نوارس

فكرية، سياسية و دينيةواجتماعية

قراءة في رسالة اليازغي

قراءة في رسالة اليازغي

 

خرج العديد من الصحف الأسبوع الماضي تحمل في صفحاتها الأول نبأ استقالة السيد/محمد اليازغي من رئاسة حزب الاتحاد الاشتراكي رغم أن الكتاب الصادر منه والموجه للمكتب السياسي ولعضوات وأعضاء الحزب معا لم يرد فيه لفظ الاستقالة وإنما يقول بالحرف الواحد :" ......فإنني أعلن مغادرة موقعي ككاتب أول وتجميد نشاطي بالمكتب السياسي إلي حين انعقاد المجلس الوطني للحزب." أي أنها من واقع ألفاظها بمثابة إعلان عن أجازة تنتهي بانعقاد المجلس الوطني للحزب وليست أكثر من ذلك. وهي أيضا مغادرة طوعية محدودة المدة يعود صاحبها إلي عمله بمجرد انعقاد المجلس الوطني . وأسرع الكثير من الصحافيين لإظهار الشماتة في اليازغي ولم يشذ في البداية عنهم سوى الصحافي أحمد نشاطي (المعجب الي حد الانبهار بالسيد/ اليازغي) الذي قال إن ما أقدم عليه اليازغي ليست أكثر من تأجيل الصراع مع أعضاء المكتب السياسي إلي حين ، وأنه اتبع مقولة لينين " خطوة إلي الوراء من أجل خطوتين إلى الأمام " وأنه – يضيف نشاطي – " اختار التراجع المرحلي ، الذي يعني في أدبيات الماركسية اللينينية أنه تهدئة مؤقتة للعودة بهجوم كاسح في محطة المجلس الوطني المرتقبة مثلما فعل اليازغي نفسه سنة 1995 عقب دخول الراحل الفقيه البصري إلي المغرب (...) في لحظات عصيبة دقيقة اعتبرها البعض نهاية اليازغي. بيد أن هذا الأخير الذي أحنى رأسه للعاصفة عرف كيف يمتصها ويشغل محركاته التنظيمية ليعود بعد ذلك أكثر قوة..." وتنبه أيضا الى أن اليازغي لم يقدم استقالته وصرح للمساء بأن محمد اليازغي لا يعتبر نفسه قد استقال وإنما " يخوض صراعا مفتوحا لاستعادة موقعه..".

ولذا توقع نشاطي أن يبذل اليازغي قصارى جهده للعودة إلى منصب الكاتب الأول للحزب. ونجد هنا أن نشاطي استثمر ثقافته الماركسية اللينينية القديمة التي قادته من قبل إلى التعذيب في مخافر الشرطة ، وإن لمدة محدودة ، ولكنها لا تنسى ، بينما لم يعرف عن اليازغي أنه كان يوما من مريدي ماركس أو لينين، بل كان دوما في طليعة المعادين لفكرهم رغم انتساب حزبه – الذي يقول في رسالته " ساهمت في تأسيسه وبنائه بكل ما اقتضي ذلك من جهد – إلى اليسار والاشتراكية ، وإن صدق ما يشيعه عنه خصومه فهو : معاد لكل ذي فكر سواء كان فكره ماركسيا أو قوميا أو إسلاميا في نزعته.

تبع فيما بعد نشاطي محرر الملحق الأسبوعي للمساء الذي قال بدوره : " فاليازغي رغم العزلة التي يشعر بها اليوم بعد تخلي مناصريه عنه ، لم يفقد كل أوراق مناورته ومقاومته ، ليس ففط من أجل استعادة منصبه ككاتب أول للحزب وإنما من خلال استمرار تمسكه بآلته التنطيمية ومقاومته،ليس فقط من أجل استعادة منصبه ككاتب أول للحزب ، وإنما من خلال استمرار تمسكه

بآلته التنظيمية التي ظل يتحكم في دواليبها لسنوات طوال ، ولا أحد يستطيع أن يجاريه في كيفية إدارتها من خلف الكواليس للإيقاع بخصومه". وقال أيضا:" إن اليازغي يعرف كيف يناور وقت الأزمات العصيبة ، يتراجع الي الخلف للإعداد للمقاومة المقبلة التي قد نشهد أولى طلائعها خلال انعقاد المجلس الوطني ، والتي يجب توقع ضراوتها خلال انعقاد المؤتمر الثامن للحزب الذي أصبح اليازغي يراهن عليه للإيقاع بخصومه".  مع ملاحظة أن تلك الكلمات ظهرت بعد نشر رسالة اليازغي  إلى المكتب السياسي.

