشها، وينطبق عليها المثل : " أسمع جعجعة ولا أرى طحنا ".
فوزي منصور
25/12/2007









أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية