نوارس

فكرية، سياسية و دينيةواجتماعية

التعارض بين ماهو شخصي وماهو موضوعي في كتابات بلقزيز

التعارض بين ما هو شخصي وما   هو موضوعي في كتابات بلقزيز

 

نشرت صحيفة المساء في عددها الصادر يوم الجمعة الماضي الجزء الأول من مقال للكاتب العزيز عبد الاله  بلقزيز  الذي أزعم أنني أعرفه من كتاباته أكثر مما يعرفه خلطاؤه من معاشرتهم له .وقد نشرت المساء في اليوم التالي الجزء الثاني وكان عبارة عن كرونولوجيا أو سرد تاريخي للانتخابات في المغرب وموقف بعض الأحزاب منها . والذي أتناوله هنا هو ما جاء في الجزء الأول.

يقول بلقزيز في مقاله إن قوي اليسار والحركة الوطنية تعنيه الي حد بعيد "ولأكثر من سبب موضوعي وشخصي" .

ولقد بدأ مقاله بمسلمات لا خلاف عليها ، عرف فيها السياسة في حالتها المثالية التي تكون فيها :"ظاهرة من ظواهر الحراك الاجتماعي " وتكون "الحالة الوحيدة التي يكون فيها الوطن موضوع اهتمام : حاله ، مستقبله، نوع السياسات التي ينبغي أن تدار بها مؤسسات الدولة...الخ"ثم شخص العلاقة بين السياسيين والدولة ، واعتبر أن السطوة والسلطان هي غاية السياسيين والدولة ، واعتبر أن السطوة والسلطان هي غاية السياسيين " إلا نفر قليل من أهلــها ، يليق به أن يكون من أهل الله من الصوفية من فرط زهده في أمور السياسة ( وهي من أمور الدنيا)وتعففه عن أدرانها، وبغيته كمالا فيها يمتنع امتناع المستحيل" . وقد يفهم من كلامه أنه من هؤلاء الزاهدين المتصوفة في معاقرة السياسة وحمل أدرانها من ناحية ، والساعين من أجل كمالها من ناحية أخري ، أي من الخارجين منها والداخلين فيها في وقت واحد ، وهو تعارض نغض الطرف عنه لأنه يحتمل تأويلات شتي. إلا أنه ينفي الواقعية عن هذا النوع من السياسيين

ويعزز وصفه لهم بأنهم ليسوا من أهل السياسة ويقصر القول بعد ذلك علي الواقعيين السياسيين "الذين يعاقرون فكرة السلطة ويدمنون عليها فلا يحيدون". و لا أستبعد أن يكون في ذهنه حالة الأستاذ عبد الله إبراهيم – رحمه الله – ومن نهج نهجه ، إذا ما أخذنا في الاعتبار أن أصدقاء بلقزيز كانوا يعتبرونهم  دراويش في السياسة أو طوبائيين وغير واقعيين وهم يبررون عدم الاقتداء بهم. وفاتهم أن الأستاذ عبد الله إبراهيم مارس السياسة وترأس حزبا وحكومة عندما كان في المغرب شبه سياسة وعندما تحولت إلي عبث ، وأخرجها المغامرون عن معناها، وفقدت جدواها ، هجرها إلى أن تعود الأمور فيها إلى نصابها . وهو ما لم يحدث حتى أقعده المرض ووافته من بعده منيته.

وختم بلقزيز مسلماته بالقول بأن : " لا حياة  ديموقراطية من دون حياة سياسية ، وأن لا حياة سياسية من دون أحزاب سياسية ، وأن لا أحزاب سياسية من دون سياسة " وكل ذلك حق ويندرج ضمن ما هو مسلم به في علم السياسة ، ولا يخرج عنه.

\نحي بعد ذلك باللائمة على كتبة " يؤدون أدوارا رسمت لهم سلفا أم يأتونها مختارين لا مكرهين ، لكن النتيحة هي نفسها في الحالين : إنتاج رأي عام معاد للسياسة والعمل السياسي"، ويتهم هؤلاء الكتبة أنهم سعوا إلى هدم الأحزاب التي يسميها بالديموقراطية والتقدمية وأنهم تسببوا في كفر الناس بها وبالسياسة.ويقول أيضا أن هؤلاء الكتبة" قد افتتحوا عملية النهش في لحم عبدالرحمن اليوسفي (والفقيه البصري) وعظمه". ثم " تبعتهم أو جاراتهم الصحف القريبة من يسار الحكومة".

وقد فات بلقزيز بأنه أذا كان الكتبة الأول يؤدون أدوارا رسمت لهم سلفا فهم تبع لأسيادهم وموقفهم مفهوم أما من تبعهم وجاراهم فلا عذر له وهو إما غبي أو يتبع نفس أسياد السابقين ويأتمر بأمرهم رغم وجوده أو كتابته في صحف مقربة من يسار الحكومة ، وما ينطبق علي الكتبة ينطبق أيضا علي أصحاب الصحف. وفاته أيضا أن الصنف الأول من الكتبة ممن افتتحوا باب هجاء اليوسفي و الفقيه البصري ينطبق عليهم قول الشاعر العربي :

وإذا أنت أتتك مذمتي من ناقص  فهي الشهادة الي بأني كامل

ومازالت قيمة اليوسفي والفقيه البصري محفوظة عند كل الوطنيين المخلصين لم يمسها سوء أما هؤلاء الذين جاروهم في فسوقهم وظلموهما علنا لغل في قلوبهم دفين ، فينطبق عليهم قول الشاعر :

وظلم ذوي القربى أشد مضاضة   على النفس من وقع الحسام المهند

وأن اليوسفي والفقيه البصري لم يتأذيا من نباح المنتمين إلى غرباء لا قيمة لهم وإنما من نباح المنتمين إلي من اعتبروهم من أهل الدار ، هؤلاء الذين بيدهم الأحزاب التي يهم بلقزيز أمرها لآسباب قال إنها شخصية ، ولم يسلموا من نقد لاذع وشديد اللهجة منه بعد ذلك في نفس المقال ، ما كان للحطيئة أو بشار ابن برد أن يبلغا حده . وقال في تلك الأحزاب ما لم يقله مالك في الخمر، ونزع عنها كل وطنية وديموقراطية وسياسة لأسباب قال إنها موضوعية . وهو ما يظهر التعارض البين بين دافع شخصي يقود إلى التعلق بأحزاب دون غيرها مهما بلغت من سوء ودافع موضوعي يقر بما وصلت نفس هذه الأحزاب إلى أحوال سيئة أفرغتها من محتواها الحزبي والسياسي ، واستحقت أن ينفر منها منتسبوها ، فوجا بعد فوج ، بما حدث فيها من انشقاقات ، وأن ييئس منها كل من علق عليها آمالا وينصرف عنها ويفقد الثقة فيها وفي السياسة التي تمارسها سواء داخلها أو خارجها.

يقول بلقزيز في هذه الأحزاب : "كان دائما يعنينا التفكير في أوضاعها الداخلية وفي أدائها السياسي . في ما تعانيه من محنة مزمنة علاقاتها التنظيمية الداخلية  جراء انعدام حياة ديموقراطية  حزبية ، وتسلط أوليغارشيا بيروقراطية على القرار فيها . والحيلولة دون سيولة تدفق الأفكار والأجيال الجديدة في شرايين المؤسسة الحزبية .أو في ما تعانيه من تكلس فكرى وسياسي ، ومن عجز فادح في التكيف مع متغيرات العالم والاجتماع والسياسة والفكر والاجتهاد في اجتراح أحوبة خلاقة على إعضالاتها المستجدة أو هشاشة تماسكها ،أو تمالك نفسها أمام إغراءات السلطة  إلى حد ركوب سياسات تجب تاريخها النضالي.....".

هذا إذن رأيه فيها بعد تفكير منه ، ليس المهم هنا بالنسبة لي ما إذا كان هذا النقد اللاذع منه لتلك الأحزاب صائبا أو فيه مبالغة أو قصور، وهو عموما يفترض أنه أدرى بها مني. ولكن الذي يعنيني هنا هو التساؤل عما أبقى لهذه الأحزاب من فضل أو مبرر للبقاء سوى تاريخ يقر بنفسه أنها جبته بسياساتها. وإذا كان ينحاز إلي الموضوعية والواقعية ، وهذه حالة هذه الأحزاب الموضوعية وواقعها الفعلي المثقل بكل الأدواء التي لا برء منها بغير عمليات قيصرية فشل من أرادوا إجراءها من قبل ووجدوا أنفسهم خارج الحزب ، ولا حول لهم ولا قوة فيه بعد أن امتلكته وسيطرت عليه ما يسميها بلقزيز بالأوليغارشيا وأعوانها والمنتفعين بها. والتي كنت أخالها قبل ذلك في روسيا وبعض الدول العربية الأخرى فقط.