مما يبدو لي أن الذين كتبوا حول رسالة اليازغي  ،التي نشرت يوميتي التجدبد والصباحية نصها كاملا ،إما أنهم كتبوا ما كتبوه دون الاطلاع علي نصها أو أنهم قرؤوه ولم يتيحوا لأنفسهم فرصة تأمل وفهم مضمونه.  فالذين اعتبروا أن السيد/ اليازغي سينتظر المجلس الوطني لكي يحكم بينه وبين ما شجر بينه وبين أعضاء المكتب السياسي من خلاف فاتهم أن الرسالة تقول بأن مغادرته موقعه تنتهي مع انعقاد المجلس وليس مع صدور قرار منه. وقد تنبه البعض إلي أن الرسالة التي وجهها ليس للمكتب السياسي فقط وإنما  أيضا إلي أخواته وإخوانه من الاتحاديات والاتحاديين تعتبر موجهة إلي أعضاء المجلس الوطني أساسا أكثر مما هي موجهة لسواهم. ولكن ثمة من بدأ يتشكك بعد قراءة الرسالة من أن يكون ثمة خلاف أصلا بين السيد/ اليازغي وبين أغلبية أعضاء المكتب السياسي وأن العملية برمتها مسرحية كتب نصها ووزع الأدوار فيها وأخرجها السيد/ اليازغي نفسه بغرض التخلص من بعض أعضاء المكتب السياسي ولدواع سياسية أخرى. وثمة شواهد تعزز وجهة النظر الأخيرة.

ثمة فارق كبير بين تقديم الاستقالة مثلما فعل الأستاذ عبد الرحمن اليوسفي عام 1993، وترك الجمل بماحمل، وحل محله اليازغي في الحزب والجريدة بكامل صلاحياته، وبين ما أقدم عليه السيد/ اليازغي ، والذي يعتبر قد جمد صلاحياته مع تجميده لعضويته في المكتب السياسي ، والذي لايمكن القول بأن اليازغي قد فوضه في شيء بموجب رسالته المرسلة اليه. بل سنجد اليازغي قد أعلن بعد ذلك تخليه عن جريدة  الحزب في ظل أنباء تقول بأن عمالها لم يتقاضوا بعد مرتباتهم عن شهر نونمبر المنصرم. وقد يكون هو المتصرف الوحيد في أموال الحزب ويمتنع عن الإنفاق منها لأنه في مغادرة لمنصبه وعدم تفويض سواه لأنه لم يقدم استقالته وهذه إحدى اشكاليات الرسالة الغريبة التي ربما لم ينتبه لها أحد بعد.

وما عزز الشكوك ما اشتكى منه الثلاثة الذين يمثلون الحزب الاشتراكى الديموقراطي المنحل في المكتب السياسي للاتحاد الاشتراكي من أنهم وجدوا أنفسهم غرباء في المكتب السياسي لا يستشيرهم أحد داخل المكتب سواء ممن أظهروا الموالاة لليازغي أو أبدوا المجافاة له والبراء منه. وأنهم فوجئوا بالتطورات الأخيرة ، مما دعاهم إلي عقد اجتماع مع أعضاء حزبهم المنحل الذين انضموا إلى الاتحاد الاشتراكي، وأرسلوا وفدا إلى بيت اليازغي ،على نحو ما كتب محتات الرقاص في بيان اليوم. وأيدته ذلك الأحداث المغربية ، وأضافت أن المجتمعين من أعضاء الاشتراكي  الديموقراطي المنحل توزعوا بين داع للانتظار حتى ينجلي الموقف ، ومتحمس للانسحاب من الاتحاد الاشتراكي. أي أن بوادر انشقاقهم عن الحزب بدأت تتفاعل داخلهم. وتعبر تصريحات عبد الصمد بلكبير الأخيرة للتجديد وللمساء عن الحيرة والارتباك والقلق الذي ينتابهم حاليا. وتهميش هؤلاء عن عمد يثير الشكوك بان خلف الأكمة ما ورائها.

وعندما نرى التأكيدات الصادرة من الأشعري والراضي بأن مشاركة الحزب في الحكومة لم تكن موضع خلاف وأن المكتب السياسي أيد ودعم مشاركة الحزب في الحكومة تدحض كل التأويلات التي أعزت الخلافات داخل المكتب السياسي الي وجود معارضة لمشاركة الحزب في الحكومة.

الذين يتشككون فى الأمر ويقولون بأن مايخفيه باطنه غير مايعلنه ظاهره معتمدين علي الرسالة ذاتها يرون أن اليازغي يستهدف من هذه المسرحية التى كتب فصولها بليل صيد عصفورين بحجر واحد :

أولهما : تحقيق ما فشل فيه من قبل بضم أحزاب يساريه اليه وتكوين ما يحلم به وهو مايسمية بالقطب الاشتراكي الديموقراطي الواسع لمواحهة اليمين الرجعي المحافظ على النحو الوارد في رسالته.

ثانيهما : معرفة خصومه في المكتب السياسي والمجلس الوطني والتخلص منهم خلال المؤتمر الثامن.

وقد عبر أنصاره للصحافة عن رغبة المكتب السياسي في إعادة نوبير الأموي إلي صفوف الحزب واستعدادهم لحل النقابة الوطنية التي يرأسها  الطيب منشد وعودة أعضائها إلي الكونفيدرالية واستعادة عبدالكريم بن عتيق أيضا. ولم تمتد تطلعاتهم الي أكثر من هذين.

أما بالنسبة للهدف الثاني فقد لوحظ أن من تحركوا وأظهروا معارضة لليازغي عندما اختلف مع اليوسفي حتي اعتبروا تيار اليوسفي داخل الحزب وبعد مغادرة اليوسفي للحزب كانوا سمنا وعسلا مع اليازغي هم الذين تحركوا الآن مظهرين موقفا معارضا له ومتصدرين المعارضة ويشك بأنهم أصابع اليازغي التى حركها هذه المرة مثل المرة الأولي بعد أن ووجه بانتقادات حادة داخل المكتب لم يكن يتوقعها وخشي أن ينفلت زمامها فأوعز لأصابعه بأن تتحرك وتظهر معارضتها له لكي يتحكم بواسطتها في المعارضة من ناحية ويعرف ما تخطط له ويعرف في نفس الوقت من معه ومن عليه.

ولم يكن اليازغي في حاجة إلي من يصوغ له رسالة تحفظ له ماء الوجه بعد أن احتدم الخلاف وإنما يمكن القول بأن الرسالة تمت صياغتها بتوافق بين اليازغي وأتباعه أو أصابعه داخل المكتب السياسي والذين حرصوا علي أن تكون لهم قيادة الحزب في غياب اليازغي وأن يكون منهم من يتحدث باسم المكتب السياسي أيضا. بل بدءوا في ممارسة ذلك بدون ترخيص أو تفويض من المكتب السياسي لوضع أعضائه أمام الأمر الواقع.

إذا صحت وجهة النظر تلك سيتضح أن السيد/اليازغي لا يثق حتى في أصابعه ولذا اتخذ كافة الاحتياطيات التي تضمن عدم انفلات خيوط اللعبة من بين يديه.

باقي السيناريو هو أن تظهر سيطرة السيد/ اليازغي كاملة على المجلس الوطنى الذى لن ينعقد  الا بعد أن يضمن السيد/ اليازغي أن الغالبية العظمي مؤيدة له وسيفاجئ المعارضون له بأنه وهو في موقع قوة لن يطلب استقالة المكتب السياسي وأنه سيترك تشكيل المكتب للمؤتمر الوطني الثامن الذي سيقوم منفردا بهندسته كما هندس من قبل المؤتمرين : السادس والسابع .

من المقولات الشائعة أن من السهل أن تشن حربا ولكن من الصعب أن تخرج منها ، ولذا فأنه حتي الذين يجعلون من اليازغي أسطورة يبدون مخاوفهم سواء عليه أو علي الحزب وقد عبر عبدالصمد بلكبير عن هذه المخاوف بأن اعتبر أن ما حدث في المكتب السياسي يشبه زلزالا لا يمكن ضمان أو معرفة الهزات الارتدادية الناتجه عنه .  بصيغة أخرى أنه مهما كانت مهارة اليازغي وقدرته على إحكام الخطط والمناورات فقد تأتي في النهاية الرياح بما لا تشتهيه السفن.

الأقلية داخل المكتب السياسي التي ظلت تدافع عن اليازغى حتي صدرت اليهم التعليمات بأن ينضموا الي الأغلبية المعارضة ،أشاعوا أنه قد مورست عليهم ضغوطا خارجية وكان هدفهم من تسريب ذلك الى وسائل الإعلام محاولة الايحاء بأن الأغلبية المعارضة له في المكتب والذي كان معظمها معروف بتأييده له ومحسوب عليه، إنما مورست عليها ضغوط خارجية أيضا لنزع أي مصداقية عن موقفها ، وحتي يكون على أعضاء المجلس الوطني بمن فيهم من لهم تحفظات على اليازغي أن يقرروا ما إذا كانوا يقبلون أن تتدخل جهات خارجية في الشئون الداخلية للحزب أم لا؟. بينما ما يمكن تأكيده هو أنه من غير المتصور أن تتدخل أية جهات خارجية  لآنه لامصلحة لها في ذلك ، وسواء بقي اليازغي على رأس الحزب أم لا ، خاصة إذا كانت تعرف أن كال مايحدث توجد سيطرة لأصابع اليازغي علي مجرياته. والجهات الخارجية ليس لديها قلق على استمرار الأغلبية المساندة للحكومة وهي تعلم أن 50 في المائة من برلمانيى الحزب من الأعيان الذين لا تربطهم بالاتحاد الاشتراكي أية وشيجة ولايهمهم سوى مصالحهم. اذن القول بوجود ضغوط خارجية فرية لا يستفيد منها سوى اليازغى ومن له تبع.