هل يكفي القول بأنه لا سياسة بدون أحزاب لإضفاء المشروعية على وجودها وبقائها؟ . ولماذا يتلازم ذلك عند بلقزيز بأنه لا أحزاب غير تلك الأحزاب ؟  بحيث يمنع هدمها أو زوالها ظهور أحزاب أخرى مبرأة من تلك العيوب وتمارس السياسة ، كما يجب أن تمارس ، وكما أوضح بلقزيز في مقدمة مقاله . هل جاء في علوم السياسة ما يجعل ممارسة السياسة القويمة لا يمكن أن تتم إلا بواسطة أحزاب مغربية محددة بالاسم؟ هل يتفق هذا مع الموضوعية؟ .. الواضح أن ما سيطر على بلفزيز الدوافع الشخصية وليس الموضوعية.. فما هي حقيقة هذ ه الدوافع الشخصية؟.

ما أعرفه أن هذه الدوافع الشخصية ليست أكثر من أن أصدقاء بلقزيز من المغاربة المقربين إليه تصادف أن معظمهم إن لم يكن كلهم ينتمون إلى حزب الاتحاد الاشتراكي أو أحزاب يسارية أخرى بالإضافة إلي حزب الاستقلال. وهم ، رغم أن عددهم ليس بالكبير وله – ربما- خارج المغرب من الأصدقاء من هم أكثر منهم عددا ، أهم ميزة لديهم أنهم يشاركونه توجهاته العروبية القومية ، وهي التوجهات التي لاغبار عليها، وأما مزاياهم الأخرى لديه فتتمثل فى حرصهم على مودته، وعلى احترام رأيه وإن خالف رأيهم ، وعلى إظهار تعاطفهم معه في كافة المناسبات ، ولو أنه تعاطف قد لا يتجاوز – ربما – جود اللسان. وقد قدر لعبد الإله بلقزيز أن ينشأ عاطقيا شديد التأثر بكل من يبدي له ودا. وهؤلاء الأصدقاء المتحزبون " الذين أدمنوا فكرة السلطة ، ويدمنون عليها، فلايحيدون" ويبررون خياناتهم لتاريخهم ومبادئهم بالواقعيةـ وهم يعنون في الواقع البراغماتيكية – ضاعوا داخل تلك الأحزاب التي ينتمون إليها أو تاهوا في سراديب المكائد الداخلية فيها ، والأجواء الغير النقية  السائدة  في دهاليزها.

ولذا يمكن أن نفهم أن بلقزيز عندما يقول بتعاطفه مع تلك الأحزاب لأسباب شخصية إنما يتعاطف مع أصدقاءه فيها ، وعندما يتوجه بالنقد اللاذع لهذه الأحزاب لأسباب موضوعية – علي حد قوله- فهو في حقيقة الأمر إنما يدافع عن حق أصدقائه أو يثأر لهم منها ، سواء فعل ذلك وهو يدرى أو بدافع لاشعوري.

وحتى لا يساء فهم ما أقوله ، فإنني أؤكد هنا أن معرفتي به، التي أدعيها ، تجعلني على ثقة تامة من أنه رجل صدق ،ويقول ما يؤمن أنه حق، وملتزم بقيمه ومبادئه الخيرة وأمين عليها ومخلص لها ولا يحيد عنها.إلا أنه في ذات الوقت مثل أي كاتب صادق مع نفسه لا يمكنه الفصل بين ما هو شخصي وبين ما هو موضوعي، حتى وإن اجتهد في ذلك ، لأنه أولا وأخيرا يعبر عن ما يجيش في نفسه من عواطف هي الدافع إلي الكتابة قبل الشروع فيها ، ثم تأتي المرحلة الثانية وهي التماس العقل والموضوعية حتى لو كانت النتيجة تعارضا بينا بين مذهبي  العاطفة والعقل . وما يقود اليه مهيع كل منهما. وهذا ما حدث هنا مع كاتبنا العزيز: بلقزيز.

                                                                    فوزي منصور



أضف تعليقا