لقد كتب اليازغي في رسالته أنه يعلن مغادرة مكانه حرصا منه على وحدة الحزب . بينما الذي يمكن أن يحدث في حالة إذا ما عاد إلى قيادة حزبه مرفوعا علي هامات أنصاره أو من يسمونهم بأدواته التنظيمية ، ويتخلص من معارضيه ، فإن ذلك لن يعني مطلقا المحافظة على وحدة الحزب وإنما هو بمثابة مزيد من التمزيق له. بل قد يقود ذلك الى موت الحزب سياسيا . واذا كانت ثمة جهات خارجية لها رغبة في رؤية نهاية سريعة للحزب . وأنا لا أنكر احتمال وجود هذه الرغبة بل أرجح وجودها ، فإن من مصلحتها أن تترك الأمور تسير كما أراد لها اليازغي وأتباعه دون أدنى تدخل منها.

يجب أيضا أن يؤخذ في الاعتبار أن السيد/عبد الواحد الراضي يقف الى جانب السيد اليازغي بكل ثقله ،وأن إمكانياته المادية والرمزية كبيرة ويمكن أن تكون مؤثرة ومساندة له في الوقت المناسب. وأن السيد/ اليازغي  كان الحظ في الغالب يلعب لصالحه . فقد أبعدت الظروف أو الصدف عن طريقه كل من الاستاذين المهدي بن بركة وعمر بن جلون رحمهما الله بعد أن أغتيل كل منهما وكذلك وجود الفقيه البصرى في منفاه الإضطراري ، ومن قبله الاستاذ عبدالرحمن اليوسفي وما كان ليسعد له طالع أو يتحقق له أمر في وجودهم وقامة كل منهما كانت أطول من قامته . ويعتبر هو المستفيد الوحيد من تسريب رسالة قديمة الي الصحافة أرسلها الفقيه البصرى الي الاستاذ اليوسفي ولم تصله . كما ساعدته الظروف أيضا في التخلص من المشاغبين له داخل الحزب مثل الأموي الذي انشق بعد مشاركته في المؤتمر السادس حتي نهايته ولايعرف أحد حتي اليوم سبب انشقاقه وأيضا الساسى وحفيظ والسفياني وأحمد بوز وغيرهم من الشباب الذين تركوا له الجمل بما حمل وانصرفوا عنه فأراحوه منهم واستراحوا منه.وخلال سنوات طويلة كانت الاستعلامات العامة تخلصه دائما  من كل من ظهرت عليه بوادر الشغب في صفوف الحزب من الذين قد يجد حرجا فى  طردهم والتخلص منهم. ولا ننسى هنا ما شهد به محمد البخاري من أن 70 في المائة من المنتسبين للحزب كانوا يعملون مع الاستعلامات العامة وقد أقر عبد اللطيف جبرو بوجود عملاء كثيرين للداخلية في الحزب ولكنهم أقل من النسبة التى ذكرها البخاري وأنهم كانوا معروفين. وعاد البخارى ليقدم بداية  العام الحالي معلومات تفصيلية مدققة عن قيادات بحزبي الاتحاد الاشتراكي والحركة الشعبية كانوا يعملون مع المخابرات.

لا أحد يشك في قدرات اليازغى وتخطيطاته وخدمة الحظ له في جميع المحطات السابقة وأن ذلك يمكن أن يتكرر هذه المرة أيضا ، ومع ذلك يظل احتمال فشله واردا ، وحتي إن نجح بديموقراطيته الستالينية في استمرار السيطرة على الحزب فإن ذلك سيوصل الحزب الي نهايته، وقد عبر عن ذلك الاستاذ حميد زيد في تصريحه للمساء حيث قال:" إذا كانت النهاية وشيكة فهي نهاية لحزب أكثر مما هي نهاية شخص ".

فوزي منصور

fawzym2@gmail.com


أضف تعليقا